أهم الأخبار والمقالات

المثقفون والمبدعون السودانيون.. عندما يسجن الإبداع في الوطن ويتحرر في المنفى

في عام المجتمع الإماراتي!!

تقرير: محمد المختار محمد

بعد الظروف الصعبة في السودان، وجدت في الإمارات العربية المتحدة مساحة آمنة ومحفزة لمواصلة مسيرتي في التمثيل، وأعمل حالياً على تطوير نفسي وأشارك في الفعاليات والمعارض التي تعزز من حضور الفنانين السودانيين وتسلط الضوء على إبداعاتهم في المهجر.

الممثلة عزوان لبيب
الممثلة عزوان لبيب

بهذه الكلمات أزاحت الفنانة السودانية الشابة الممثلة عزوان لبيب ستار المحبة الغامرة التي تميز طبيعة العلاقة التي تجمع السودانيين والإمارتيين، وتمتد معاني كلماتها على بساطتها وتلقائيتها لتلمس جذور عميقة قوامها وشائج ود وقيم مشتركة تجمع الشعبين السوداني والإمارتي، لا يزال الحديث عنها يترى.

مهارب المبدعين:

ظاهرة لجوء المبدعين والمثقفين السودانيين إلى عوالم بديلة تعبيراً عن رفضهم للواقع السياسي والاجتماعي والثقافي أو هرباً من القمع، من الظواهر الملازمة للكثيرين منهم، بحثاً عن مهارب تستوعب طاقاتهم الإبداعية، وبعد إشعال حرب 15 أبريل التي كان يهدد بها الظلاميون للقضاء على أحلام وآمال ثورة ديسمبر، التي انتظر السودانيون فجر خلاصها طويلاً، وسكب فيها المبدعون السودانيون وخاصة الشباب أروحهم التواقة للحرية في مختلف ضروب الفن والإبداع الثقافي. فتحوا أبواب الجحيم على الشعب السوداني بحرب شديدة الفجور يغذونها بخطاب الكراهية والتطرف العنيف، بعد أن استنفد الخطاب الديني الجهادي أغراضه في حرب الجنوب، الذي لم يرَ فيه إلا مكاناً لجهاد “الكفار” ودخول الجنة ومواعدة الحور العين على موائد الغزلان المشوية، وبسفك دماء من يبحثون عن صيغة تعايش سلمي عادلة، لتندلع الحرب بشكل أعنف هذه المرة، حيث وجد الكثيىر من الفاعلين في المجال الثقافي والفني ملاذاً آمناً في الإمارات، كأحد مهارب المبدعين السودانيين التي لها خصوصية قوامها ألاخوة ووشائج معطونة بالعيش والملح.

ويقول الباحث في التراث والثقافة السودانية، المترجم الدكتور أحمد التجاني ماهل، في فترة الحرب كانت الإمارات العربية المتحدة ملاذاً لكثير من المثقفين والمبدعين لإهتمامها بالثقافة والإبداع، ومن خلال توفر المنابر الثقافية، وجد الكثير من المثقفين والمبدعين والفنانيين السودانيين الهاربين من جحيم الحرب اللعينة ضالتهم في الترويح والتنفيس عن آلامهم، وأخرجوا بالأدب الحزن الذي تكدس داخلهم بهذه المآسي، فقد احتضنت الإمارات العربية المتحدة عدد كبير من المبدعين من أدباء وشعراء وفنانين ومسرحيين وكتاب وناشرين.

الظلمات والنور:

يعيش السودان لحظة شديدة الظلام في تاريخه الحديث، بعد أن تسلل الظلاميون إلى أسوار الدولة السودانية أواخر ثمانينيات القرن الماضي. وبعد أكثر من ثلاثة عقود من الظلام، عانق السودانيون النور بثورة شعبية أثارت إعجاب العالم، لكنهم سرعان ما أشعلوا فيه حريقًا واسعًا يجره إلى كهوف الظلام من جديد. ففي الوقت الذي لا يُسمح فيه للسودانيين في وطنهم الأم إلا بما يُعبرعن ثقافة الموت والكراهية ضد بعضهم البعض، يجد الفارون من جحيم حرب الكرامة المهدرة ما يُعبر عن ثقافة الحياة والتعايش السلمي بين الثقافات والأعراق والأجناس في وطنهم الثاني الإمارات، حيث القانون والتشريعات الصارمة كالسيف في موضع الجد، إذ لا تسامح مع خطاب الكراهية على الإطلاق.
ويقول الكاتب والباحث الإعلامي الطيب عبد السلام، الذي نستكشف من خلال عيونه والتقاطاته اللماحة الحال الثقافي والإبداعي للسودانيين في الإمارات، في الحقيقه أنا حضرت إلى الإمارات قبل ثورة ديسمبر المجيدة، ولكن كنا نتفاعل معها بقلوبنا وأرواحنا لحظة بلحظة ويوماً بيوم، أما فيما يخص النشاط الثقافي في الإمارات، فإن أهم ما يواجه المثقف والإنسان بصورة عامة هو السؤال اليومي فيما يتعلق بمتطلبات الحياة الضرورية، وحينما يستطيع المثقف أن يتغلب على هذه الظروف وينجح في إيجاد مصدر دخل مستقر فانه بلا شك تنطلق ملكاته، وقدرته على الإبداع تتسع، خصوصاً وأن الامكانيات التقنيه والتكنولوجية في الدولة تحفز الإنسان بالاستمرار، وتجعل لديه الدافع القوي في أن يطور من تجربته الشخصية والذاتية، وأنت تعلم أنني شخص أكتب والكتابة تحتاج إلى نوع خاص من العزلة، وهي عزلة إيجابية طبعاً وهدوء، وهو ما توفره الإمارات بصورة كبيرة بالنسبة لي. لا أعرف فيما يخص الفنانين والمغنيين لأنني لست محتك بهذا الوسط كثيراً، ولكن فيما أعرف أنهم يقومون بأنشطتهم في النوادي السودانيه المنتشره في كافه الإمارات.

