لم يعد الصمت ممكناً ( لا للتفريط في السيادة ولا للاعتراف بالتنازل عنها)

د. أحمد عثمان عمر
تتردد أنباء عن موقف سلطة الأمر الواقع غير الشرعية من مسائل سيادية تتعلق بوحدة أراضي السودان وسيادة شعبه على أراضيه، توضح تنازلا مخزيا عن هذه السيادة، وتفريطا مريعا في حقوق شعبنا التي لا يجوز التنازل عنها لأي كان ناهيك عن سلطة لا شرعية لها. وتواجه سلطة الأمر الواقع غير الشرعية هذه الأنباء ، بصمت مطبق غير إيجابي ، يشكك في نواياها وتصرفاتها. فالأسافير ممتلئة بالحديث عن تنازل هذه السلطة عن حلايب وشلاتين وأبورماد لدولة مصر الداعمة لحربها الراهنة، وبمشروع دولة كونفيدرالية بينها وبين المليشيا الأرهابية، في سلوك ينبئ عن استعداد تام لتقديم اي نوع من التنازلات للبقاء في السلطة، بغض النظر عن اثر هذه التنازلات في تحجيم مساحة سيطرة هذه السلطة، طالما أنها تبقي على التمكين، وتمنع من المحاسبة والعقاب، وتؤسس لاستمرارية نهب الموارد. فالتبعية للخارج في مواجهة الداخل، هو ديدن السلطات المعادية لشعوبها، واقتسام المسروق هو ديدن اللصوص بكل تأكيد، قبل ان يختلفوا وكذلك في سبيل تسوية الاختلافات. فمن يسرق السلطة لن يجد حرجا في اقتسامها مع سارق آخر بدلا من تسليمها لاصحابها.
وبغض النظر عن صحة هذه الأنباء من عدمها، لم تقم سلطة الأمر الواقع غير الشرعية بنفيها رسميا برغم خطورتها، مما يحتم تناولها بجدية تمنع حدوثها وتضع النقاط فوق الحروف فيما يخصها. ولسنا في حاجة للقول بأن سلطة الأمر الواقع ليست دستورية بموجب الدستور ساري المفعول، وهي لا تمثل شعب السودان لأنها سلطة انقلاب عسكري غير معترف بها داخليا أو خارجياً، فشلت مؤخراً في رفع تجميد عضوية بلادنا في الاتحاد الأفريقي. وهي لا تعتبر سلطة سيادية تمثل سيادة الشعب السوداني بأي صورة من الصور. ولا شك في ان الدول التي تتعامل معها كسلطة وتعترف بوجودها لتستغل ضعفها فتبتزها عبر دعم حربها، تعلم يقينا ان تصرفاتها والعدم سواء. ففي ميزان اي سلطة دستورية قادمة، جميع تصرفات سلطة الأمر الواقع غير دستورية، وغير ملزمة لشعبنا بالتبعية. وأي اتفاقيات او معاهدات او ترتيبات تتعلق بسيادة البلاد تتخذها هذه السلطة، لن يتم الاعتراف بها من قبل شعبنا حتماً، وسوف تتخذ كافة الإجراءات الدستورية والقانونية لإلغائها ومناهضتها بكافة السبل المتاحة. ولا يظن أحد أو يتوهم بأن شعبنا سيتنازل عن حقوقه السيادية في حلايب وشلاتين وأبو رماد المحتلة ، فسلطة الأمر الواقع ليس لديها شرعية او حق في التنازل عنها، وأي إجراءات يتخذها الجنرال الانقلابي المزمن صاحب حرب الكرامة المزعومة في هذا الصدد، سيرفضها شعبنا ويناهضها ، ويعمل من أجل إلغائها، سواء أكان ذلك بإعتماد خرط تسقط حقوق السودان في أراضيه ، او توقيع وثائق تشتمل على تنازل عن تلك الحقوق. فحقوقنا ثابتة بالوثائق الرسمية المتوفرة لدينا ولدى بريطانيا ، واجراءات اعتراضنا على الاحتلال مازالت أمام مجلس الأمن، وقانونيينا المتخصصين حاضرين للقيام بواجبهم في هذا الصدد في اي وقت. لذلك من الواجب ان يوضح شعبنا وقواه المدنية بصورة قاطعة، بأننا لن نعترف بأي تنازل عن اراضينا، كما لم نعترف بتطبيع نفس الجنرال الانقلابي المزمن مع الاحتلال الصهيوني، ويبدو انه جنرال مغرم بالتنازلات والتطبيع مع قوى الاحتلال!
