الصراع بين الجيش و الجنجويد
مدخل للاختلافات الثقافية بين الشمال النيلي والغرب السوداني...

اكرم ابراهيم البكري
يُعد الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع المعروفة شعبياً باسم الجنجويد من أعقد النزاعات الراهنة، ليس فقط لكونه صراع حول السلطة والسيادة وليس للغموض الكثيف الذي يحيط بطبيعة العلاقة السياسية بين المتحاربين حتى في ظل الحرب ، بل لأنه يكشف عن جذور تاريخية وثقافية عميقة في بنية المجتمع السوداني. يُختزل هذا الصراع الان من قبل السودانيين في بعد عرقي وجغرافي، حيث يُصوّر أهل الغرب بوصفهم أقل تحضراً وأقرب إلى البداوة بينما يُنظر إلى أهل الشمال النيلي باعتبارهم أكثر عروبة وتحضراً. غير أنّ هذه الثنائية المبسطة تخفي وراءها حقائق تاريخية مغايرة.
فالبعد الثقافي والتاريخي لأهل الشمال النيلي حتى وقت قريب كان مزيج إثني متنوع من النوبة والبجا والأحباش، حتى بعد أن توطدت الثقافة الإسلامية في المنطقة عبر التزاوج والهجرات والتأثيرات السياسية والثقافية لم تكن العربية لغة أساسية في هذا الإقليم الى عهد دخول محمد علي باشا الى السودان ، حيث ظلت اللغة النوبية في الشمال، والتبداوية (وهى اللغة الام لقبائل البجا ويعر ف كثير من العلماء انها امتداد للغة الكوشية القديمة) في الشرق، والجعزية في بعض التخوم الإثيوبية، حاضرة بقوة. هذا يوضح أنّ فكرة النقاء العربي في الشمال النيلي حديثة النشأة، ترتبط بمشروعات سياسية وثقافية في القرن التاسع عشر وما بعده أكثر من ارتباطها بجذور تاريخية أصيلة
اما الغرب السوداني (دارفور وكردفان) رغم النظرة الاستعلائية التي صوّرت سكان الغرب كأكثر جهلاً وأقل تحضراً، إلا أن ممارسات وثقافة الجنجويد ليست دخيلة على الثقافة العربية، بل على العكس، تتقاطع مع أنماط السلوك العربي التقليدي قبل الإسلام ، الغزو، السلب، النهب، خطف النساء، ومهنة الرعي. هذه السمات كانت جزء أصيل من النشاط البشري في جزيرة العرب، واستمرت في الممارسات البدوية حتى بعد مجيء الإسلام، وإن خضعت لاحقاً لمحاولات ضبط ديني وأخلاقي.
والمفارقة التاريخية ،تكمن المفارقة في أنّ سلوك الجنجويد، الذي يُصور اليوم كعلامة تخلف أو بعد عن العروبة، هو في حقيقته أقرب إلى البنية الثقافية العربية الأولى ، بينما الشمال النيلي الذي يُحتفى بعروبته الحديثة، هو في الأصل منطقة ذات جذور إفريقية نوبية وحامية، دخلت إليها العربية عبر التدرج التاريخي وليس بالعمق الجيني أو الثقافي المدعى.
دلالات الصراع تقول أنّ الصراع بين الجيش (المتحدر غالباً من النخب النيلية) والدعم السريع (الآتي من تخوم الغرب) لا يُفهم فقط في إطار عسكري، بل هو تعبير عن تناقضات السودان الثقافية ،الاستعلاء العرقي والثقافي الذي مارسته النخب النيلية.
رد الفعل العنيف الذي مثله صعود الجنجويد، كحامل لقوة مستمدة من إرث بدوي عربي متجذر أعادة إنتاج خطاب العروبة الذي يستخدمه الطرفان، رغم أن الجذور التاريخية تثبت أن العربية لم تكن المكوّن الأصلي لأيٍّ منهما.
طبيعة الصراع السوداني الراهن يكشف عن أزمة هوية مركبة، حيث يزعم كل طرف الانتماء إلى العروبة والتحضر، بينما تتقاطع ممارساتهم مع جذور ثقافية متباينة الشمال النيلي ذو الخلفية النوبية والحامية، والغرب ذو السمات الأقرب للبدوية العربية القديمة. إنّ تفكيك هذه الثنائية لا يساعد فقط على فهم مسارات الحرب الحالية، بل يفتح باباً لإعادة النظر في هوية السودان التاريخية بعيداً عن الشعارات الموروثة التي زُرعت عبر التعليم الممنهج والنخب السياسية منذ الاستعمار وحتى اليوم.




كان من بدري هذا العنوان لهذه الحرب اللعينة ((الصراع بين الجيش والجنجويد)) اقول ان هذا هو العنوان الصحيح لهذه الحرب ، ولو كان ساستنا ومثقفينا اعتمدو هذا العنوان لاتحد الشعب باكمله وراء لا للحرب ،،ولما ادخل العملاء والمتنطعون قحت والاحزاب وحتى الكيزان في فوضى المسميات والاسباب والكيفية التي بدات بها الحرب