حديث عبد السلام عن المبدعين والفنانين والفاعلين في الأنشطة الثقافية يغري بالتطواف على عينة واسعة منهم في ضروب إبداعية مختلفة لاستكناه نشاطهم الثقافي والإبداعي في الإمارات، ويضيف عبد السلام قائلاً: “فيما يخصني أنا وهو مجال الكتابة والإعلام الثقافي، فاعتبر أن وجودي في الإمارات أضاف لي الكثير والكثير جداً، وطور من قدراتي وأتاح لي فرصة كبيرة في تجديد وعي ومشروعي الفكري، خصوصاً أن الدوله حققت لنا الاستقرار الذي يمنحنا الوقت لاستكشاف دروب جديدة وخوض مغامرات إبداعيه جديدة”.

التقاط القمر:

في الإمارات حيث السماء المفتوحة هي حدود الطموحات، يسعى الجميع فيها لالتقاط القمر، لكنها تمنح كل واحد منهم قمره الخاص، متى ما نهضت همته وتعلق قلبه بالثريا لنالها في دار الشيخ زايد، وهذا ما يفتح باب التحدي واسعاً أمام المثقفين والمبدعين السودانيين وهم يستندون على رأس مال رائع وراسخ من التراث المادي وغير المادي، والتنوع الثقافي المتفرد بأن ينطلقوا به في فضاءات مفتوحة لا تحدها غير سعتهم الإبداعية، وفي بيئة تفرد للتنوع والتعدد الثقافي ذراعيها، وتحتضنه بإحترام وود، لا يجده المبدع والمثقف السوداني في بلده حيث لا يتجلى التنوع والتعدد إلا كصراع يشتبك مع طبعية الدولة والسلطة والسياسات الثقافية والإعلامية، فمن قلب الخليج والصحراء العربية القاسية، تقدم الإمارات العربية المتحدة نفسها للعالم كمغناطيس “كوزموبوليتان” هائل، لا يقتصر اجتذابها لثقافات العالم المختلفة لتتعايش سلميًا فحسب، بل يمتد ليشمل كل باحث عن تحدٍ واختبار تجربة مختلفة في العديد من المجالات. وبقراءة سريعة للبيئة الجديدة للمثقفين والمبدعين السودانيين من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإبداعية. تتصدر الإمارات العديد من المؤشرات الاقتصادية والتنافسية الهامة على الصعيدين المحلي والعالمي وتسعى بجد لتصدر أخرى، وأهمها مؤشرات التنافسية العالمية، ومؤشر الإبتكار، ومؤشر التنمية البشرية، ومؤشر الحرية الاقتصادية، بالإضافة إلى ذلك مؤشرات التجارة الخارجية، وأسواق العمل، وأداء القطاعات الاقتصادية المختلفة. ومؤشرات أخرى مثل مؤشر الأمن، ومؤشرات جودة الحياة، ومؤشرات الأمن الغذائي، وقبل ذلك مؤشر التعايش السلمي والتسامح، مما يعكس التطور في مختلف جوانب الحياة في الإمارات، وهذا ما يحتاج إليه المبدعون والمثقفون السودانيون كبيئة حاضنة وتنافسية من جهة، ولهضمه واستيعابه كما ينبغي في الوقت نفسه، لتفجير أقصى درجات طاقاتهم الإبداعية، والإنطلاق من الإمارات كمنصة عالمية تدعم الطيران والتحليق في سماوات الابتكار والإبداع وبلا حدود.

بعيونهم:

يقولون العيون نافذة الروح، لكونها تخبر عن صاحبها الكثير، من خلال دلالات كل حركة تمكن من معرفة ما يفكر به الشخص، والإمارتيون بشكل عام وملاحظ لا يرفعون عيونهم في أحد إلا بنظرة إحترام وتقدير وسخاء نفس. ولنرى بشكل أفضل ومن زوايا إبداعية عدة، نتجول بعيون الفاعلين في المشهد الثقافي في مساحة واسعة للنشاط أو بالأحرى الحراك الفني والإبداعي السوداني الذي لا يهدأ في الإمارات، وماذا يقولون عن أهل البلد وكيف يجدون أنفسهم بين ظهرانيهم؟، دون الإقفال عن السياق والأبعاد السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، لجهة أن المكنون الثقافي والإبداعي لا ينفصل ولا يتفجر بمعزل عن الثالوث الآنف ذكره، ودون إغفالٍ لربط ما نلتقطه من عيون المبدعين والمثقفين السودانيين في “مؤانسة ثقافية”، غير مكبلة بقيود. تهمس في مواضع الجمال، وتصرخ في مواضع الوجع، وتنوء بحملٍ سياسي ثقيل، يُستدعى بموجبه الماضي والحاضر بأبعادهما المختلفة، التي أثرت ولا تزال تؤثر عليهم، لتكتمل اللوحة ويُفتح إطارها على مصراعيه دون تحفظ يفسد روح المؤانسة، رغم اشتباك وتقاطع الثقافي مع السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي. فإن السياسي يحتاج إلى إضاءة وأنوار كاشفة لإجراء عملية تشريح بدون “بنج”، وبأدوات ومنهج يُزاوج بين التاريخي، والمقارنة، والملاحظة، يحتاجها بلا شك السياسي، قبل المبدع والمثقف السوداني الذي غادر السودان مرغماً، ولكن السودان لم يُغادره في ملاذه الجديد في الإمارات، حاملاً انتصاراته وهزائمه وجروحه النازفة، وأنفه الراعف رعافاً معنوياً لا يراه إلا هو في وجوه الآخرين. وفي بيئة جديدة مختلفة تماماً، ولها خصوصيتها عربياً وعالمياً، سعياً للخروج من شرنقة الظلام للنور واستشراف آفاق المستقبل، الذي يفترض أن يلعب فيه المثقفون، والمبدعون، والفنانون الدور الحاسم. إذ تأتي المشاركة المائزة للفنانين والمبدعين السودانيين المقيمين على أرض الأمارات بنشاط هو الأبرز بين الجاليات الأخرى، حيث أسهموا بشكل فعال في إثراء المشهد الثقافي والفني المحلي، وتعزيز التبادل الثقافي بين الشعوب، الذي تسعى الإمارات لاستدامته كوجهة تصدرت بها العالم في التعايش السلمي بين الجنسيات والثقافات، وجعلتها أرضاً للتسامح وتقبل الآخر، وامتداداً لوجه الشيخ زايد المرحاب طيب الله ثراه، الذي وضع أسساً من قيم العطاء المرتكزة على إرثه الإنساني الخالد مع الآباء المؤسسين، الذي لا تزال ترتكز عليه الإمارات في نهضتها حتى اليوم، وتُقدم بها نموذجها الخاص للعالم، حيث لا تزال الإمارات تستند على مقولة الشيخ زايد أو بالأحري وصيته الخالدة “إن أكبر استثمار للمال هو استثماره في بناء أجيال من المتعلمين والمثقفين”، وفي ذلك يقتسم الإمارتيون بلادهم بمقولة – من يعتبر دولة الإمارات وطناً له- كثيفة الدلالات يطوقون بها عنق كل من بادلهم الأخذ والعطاء، في طبق من الثقة والكرم الإماراتي العربي الأصيل. وتنفتح بموجبها الأبواب المواربة على مصراعيها للإسهام الفاعل في المجتمع بالمبادرات المؤثرة التي تُرسخ ثقافة المسؤولية المشتركة وتدفع عجلة التقدم الجماعي.