كذلك يجب ان نرفض وبوضوح، اي ترتيبات وتفاهمات تقود إلى تسوية بين الجيش المختطف وسلطة الأمر الواقع غير الشرعية التابعة له، وبين المليشيا الإرهابية للوصول إلى تسوية تمس وحدة البلاد وسلامة أراضيها. فما رشح من مفاوضات لتكوين دولة كونفيدرالية قوامها دولتين احداهما للمليشيا الإرهابية بدارفور وكردفان، مرفوض جملة وتفصيلا. لأنه من ناحية صادر عن سلطتين غير شرعيتين، وهو مجرد تكريس لنتائج حرب مفروضة على شعبنا بين قسمين من اللجنة الأمنية للإنقاذ من ناحية اخرى، ولأنه يقود إلى تقسيم فعلي للبلاد واهدار مواردها وتنصيب سلطات معادية لشعبنا في الدولتين الكونفيدراليتين، تكرس حالة نهب الموارد وتثبت الاستبداد والإفلات من المحاسبة و العقاب من ناحية ثالثة. ولمن يتوهمون بأن هذه الطريقة سوف تجلب السلام والاستقرار وتؤسس لعدالة، تجربة انفصال الجنوب كافية لتقديم عظة حقيقية ودرس لا يمكن تجاوزه، وقيام دولة في دارفور وكردفان سيكون اسوأ. ومن الواضح ان سلطة الأمر الواقع غير الشرعية التي يمكن ان تتنازل عن سيادة البلاد وعن أراضيها لدول اخرى، لن تجد حرجا في التنازل عن أراض للمليشيا الأرهابية لتقيم عليها دولتها ، هروبا من استحقاقات اتفاق المنامة، وتسليم الإسلاميين المجرمين وتفكيك التمكين. وعلى شعبنا وقواه المدنية الحية، رفض اي ترتيبات تقود إلى دولة كونفيدرالية، تؤسّس لقيام سلطتين استبداديتين غير شرعيتين، ولتمكينين بدلا من تمكين واحد، تناسلا من تمكين الحركة الإسلامية المجرمة سيئ الذكر.
ومؤدى ما تقدم هو رجحان استعداد السلطة الحالية المفروضة على شعبنا للتنازل عن أراض في سبيل الحصول على دعم مستمر يسمح لها بالاستمرار في القتال وحماية التمكين، مع رجحان رغبتها في التفريط في سيادة البلاد ووحدة أراضيها، طالما أنها لم تنف ما يتردد بكثافة في الاسافير، والذي هو في احسن صورة بالون اختبار لتحديد مدى إمكانية تمرير مثل هذه الألاعيب. فصمت سلطة الأمر الواقع حيال الأمرين يقول الكثير، وتفريط عرابها “الحركة الإسلامية المجرمة ” في وحدة البلاد وسلامة أراضيها بفصل جنوبها بالتعاون مع الانفصاليين في الحركة الشعبية ، دليل واضح على استعدادها للتفريط في هذه الوحدة مجددا، وتنازلها عن حلايب وشلاتين وابورماد ان تم، سيكون مجرد مواصلة للسماح باحتلالها بعد فضيحة محاولة اغتيال الرئيس المصري في أديس أبابا، التي واكبها الصمت تجاه احتلال إثيوبيا لاراضي الفشقة ايضاً. هذا السلوك المضطرد بالتفريط والتنازل عن السيادة ، يرجح ان سلطة الأمر الواقع لن تجد حرجا في تقسيم البلاد بل وفصل دارفور وكردفان، وان التسريب ربما يكون تمهيدا لما بعد سقوط الفاشر المحاصرة الوشيك في أيدي المليشيا الإرهابية. فالجناح العنصري الانفصالي للحركة الإسلامية المجرمة، ينشط بشدة في شيطنة مواطن غرب السودان وخصوصا دارفور، وينادي علنا بفصل الشمال والوسط والشرق عن غرب البلاد. وهو تيار يستخدم العرق وسيلة لخطابه المريض، في تلخيص أمين لوضع الحركة الإسلامية المجرمة في حال انحطاطها، بعد هزيمة المشروع وسقوط الايدلوجيا، وتحوله إلى صراع قبلي داخل التنظيم.
لا يجب الاستهانة بالحديث عن تنازلات عن أراض سودانية لمصلحة دولة اجنبية ، او الحديث عن مفاوضات سرية على مشروع دولة كونفيدرالية، واعتباره مجرد شائعات غير مؤكدة، بل يجب تناول مثل هذه الأمور بالجدية اللازمة لقطع الطريق أمامها، وتأكيد ان شعبنا وقواه المدنية الوطنية الحية، لن يعترفوا بمثل هذه الترهات، وأنهم سيقاومونها بكل ما هو متاح من سبل. وإن كانت عيوب احتلال دولة اجنبية لاراضينا واضحة، فالدولة الكونفيدرالية تعني اهدار الموارد ، وقيام دولة مغلقة لا سواحل لها مجددا، وإعادة تشكيل الخارطة السياسية على اساس عرقي وجهوي، و تكريس الاستبداد والتمكين، وضياع فرصة تكوين أمة موحدة وقوية قادرة على مواجهة التحديات الكبيرة الماثلة والمستقبلية ، مع تكريس تبعية مطلقة للخارج.
والمطلوب هو رفض بات وحاسم لمثل هذه المناورات ، وقطع الطريق أمامها، إيمانا بأن شعبنا قادر على قبرها والانتصار على فاعليها حتماً.
وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!