
في قلب الساحة السياسية السودانية، يعاني الحزب الشيوعي من ازدواجية متشابكة بين مواقفه الثورية الصارمة وتجاربه البرغماتية مع السلطة العسكرية، وهذه المتاهة تكشف بوضوح صراعاً داخلياً يطرح تساؤلات جدية حول قدرته على التمسك بمبادئه دون أن يغرق في حسابات الراهن السياسية، وهذا يجعل مساره السياسي اليوم أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
ففي عطبرة، المدينة التي ارتبط اسمها دوماً بالوعي العمالي والحركة الثورية، قدّم الحزب الشيوعي تمويلا لشبكة الطاقة الشمسية بمحطة مياه عطبرة، واعتبر ذلك في إطار اهتمام الحزب بقضايا الجماهير، للوهلة الأولى قد يبدو هذا المشهد إنسانياً بحتاً، لكن خلف هذه الصورة البسيطة تختبئ مفارقة سياسية عميقة، فكيف لحزب ظل يرفع شعار “لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية” في وجه العسكريين، أن يجد نفسه اليوم منسقاً معهم عبر مبادرة خدمية؟ وهل هذا الموقف يعبر عن خط الحزب العام أم عن انقسام داخلي مكتوم يهدد وحدته؟ من هنا يبدأ السؤال الأهم: هل نحن أمام خدمة جماهيرية صادقة، أم أمام تناقض يفضح أزمة الحزب نفسه؟.
فمن زاوية التحليل الماركسي الذي يتبناه الحزب الشيوعي، فإن ما جرى في عطبرة يمثل تناقضاً صارخاً مع خطابه النظري، فالحزب يرى الدولة – خصوصاً في ظل سيطرة العسكر والإسلاميين – أداة بيد الطبقة الحاكمة لقمع الجماهير وحماية مصالحها، لكن بدلاً من مواجهة هذه السلطة وكشف طبيعتها القمعية، دخل الحزب في تنسيق مباشر معها عبر مبادرة خدمية، وبهذا، ينقض الحزب جوهر منهجه الذي يرفض أي شراكة أو تقاطع مع أجهزة السلطة الطبقية، فالمنطق الماركسي لا يقيس المواقف بمدى “الخدمة المباشرة” التي تُقدَّم، بل بمدى قدرتها على تعزيز وعي الجماهير وتنظيمها في مواجهة أدوات القهر، وإذا كان الحزب يزعم أنه “أقرب للجماهير”، فإن اقترابه عبر بوابة سلطة العسكر لا يحرر الجماهير بل يكرّس تبعيتها، وهو ما يتناقض مع أبسط مبادئ التحليل الطبقي الذي يتبناه الحزب الشيوعي.
وعند مراجعة تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، نجد بأنه ظل يقدّم نفسه بشكل مستمر كصوت ثوري رافض لأي مساومة مع الأنظمة العسكرية، ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، دفع الحزب أثماناً باهظة نتيجة رفضه لانفراد العسكر بالسلطة، وكان قادته وعضويته في مقدمة المعتقلين والمطاردين، وفي ثورة ديسمبر 2018، لعب الحزب دوراً بارزاً في تأطير الحراك الجماهيري ورفضه للشراكة مع المجلس العسكري بعد سقوط البشير، حتى أصبح شعار “لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية” مرادفاً لخطه السياسي، لكن التناقض يبرز اليوم في عطبرة بشكل واضح، فالحزب الذي هاجم قوى الحرية والتغيير واعتبر قبولها بالشراكة مع العسكريين “خيانة للثورة”، يدخل هو ذاته في تنسيق عملي مع سلطة عسكرية يسيطر عليها الإسلاميين، عبر مبادرة خدمية يقدمها كقرب من الجماهير، فهذا التحول يكشف أن الحزب في حالة قطيعة مع خطابه التاريخي الرافض لأي تعامل مع “حكومات الدم”، ويطرح تساؤلات جدية حول مدى اتساقه مع مبادئه المعلنة.
وعلى ذات المنهج، فقد ظل الحزب الشيوعي يهاجم القوى السياسية الأخرى ويتهمها بالانتهازية حين وقعت اتفاقاً سياسياً مع العسكريين، واعتبر ذلك “تخلياً عن الخط الثوري” وخضوعاً لموازين القوى على حساب مصالح الجماهير، لكن موقفه الحالي في عطبرة يضعه أمام التناقض ذاته، فهو يتبنى شعارات ثورية ضد “شراكة الدم”، ثم يعود عملياً ليقر بتنسيق مباشر مع ذات السلطة العسكرية، لذل، فإن هذا التحول لا يمكن تفسيره أبداً بمنطق “خدمة الجماهير” كما أراد الحزب ان يسوقه، بل يفضح ازدواجية بين خطابه الثوري المثالي وممارسته الواقعية البراغماتية، أي إنها ذات الانتهازية التي طالما أدانها في غيره، ها هو الآن يمارسها، وبهذا يفقد الحزب إحدى أهم أوراقه أمام الجماهير، صورة التنظيم الصارم المبدئي الذي لا يساوم، ليبقى السؤال أيضاً ما إذا كان موقف فرعية عطبرة يمثل الخط العام للحزب الشيوعي أم أنه مجرد توجه محلي داخل بعض قواعده، فالحزب تاريخياً عُرف بانضباطه التنظيمي الصارم وحرصه على وحدة قراره السياسي، لكن ما جرى يثير الشكوك حول وجود خط داخلي موازي يتبنى مقاربة أكثر براغماتية مع السلطة القائمة، وإذا صح هذا الاحتمال، فإنه ينذر ببوادر انقسام داخلي مكتوم بين تيار يتمسك بالشعارات الثورية الصارمة، وآخر ينحو إلى الواقعية السياسية حتى لو عبر التنسيق مع العسكر، وهو انقسام قد يفتح الباب أمام إعادة تشكيل خريطة الحزب ومستقبله.
وهكذا يقف الحزب الشيوعي اليوم أمام مرآة تكشف تناقضاته بوضوح، فما بين خطاب ثوري صلب يتشدق بالرفض، وممارسة واقعية تنزلق إلى أحضان السلطة العسكرية، وبين الشعار والممارسة، تضيع ثقة الجماهير التي طالما اعتبرت الحزب حصناً للمبدئية والصرامة، فهل يستفيق الحزب ليعيد لخطه الثوري اتساقه، أم يواصل هذا المسار الذي يهدد بتحويله من رمز للثورية السياسية، إلى مثال حي على الانزلاق والانقسام؟




((((لكن خلف هذه الصورة البسيطة تختبئ مفارقة سياسية عميقة، فكيف لحزب ظل يرفع شعار “لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية” في وجه العسكريين، أن يجد نفسه اليوم منسقاً معهم عبر مبادرة خدمية؟ وهل هذا الموقف يعبر عن خط الحزب العام أم عن انقسام داخلي مكتوم يهدد وحدته))))
عرفتها يا محترم
الحزب الشيوعي يعيش إنقساما عميقا
ويبدوا أن المتخلفين ناس كمال وأمال والخطيب وعلي هم من إنتصر.
نهاية أليمة لكنه يستحقها