الكيمياء تعمل:

السودانيون المقيمون في الإمارات من أقدم الجاليات العربية، وأكثرهم قُرباً وجدانياً لأهل البلد، ولا تحتاج الكيمياء بينهم لعوامل مُحفِّزة للتفاعل، لأسباب كثيرة، أهمها طبيعة الشخصية السودانية والإماراتية، وما يجمعهما من قيم ومُشتركات غميسة، يُقال بعضها، وبعضها الآخر لا يشرحه الكلام، تنشرح بموجبها نفوس السودانيين والإماراتيين بلا مقدمات.

وما لا يشرحه الكلام في طبيعة العلاقة بين السودانيين والإمارتيين ينقلنا للغة الصامتة التي يكشف فيها عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي “إدوارد تي. هول”، الذي يركز على فكرة أن الثقافة ليست مجرد مجموعة من القواعد المكتوبة، بل هي نظام معقد من السلوكيات غير اللفظية، التي غالباً ما نستخدمها دون وعي. ويجادل هول بأن هذه “اللغة الصامتة” لا تقل أهمية عن اللغة المنطوقة، وأنها تُشكل فهمنا للعالم وتفاعلاتنا مع الآخرين، وكيف أن ما يبدو طبيعياً أو بديهياً في مجتمع معين قد يكون غريباً أو غير مفهوم في مجتمع آخر، وهو ما يبرز الطابع النسبي للثقافة الإنسانية. فالثقافة، بحسب هول، لا تقتصر على اللغة المنطوقة، بل تمتد إلى الزمن، والمكان، والحركات الجسدية، وأنماط السلوك، وكلها تؤدي دوراً جوهرياً في عملية التفاهم أو سوء التفاهم بين الشعوب. ومن خلال هذا التحليل، يظهر أن الإنسان يعيش في شبكة من الرموز والإشارات التي توجه أفعاله وتحدد توقعاته دون وعي منه.

ويُعد هول من أبرز الذين تناولوا البنية الثقافية الخفية التي تحكم سلوك الإنسان وتفاعلاته اليومية. وينطلق في مؤلفه من فرضية أن الثقافة ليست مجرد عادات أو تقاليد سطحية، بل نظام شامل من الرموز غير المرئية التي تؤثر في الفرد والمجتمع على نحو عميق، حيث تعمل هذه البنية بصمت في تشكيل الإدراك، والتفكير، واللغة، والتواصل غير اللفظي. إن هذه “اللغة الصامتة” بحسب هيل تعمل كقوة منظمة تحدد طبيعة العلاقات الاجتماعية، وأسلوب التعامل مع الغير، ونمط التفكير الاقتصادي والسياسي. فهي لغة تُتَعلم ضمنياً منذ الطفولة، وتغدو جزءاً من هوية الفرد دون أن يدرك أنه يستعملها أو يتأثر بها. هذا الفهم العميق للعوامل الثقافية غير المرئية يُسهم في تفسير التباينات بين الشعوب، ويقدم أساساً للتواصل الفعال بين الثقافات المختلفة، ويبرز الحاجة إلى وعي نقدي بهذه الطبقات الصامتة التي تتحكم في السلوك الإنساني، الذي لا يزال ينتظر فتوحات جديدة لفهمه، وهي ذات ما ينتظر العلاقة بين السودانيين والإمارتيين لنقلها إلى آفاق أرحب في بيئة أصبحت مواتية لذلك.

في هذا الجو من الألفة، يجد القادمون الجدد من المثقفين والمبدعين، والفنانين السودانيين إلى الإمارات، أنفسهم في خضم تحدٍ جديد، وفرصاً لا تحدها غير سعة إبداعهم وعطائهم، في بلد ينأى عن الشعارات، و ينحو نحو العمل والأمل، وبما يُمكِن كل ذي سعة ليعطي من سعته. ففي بداية هذا العام أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة تخصيص عام 2025، ليكون “عام المجتمع“، في دولة الإمارات تحت شعار “يداً بيد”، في رؤية وطنية تتوسل جوهر المجتمع القائم على التماسك والازدهار، حيث يجد السودانيون عموماً والمثقفون والمبدعون خصوصاً، أنفسهم مدعوون من قيادة الدولة ضمن المبادرة المقدمة لجميع من يعتبر الإمارات وطناً له، من مواطنين ومقيمين إلى المشاركة من خلال أفكارهم ومقترحاتهم التي تسهم في تعزيز الروابط الاجتماعية، وتحقيق التقدم المجتمعي، والاحتفاء بالتنوع الثقافي الذي يميز الإمارات، دعماً لمسيرة بناء وطن قوي ومزدهر، من خلال سلسلة مستمرة من الفعاليات والمبادرات المجتمعية الهادفة إلى تعزيز التلاحم بين الأفراد، ودعم القيم الإماراتية، وضمان بيئة تتيح للجميع الإسهام في تحقيق التقدم.

