مقالات وآراء

الموسيقار أحمد عليم وهجرة عصافير الخريف

مزمل عليم (موزارت)

● هناك بعض البشر غيابهم عن هذه الحياة أشبه بسقوط النجوم من السماء فبعدهم تحس بأن الكون غير الكون ويتبدل لديك الاحساس الطبيعي بالثوابت؛ فقد يبدو عليك شروق الشمس غريب الملامح ومنظر البحر يرسم لك لوحة تراجيدية غارقة في أعماق المجهول وهنا يبدأ لدى الإنسان الصراع الأبدي بين تذكر الألم ومحاولة نسيانه .

● الموسيقار في لغة الفن هو الشخص غير الاعتيادي البارع جداً في ضروب الفن المختلفة كالتلحين وقيادة الأوركسترا وعزف الآلات الموسيقية المختلفة؛ داخل مجتمع الوسط الفني السوداني يعرف – أحمد عليم – كمسمى أيقوني مرتبط بآلة العزف الشهيرة (الأورغن) فمنذ نعومة أظافره كان عاشقاً مُتبتلاً في محراب هذه الآلة ولأن الموهبة الفطرية هي القدرة الأساسية للوصول السريع؛ كان أحمد عليم العازف الأول المطلوب لدى الفنانين الناشئين في أحياء حفلات المناسبات وهو في سن ربما لم تتجاوز السابعة عشر؛ لتكون البداية الفعلية في دخول عالم الموسيقى الكبير .

● تأثر المراهق أحمد عليم في فترة التسعينيات كثيراً بالمطربين الشباب الصاعدين في ذلك الوقت بداية بنادر خضر وبالأخص عازفه الشهير آنذاك (عبد العال) بالإضافة لمحمود عبد العزيز وأسامة الشيخ وحسن صبرة وعبد الكريم أبوطالب وغيرهم من عباقرة ذاك الجيل؛ وبعد فترة وجيزة ونسبة لنبوغ موهبته انتقل أحمد عليم إلى تجربة أعمق وخوض تجارب مع فنانين وفنانات من جيل المشاهير على مستوى الوطن نذكر منهم على سبيل المثال وليس الحصر الهرم الفني كمال ترباس، حنان بلوبلو وعبد الله البعيو .. أن تعزف لمثل هذه الأسماء وانت في تلك السن يعني بالفعل انك في الطريق الصحيح نحو سلم المجد الفني .

● ولأن الموسيقار ليس بالفنان الاعتيادي فيجب ان تكون الشمولية في الأداء هي الديدن المستمر فبرغم إتقان أحمد عليم وإجادته في عزف الحان أغاني الحقيبة وأغلب أغنيات الجيل الذهبي للفن السوداني لعثمان حسين وأبراهيم عوض ومحمد وردي ومحمد الأمين وغيرهم من عمالقة الفن فبرغم ذلك استطاع احمد عليم من باب التنوع في المجال أن يدخل عالم مديح النبي المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام؛ فمرحلة بداية فرق المدائح واستخدام آلة الأورغن بدلاً عن الدفوف صادف هوى كثير من السودانيين في ذلك الوقت تحديداً جيل الشباب؛ رغم أن أحمد عليم ليس بأول من ادخل الأورغن في المديح ولكن قد برع فيه وكانت نقلة نوعية بالنسبة له .

● المادح الراحل الجيلي الصافي وثنائية لا تنسى مع أحمد عليم في كثير من المناسبات الدينية وتجوالهم المتكرر في ولايات السودان وخارج السودان في بعض الأحيان؛ ربما فترة هذا الثنائي (الجيلي وعليم) كانت هي ذروة عطاء الجيلي الصافي في مدح الحبيب المصطفى عليه أفصل الصلاة والسلام؛ وبعد رحيل الجيل الجيلي الصافي بسنوات قليله تبعه أحمد عليم بالرحيل وكأنه يردد مدحة الجيلي الشهيرة ورائعة الشيخ عبد الرحيم البرعي : (يا المحبوب أنا جيتك جاري بشوق ومحبة ودمعاً جاري) .. لهم الرحمة أجمعين .

● نجوم الغد البرنامج المعروف في قناة النيل الأزرق لمقدمه بابكر صديق؛ تنامت الى مسامع القناة شهرة وقدرات أحمد عليم وسعت جادة في ضمه إلى أوركسترا البرنامج وأوركسترا قناة النيل الأزرق بصورة عامة وقد كان ..

● صداقات متميزة جمعت أحمد عليم بمجموعة من فناني الشباب المعروفين ليس على صعيد التعامل الموسيقي فقط بل تخطته إلى عالم الصداقة والتواصل الاجتماعي فأحمد عليم صديق لمحمود عبد العزيز ونادر خضر لأنهم من ملهميه في فترة بداياته .

● تاريخياً وفي السودان عدد لا يستهان به من عازفي آلة الأورغن وساهموا بشدة بإثراء الساحة الغنائية السودانية مثل صلاح عثمان، بدر الدين عجاج، ماهر تاج السر، ضو البيت الطيب، عمر القصاص وصولاً لجيل عبد العال صلاح، أحمد عليم وعادل حسن وغيرهم من عباقرة العزف في السودان .

● أغنية كنوز محبة للراحل زيدان ابراهيم كانت ذات طابع خاص للموسيقار أحمد عليم وكانت من تلحين الموسيقار الراحل العبقري بشير عباس .. كان أحمد عليم يتفنن في تكرارها بأغلب الأصوات الفنيه وكأنه ينسج لنا أهزوجة الوداع بكلماتها ( وأبقى أسأل عن قلوبنا .. تلقى فيها كنوز محبة .. وتلقى فيها بحور حنان .. وتلقى فيها الشوق يغني .. لما تقسوا ليالي الوحدة )

● من الألحان المحببة على الإطلاق للموسيقي أحمد عليم هي رائعة الأسطورة الراحل الموسيقار الفذ محمد وردي هجرة عصافير الخريف التي تعتبر من الألحان الخالدة في تاريخ الأغنية السودانية وليس في تاريخ وردي فقط؛ والتي استطاع وردي تلحينها بنفسه بصورة مذهلة تكشف عن عظمة وإبهار قدرات محمد وردي الإعجازية ..
هجرة عصافير الخريف في موسم الشوق الحلو .. .. ..
قبل ثلاثة سنوات وفي مثل هذا اليوم جاء خبر رحيل أحمد عليم في وقت متأخر من ليلة ماطرة شديدة العواصف والرعود وهو في رحلة عمل فنية خارج البلاد .. نعم رحل أحمد عليم بصورة فجائية تاركاً لنا الصدمة حتى لحظة كتابتي هذه السطور .. إلى الآن ما بين التصديق بخبر الوفاة أم أن اني في حُلم يصنف من أقسى أنواع الكوابيس؛ رحل أحمد عليم في هجرة مع عصافير الخريف في ليلة ماطرة حالكة السواد مخيفة البروق والرعود؛ هجرة أبدية بدون عودة تاركاً لنا الشوق ولكن ليس الشوق الحلو كما تغنى به الموسيقار وردي بل الشوق المُر .. وأخيراً سكت الرباب وماتت الأنامل المبدعة .. وداعاً أحمد عليم بشير .

مسك الختام :
(بالأمل صبرت قلبي وعشت في دنيا الأماني)

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..