لم تُزِح الممثلة عزوان لبيب ستار المحبة فحسب، بل أزاحت ستاراً آخر عن الفرص التي تتوفر في الإمارات من وجهة نظرها. وتضيف قائلة: “الإمارات توفر لي بيئة فنية غنية ومتنوعة، لأن وجود هذا الكم الكبير من الجنسيات والثقافات المختلفة يجعلها مساحة خصبة للإبداع والتبادل الثقافي، وأستمد الكثير من الإلهام من هذا التنوع، وأشعر أن هناك تقبلاً واسعاً للفن بكل أشكاله. بالإضافة إلى ذلك، توفر الدولة منصات عديدة لدعم الفنانين، سواء من خلال المعارض أو الفعاليات أو المبادرات الحكومية والخاصة. وبالطبع أفكر دائماً في التعاون مع فنانين إماراتيين، أو من جنسيات عربية وأجنبية مقيمة في الإمارات، فهذه الشراكات تضيف لي الكثير، وتفتح لي أبواباً لرؤية الفن من زوايا مختلفة”.

ويرى الدكتور أحمد التجاني ماهل النعمان، أن النشاط الثقافي للسودانيين عبر المنصات والمنتديات والأندية السودانية، لعب دوراً مهماً في تخفيف صدمات الحرب كعامل مساعد في هذه الأزمة، وقدم الدعم النفسي والاجتماعي الذي مكن تماسك لحمة الناس ولو بقدر قليل في هذه المحنة من خلال هذا النشاط. وفي الإتجاه ذاته ذهب الكثير من المثقفين والمبدعين السودانيين للكتابة الثقافية في شكل مقالات، وكتب وتسجيلات عبر المنصات الإعلامية، للهروب من الضغط النفسي، والاجتماعي، لتداعيات هذه الحرب مما أظهر الكثير من الثقافات المحلية لبعض مناطق السودان وتراث لم يُتناول في الإعلام السوداني الرسمي من قبل.

الطريق سالك:

تبيان لبيب
تبيان لبيب

وتحكي التشكيلية والمصممة والإعلامية السودانية تبيان لبيب، المهتمة بالتراث السوداني وصاحبة العلامة التجارية (مساير)، عن تجربتها بقولها: “إن الإمارات من يومها مُشجع كبير لكل المستثمرين والذين يسعون للتطور في كل المجالات، سواء كانت علمية، أو فنية، أو ثقافية، أو اجتماعية. وأنها من قبل الحرب كنت اتخذ منها مركزاً للشحن إلى أوروبا ودول العالم المختلفة”. وتسرد تبيان فصول قصتها قائلة: أول ما قمت به، سجلت اسم “براند مساير”، كاسم عمل وعلى هذا الأساس أستطيع أن أشتغل بكل أريحية، وبدأت بالفنون وطورتها بدورات تدريبية، وأخطط لعمل معرض فردي قريباً في إطار البحث عن الطريق الذي يوصلني للعالمية، وتقول إنها طورت نفسها في مجال الإعلام، لجهة أن الإمارات بلد مشجع في المجال الإعلامي والوسائط المختلفة، وتضيف، هنا كل شيء يدفعني ويحفزني لأسلك الطريق الصحيح، وبدأت في عمل فديوهات لحفظ التراث الموجود في الذاكرة السمعية السودانية، للحفاظ على هويتنا السودانية والتباهي بها أمام العالم، مع وعد ببرامج كثيرة سترى النور قريباً. وتطوق تبيان الإمارات أو بلدها الثاني قلادة إمتنان وشكر بقولها: “الحمد لله الإمارات وفرت لي ما يفجر إمكانياتي، ووفرت لي أهم عنصر للنجاح وهو كلما اجتهدت تحصد جهدك، الحمد لله يعني بالقدر الذي تعطيها تعطيك، بجانب سهوله المعاملات و سهوله الحصول علي الأدوات الحمد لله”.

ولرؤية كيف يرى المبدعون الذين سبقت إقامتهم في الإمارات الظروف الحالية التي يعيشها السودان، والتي دفعت الكثير من المبدعين للتوجه إليها، يقول الفنان السوداني الدكتور محمد الحافظ، المقيم في دولة الإمارات منذ سنوات: “شهدت عن قرب كيف فتحت الدولة أبوابها للعديد من الزملاء الفنانين السودانيين الذين لجأوا إليها بعد الحرب، فالإمارات وفرت لهم أيضاً بيئة آمنة ومحترمة، وأتاحت لهم فرصة الاستمرار في مسيرتهم الفنية بحرية، وقد حصل عدد كبير منهم على الإقامة الذهبية، وانضموا إلى جمعية الموسيقيين الإماراتيين، مما ساعدهم على الاستقرار ومواصلة الإبداع”. ويضيف محمد الحافظ أن التفاعل الإيجابي والمتين بين السودانيين والإماراتيين يُعد مثالاً حياً على قدرة المجتمعات المضيفة على استيعاب الوافدين إليها عبر أدوات الثقافة والفن، حتى في أوقات الأزمات، وذلك من خلال توفير بيئة آمنة ومحترمة تعزز اندماجهم دون طمس هويتهم أو إشعارهم بعدم القبول، مما يساهم في تعافيهم النفسي والاجتماعي وتجاوز آثار الحرب، وهذا بدوره يعزز ثقة السودانيين في المجتمع الإماراتي ويجعله أحد أفضل الخيارات لهم.

دار زايد:

يطلق الإماراتيون قيادةً وشعباً على بلادهم “الدار”، وهو لقب تفيض مدلولاته ومعانيه العميقة التي تتجاوز أهل الإمارات إلى ضيوفها، وكذلك “دار زايد”، طيب الله ثراه، والذي يمثل للإماراتيين ثروتهم القومية التي لا تنضب من القيم الإنسانية والعربية الأصيلة، فتراه حتى في تعاملهم مع الآخرين، وكأن كل واحد فيهم يحمل عنه وصية أو ديناً في عنقه، ففي الدار أو دولة الإمارات التي حولها الشيخ زايد مع الآباء المؤسسين إلى بقعة ضوء، قد تنطفئ بعض أنوار مدنها ليلاً لظروف الطقس مثلاً، لكن سيرة الشيخ زايد لا تنطفئ أبداً، فكل شيء هنا تقريباً يحكي عن سيرة قائد زانته الحكمة والقيم، وشام بروق المستقبل ومساقط المطر في الحاضر الذي غرس بذرته في الماضي، ومضى إلى رحاب الله متأبطاً سيرة خالدة وسريرة طيبة.

وزير التسامح والتعايش الإماراتي الشيخ نه ... كلمته في افتتاح مهرجان بوابة السودان
وزير التسامح والتعايش الإماراتي الشيخ نه … كلمته في افتتاح مهرجان بوابة السودان

بالنظر للنموذج الإمارتي فإنه يمنح جميع الناس والجاليات من ثقافات العالم المختلفة أن يعبروا عن ذواتهم وهويتهم وخصوصيتهم الثقافية، ولا يسعى ليعيد انتاجهم أو اختزالهم في ظل التأثيرات السالبة للعولمة وطمس الهويات والثقافات، أو مثلما يبتلع النموذج الغربي الذي يقولب كل ثقافة وإبداع، ويلغف ما خف وزنه وغلا ثمنه من ثقافات وتراث العالم، ويعيد انتاجها على طريقة اليانكي الأمريكي ذو العلاقة المتوترة مع اليونسكو، فإذا نفخت في أمريكا بطريقة غير لطيفة فإن كل موروث ثقافي من رقص وايقاعات وغيره سيعود إلى أصله، ولا تبقى غير رقصة الهنود الحمر حول النار. ولا شك أن مرد هذا الأمر يعود إلى عدة أسباب أهمها أن السياسات الثقافية للإمارات تنحو نحو جوهر القيم الإنسانية المشتركة وإحترام التنوع، مقروناً بالتوجهات الدينية، إذ تلمس ذلك بوضوح في الخطاب الديني في مساجدها ودور العبادة التي تكتظ بالمصليين من كل أنحاء العالم الإسلامي وغير الإسلامي، فضلاً عن فتح أبواب الإعلام الإماراتي للباحثين والمجددين للخطاب الديني من المستنيرين من خارج أطر ومناهج كتب التراث التي ظلت تثقل ظهر العالم الإسلامي لقرون، وتجانب التوجهات السلفية والإخوانية التي اعتورت العالم الإسلامي والعربي لفترة طويلة، وتركيزها على منحى يعلى من المظهر الديني بشكل كبير، مع السعى لقولبة وتأصيل كل شيئ خبط عشواء وفق الأيديلوجيا وتصورهما الخاص للدين.

وترى الأخصائية الاجتماعية والصحفية السودانية الدكتورة أسماء محمد جمعة أن الثقافة والفن ليسا مجرد أدوات للتعبير عن الذات، بل يُعدان وسيلتين فعالتين للمقاومة النفسية والاجتماعية، إذ يُسهمان في الحفاظ على التماسك الداخلي وتعزيز الإحساس بالانتماء. وتضيف قائلة: في حالة السودانيين وعلاقتهم المتينة بالمجتمع الإماراتي في ظل ظروف الحرب، يتجلى هذا الدور بوضوح، حيث تمكنت الجالية السودانية من الحفاظ على موروثها الثقافي وتماسك أفرادها من خلال الفعاليات الفنية والمجتمعية والثقافية، وفي الوقت ذاته انفتحت على ثقافة المجتمع الإماراتي بروح من الاحترام والتقدير والمحبة.

ويقول رئيس تحرير صحيفة روبرتاج الفنية الإلكترونية حسين علي قسم السيد: “لم نشعر بغربة في دولة الإمارات العربية المتحدة، سواء في الإقامة أو التأقلم مع عالمية المنصات المتاحة فيها لمختلف أنواع الفنون، فبحكم تواجدي لما يزيد عن العام تتواصل الفعاليات بلا انقطاع، خصوصاً الأنشطة الثقافية والفنية، حيث تولي الدولة اهتماماً كبيراً بالمبدعين والنشاط الإبداعي، ومن زاوية أخرى استطاع المبدعون السودانيون الانخراط في النشاط الإبداعي بصورة طيبة، حيث كانوا حضوراً مميزاً في المسرح من خلال إنتاج وعرض عدة مسرحيات، والسينما من خلال عرض أفلام سودانية “وداعاً جوليا”، في أبرز دور العرض، بجانب المشاركة المشرقة في معرضي الشارقة وأبوظبي الدوليين للكتاب”. ويضيف قائلاً: “بصورة عامة، وجد المبدعون تسهيلات كبيرة ودعماً في إقامة كافة الأنشطة الإبداعية في البلاد”.

أوبريت “إمارتنا”:

لا يتأخر رد الجميل من السودانيين كثيراً، ومثلما يردون دائماً في تعاملاتهم العادية عبارة “كتر خيرك”، يبرز مشروع أوبريت “إماراتنا” كواحدة من المبادرات الطموحة، التي يقف خلفها أحد الفاعلين الفنيين السودانيين في الإمارات، وهو عمل غنائي ضخم شارف على الانتهاء، سيرى النور قريباً بعد وضع اللمسات الأخيرة وتجاوز بعض المعيقات التي تؤخر إطلاقه، ويجسد أوبريت “إماراتنا” التنوع الثقافي والتعايش الحضاري في دولة الإمارات، ويتميز بتقديمه بثلاث لغات هي: العربية، والإنجليزية، والأردية، في تجسيد حي للتعدد اللغوي والثقافي في الدولة. ويُعد هذا العمل إنتاجاً سودانياً خالصاً، يجمع بين الرؤية الفنية السودانية والروح الإماراتية، ويهدف إلى مد جسور التواصل بين مكونات المجتمع الإماراتي، وتسليط الضوء على قيم الاتحاد، والتسامح، والانتماء التي تميز الإمارات، كما يقول صاحب المشروع الذي فضل حجب اسمه حتى اكتماله. ويأمل أن يستثمر المبدعون والفنانون السودانيون الذين قدموا مؤخراً للإمارات بعد الحرب أقصى طاقاتهم الإبداعية والفنية، لجهة أن البيئة مهيأة ومحفزة بشكل لا يصدق كتوجه رسمي للإمارات على حد وصفه، وأن تتضافر الجهود وتتاح المساحات، وتوجه الرعاية لمثل هذه المبادرات النوعية، التي تجسد القيم الإنسانية الرفيعة التي نراها ونتلمسها دوماً في دولة الإمارات، قيادة وشعباً.

صالون دبي الثقافي:

في إمارة دبي حيث تُناطح بنايتها العالية السحاب، وتناطح الطموحات فيها عنان السماء، إذ لا حدود هنا لمن يطلبون العلا وتحقيق أمجادهم وأحلامهم، سواء عبر بذل الأفكار الجديدة والخلاقة أو سهر الليالي، وحيث كل شيء يبهر العالم بحداثته وفرادته، دلفنا إلى صالون دبي الثقافي الذي يستلهم روح الماضي بقلب الإمارة التي تستدعي كل ما هو حديث، ويهدف الصالون الذي يقف عليه الأستاذ عادل حسن الخضر، أحد أكثر الفاعلين السودانيين في المشهد الثقافي والفني في الإمارات، الذي كُرم في حفل تكريم المبدعين السودانيين في الشارقة في فئة صناعة المحتوى الثقافي المميز، يهدف إلى إحياء فكرة الصالونات الأدبية والثقافية التي كانت تنتشر إبان فترة الستينيات و السبعينيات من القرن الماضي، ولإتاحة الفرصة لأكبر قدر من الشباب المبدعين في كافة المجالات الفنية.

هذه المنصة الثقافية، والأدبية، والفنية التي ولدت بانغامها وألحانها العذبة، تهدف كذلك إلى إبراز الإبداع السوداني والعربي في الإمارات، كما ينفتح نشاط الصالون على تنظيم أمسيات فنية، وأدبية، خلال عطلة نهاية الأسبوع، و يحتفي بالضيوف من الشعراء، والأدباء، والمغنيين، والمبدعين السودانيين، سواء كانوا زواراً أو مقيمين، فضلاً عن انفتاحه على المشاركين من الجاليات العربية الأخرى، مما يعزز التنوع الثقافي ويتيح تبادل الخبرات الفنية والتجارب الإبداعية. وكشاهد له القدرة على تفرس ملامح المشهد الثقافي والإبداعي السوداني في الإمارات، يقول عادل حسن الخضر: “الحقيقة أن المشهد الثقافي السوداني في الإمارات يشهد تحولاً لافتاً في السنوات الأخيرة، خاصة بعد تدفق أعداد كبيرة من السودانيين بسبب الحرب. وهذه الموجة رغم ألمها، حملت معها مواهب خام وتجارب إنسانية غنية، ساهمت في إثراء الساحة الثقافية الإماراتية بتنوعها الفريد”.

ويغوص الخضر عميقاً إلى جوهر الإبداع السوداني في الإمارات بقوله: السودانيون لطالما امتازوا بحسهم الفني الراقي، وأدبهم الرفيع، وثرائهم اللغوي والثقافي، لكن الظروف الجديدة دفعت بالكثير منهم إلى التعبير عن هويتهم بشكل أعمق وأكثر حضوراً، سواء عبر المنتديات الثقافية، أو المعارض الفنية، أو حتى عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي. ويضيف، أما عن المساحة الآمنة للتعبير، فيمكن القول إن دولة الإمارات وفرت بيئة منفتحة نسبياً، تتيح التعبير عن الذات ضمن الأطر القانونية والثقافية للدولة، كما أن هناك محاولات جادة من بعض الجهات والمؤسسات السودانية والمجتمعية لتنظيم فعاليات ثقافية، وأمسيات شعرية، وعروض فنية، ومعارض، لكنها لا تزال في حاجة إلى دعم مؤسسي أكبر، ومساحات احتضان رسمية تساعد هذه المواهب على التطور والاستدامة.

بهذه الكلمات التي يعبر فيها الأستاذ عادل حسن عن الواقع والمأمول، والفجوة المرجو تجسيرها بينهما بـ “دعم مؤسسي أكبر، ومساحات احتضان رسمية”، يؤكد قائلاً: “في المجمل، يمكن القول إن السودانيين في الإمارات بدأوا فعلا يحفرون لأنفسهم مكانا على الخارطة الثقافية، لكن التحدي اليوم هو كيف نحول هذا النشاط من حالة موسمية أو فردية إلى حالة مؤسسية مستدامة ذات صوت مسموع وتأثير حقيقي”.

الشارقة تكرم:

في أمسية من أماسي الشارقة، تلك الإمارة التي تتوشح بألقاب ثقافية رفيعة جعلت منها إحدى منارات الثقافة على المستويين العربي والعالمي، ازدانت قاعة الرازي بمجمع الكليات الطبية والعلوم الصحية بجامعة الشارقة أواخر يوليو الماضي، على أنغام النشيد الوطني الإماراتي والسوداني، وبحضور سوداني إماراتي متميز في الحفل السنوي للمركز الاجتماعي السوداني بإمارة الشارقة لتكريم المبدعين السودانيين، وبرعاية الشيخ الدكتور سالم بن عبد الرحمن القاسمي، رئيس مكتب صاحب السمو حاكم الشارقة، الذي حضر الحفل وكرّم المبدعين والمتفوقين في فئات جوائز شملت التميز في الإنتاج العلمي، والإنتاج الإعلامي، والتميز الوظيفي، وفئة خريجي الدراسات العليا في التخصصات المختلفة.

وعلى أنغام فقرة شعبية موسيقية من التراث الإماراتي قدمها العازف محمد حسن الجسمي، أعقبتها فقرة موسيقية سودانية للموسيقار السوداني زرياب، شاهد الحضور عرضاً مرئياً بعنوان “صدى الإنجاز”، تناول أنشطة المركز وفعالياته المتنوعة والندوات والملتقيات والاحتفالات التي نظمها خلال العام الماضي، ورغم ثراء إنجاز المركز الاجتماعي السوداني بإمارة الشارقة عبر أنشطة وفعاليات مختلفة إلا أنه يمثل جزءاً قليلاً من أنشطة وفعاليات ثقافية سودانية لا تتوقف في جميع مدن الإمارت الأخرى على مدار العام. وفي كلمة رئيس المركز الاجتماعي السوداني بالشارقة المهندس عمر أحمد خوجلي، قدم فيها الشكر والامتنان إلى قيادة الدولة على رعايتها الكريمة لكافة الجاليات على أرض الإمارات، وإلى صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي قال عنه إنه أرسى قاعدة قوية لدعم النهضة العلمية والثقافية بفضل حرصه الدائم على رفعة العلم والعلماء، كما قدم الشكر إلى الشيخ الدكتور سالم بن عبد الرحمن القاسمي على دعمه المستمر لمختلف مناسبات المركز وحضوره الدائم وتشريفه لحفل المبدعين كل عام.

وفي فترة تعتبر من الفترات الأعقد للسودانيين سياسياً، واجتماعياً، واقتصادياً، كان لـلأندية والمراكز السودانية، لا سيما النادي الاجتماعي السوداني أبوظبي، والنادي الاجتماعي السوداني بمدينة العين، والمركز الاجتماعي السوداني بالشارقة، والنادي الاجتماعي السوداني دبي، وبقية الاندية السودانية في الإمارات الأخرى، دور محوري في احتضان هذا الحراك في ضروب الفن والثقافة والإبداع المختلفة، خاصة بعد وفود أعداد كبيرة من الفاعلين في المجال الفني والإبداعي بعد أن أجبرتهم ظروف الحرب، وانتظموا مباشرة في العديد من الفعاليات الترفيهية والثقافية التي تستهدف الجالية السودانية التي تحظى بمعاملة خاصة من قبل الإمارتيين حكومة وشعباً، وكذلك تستهدف الجاليات الأخرى. ومن أبرز هذه الأنشطة، البازارات الموسمية والحفلات الفنية، التي وفرت منصات راقية لعرض المواهب السودانية، والتعريف بالثقافة السودانية الغنية في محيط متعدد الثقافات.

وجهة عالمية:

ظل السودان لفترات طويلة طارداً لأبناءه لإسباب سياسية واقتصادية، وتشكلت خلال العقود الأخيرة طبقة إسلاموية ذات ارتباطات وتداخلات متعددة صعدت من القاع للقمة، نافية وطاردة لكل ما هو سواها سياسياً واقتصادياً ودينياً وبالطبع ثقافياً، بأدوات عنيفة وناعمة، عبثت بموجبها بضبط قيم المجتمع السوداني التي تراكمت لقرون طويلة، فيما يعرف بـ “إعادة صياغة المجتمع السوداني”، التي آحالت ضمن ضحاياها الطبقة الوسطى لطبقة فقيرة، ضمن مشروع الحركة الإسلامية أحد أزرع التنظيم العالمي للإخوان المسلمين وأخطرها لتمكنه دون التنظيمات الإخوانية الأخري في المنطقة العربية والإفريقية، من حكم دولة مثل السودان بأهميتها الجيوسياسية لأكثر من ثلاثة عقود، وبالتالي التحرك والنشاط بقناع الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية، وبدولة موازية لم تسكتنه كما ينبغي حتي الآن، والتي بدأ تأسيسها الفعلي منذ أن أقنع عراب المشروع الإسلامي الدكتور حسن الترابي الدكتاتور السوداني الأسبق المعزول الراحل جعفر نميري بأنه أمير المؤمنين، وصعود ما كان يثيره الإخوان المسلمون من خطاب سياسي حول ما يعرف بالدستور الإسلامي في الستينيات من القرن الماضي، ليتمظهر في قوانيين سبتمر أو قوانيين الشريعة الإسلامية في عهد نظام مايو، التي طبق فيها حسن الترابي الحدود عبر سلطة الدكتاوتور بعد أن تلبس عقل النميري، تطبيقاً بشكل متعسف وجائر على بطون شعب جائع، في زواج متعة سياسي انتهازي لم يدم طويلاً بين “أولاد حنتوب الثانوية”، مدفوعاً بشبق الجنرال السياسي للإستمرار في إغتصاب السلطة، وهو يتحرك من أجلها من أقصى اليسار لأقصى اليمين، ومن السوفييت للأمريكان من جهة، والشيخ المدفوع بالشبق السياسي لإغتصاب الدولة مستبطناً المنطق الهيغلي الذي لا يرى التاريخ إلا تجلياً من تجلياتها، ويتلبس منطق هيغل هذا الفكر الإخواني تلبساً شديداً، وهو ما يفسر نهمهم وإصرارهم علي تسور الدول والسيطرة عليها، وقد شكلت هذه الصراعات والتحولات المتطرفة من النقيض للنقيض جزءاً كبيراً من خارطة المثقفين والمبدعين السودانيين وبالتالي منتوجهم، وعادة ما يكون المثقف العضوي أو المنتمي أو اللا منتمي، هو الضحية مع عامة الشعب، بسبب الصراعات السياسية، وغياب عقد إجتماعي يتواطأ حوله السودانيون ليحول دون وصول الاختلافات والصراعات السياسية مرافئ بحور الدم.

في المقابل، مقارنة ببيئة تشكل المثقف السوداني الذي خرج من بين فرث ودم الصراعات والهويات القاتلة، فإن البيئة الجديدة التي آوى إليها الكثير من المبدعين والمثقفين السودانيين تختلف بشكل كبير إذ لم تشهد صراعات بعد تأسيس الاتحاد مثل التي شهدها السودان، وتتميز بالاستقرار والتطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتحافظ على استقرار سياسي واقتصلدي واجتماعي في ظل شرق أوسط مضطرب، وهو ما يحتم على المثقف والمبدع السوداني أو إبن الصراعات تفجير إمكاناته الإبداعية ومنتوجه الإبداعي، مستلهماً روح البيئتين وخصوصية كل واحدة، ومنطلقاً لآفاق أرحب من الإبداع والإسهام الإنساني دون أن يفقد هويته وبصمته السودانية. وبأخذ لمحة سريعة لواقع الإمارات اليوم، وبما يعطي مؤشرات لمآلات مستقبلها وهي تسعى لتقديم نموذجها الخاص للعالم، وبجانب كونها مهرباً للمبدعين السودانيين وغير السودانيين، فهي ليست وجهة لمن يقصدونها بنشاطهم الثقافي والإبداعي فحسب، بل الوجهة الأولى لأثرياء العالم متفوقة على أمريكا وأوروبا، حيث سينتقل 9800، مليونيراً هذا العام بعد أن ظلت الأرقام تتزايد لسنوات متتالية، بمعدل حوالي 27 مليونيراً يومياً بالمتوسط، وذلك بفضل مزيج من العوامل ونتيجة لاستقرار أمني وسياسي، ونسيج اجتماعي متوازن، وبالطبع بيئة استثمارية آمنة، وتشريعات محفزة على الاستثمار وضامنة للحقوق، علاوة على موقعها الاستراتيجي، واحترام للحريات، والتزام بقيم التسامح والتعايش واحترام الثقافات. وهنا يجد المبدعون والمثقفون السودانيون في الإمارات، مثل غيرهم، مع خصوصية العلاقة التي تجمع الشعبين السوداني والإماراتي، ملاذاً عندما جار عليهم الوطن الذي أحالته أحلام الظلاميين بتصفية الثورة والعودة للسلطة إلى كابوس مرعب للسودانيين جميعاً، وللمثقف والمبدع الذي هُدِمَ كل جهده تقريباً من أجل رفعة الإنسان والمجتمع السوداني، إلى رماد تزروه عواصف وأعاصير خطاب الكراهية، ومن لم يكن محظوظاً منهم متخطفاً في المنافي، تخطفته المنايا خبط عشواء، من تُصبْ تمته، ومن تُخطئ يغنِ حالُه عن السؤال، في حربٍ محمولة على سد كل سبل الحل والحياة، بشعار وسُعار “بل بس”، أي الموت ولا غيره، أعجز إيقافها كل المداركات المحلية والدولية، لرفع الضرر عن الشعب السوداني، بينما يتفانى حملة البنادق ويدقّون بينهم عطر منشم، في حرب أوصلت البلاد إلى مرحلة بعيدة من العداوة والدم، بينما يحتاج بلوغ السلم بذلاً واسعاً من المعروف، يعوذ من قدحوا ضرامها برصاصة صبيحة 15 أبريل، في المدينة الرياضية غير المكتملة، والتي مثلما وقفت شاهداً على الفساد، تقف اليوم شاهدة على الحرب والخراب، بفتح أبواب الجحيم على الشعب السوداني، مع سبق الإصرار والترصّد بعد وعيد وتهديد معلن بالحرب، وبخطاب الكراهية والشعارات الدينة التي لم يعد لها سوقاً في خريف عمر المشروع الإسلامي، وهم يتوسلون عبرها الثروة والسلطة.

الصناعات الثقافية

قصة الفنانة التشكيلية الشابة تبيان لبيب، واحدة من عشرات القصص للسودانيات اللاتي يعملن في مجال الصناعة الثقافية والإبداعية في الإمارات، وهي امتداد لقصة الحاجة الثمانينية عائشة عيسى المهتمة بالتراث والفلكلور البدوي السوداني، القادمة من بوادي العرب الرحل في غرب السودان، حيث ظلت تقصد بظعينتها التراثية المعارض والمهرجانات الثقافية في الإمارات ودول الخليج المختلف، لسنوات عديدة وهي تحمل تراث البادية المتمثل في الهودج “الجحفة”، وبيت العرب أو ما يعرف ب “بيت الشقاق”، نسبة للشقاق التي تكون الخيمة المصنوعة من وبر الإبل. الحاجة عائشة التي بالكاد تسطيع فرز ملامحمها من ملامح الإماراتيات المهتمات بالتراث، اللاتي عادة ما تصادفهن في بيت الحرفيين بقصر الحصن، وهن في عمرها تقريباً إلا بزيها السوداني، قدمت إلى العاصمة الإماراتية أبو ظبي بعد الحرب هذه المرة للاستشفاء مع بعض أفراد اسرتها، بعد أن فتحت الطريق أمام تراث البادية القريب من قلب الإماراتيين للتعرف عليه في بيئة مشابهة، وتجدهم مشدودون بشكل عميق لكل ما يرتبط بالبدو والبادية من قيم وتراث ومحمولات ثقافية، رغم التحديث المستمر لكافة أوجه الحياة في الإمارات.

في الأمارات الأشياء لا تقوم خبط عشواء أو محمولة على شعارات وهتافات سياسية، مثل كثير من الدول والبلدان ومنها السودان الذي عاش في العقود الثلاثة الأخيرة، فوضى لخطط ومشاريع واستراتيجيات هلامية تحيا بالشعارات وتموت في دفاتر النسيان، لذلك عندما يتلمس المبدع والمثقف السوداني جذور البيئة والمجتمع الأماراتي الحاضن للإبداع والإبتكار وللثقافات المختلفة لكل جنسيات العالم وثقافاته تقريباً، يجد الأفق والرؤية حاضرة، والتي تتنزل عبر الاستراتيجية الوطنية للصناعات الثقافية والإبداعية التي وضعتها الدولة، وتهدف إلى النهوض بقطاع الصناعات الثقافية والإبداعية، وزيادة نسبة مساهمته لتصل إلى 5% من إجمالي الناتج المحلي بحلول 2031. كما تهدف الاستراتيجية إلى تعزيز مكانة الإمارات على خريطة الإبداع الثقافي العالمي، وأن تكون الإمارات الوجهة الجاذبة للمبدعين في المجال الثقافي من مختلف أنحاء العالم.

هذه الاستراتيجية الوطنية للصناعات الثقافية والإبداعية التي وضعت عام 2021، بهدف النهوض بقطاع الصناعات الثقافية والإبداعية في الإمارات، وتعزيز حجمه وإمكانياته، ليكون ضمن أهم عشر صناعات اقتصادية بالدولة، تحتاج من المبدعين والمثقفين السودانيين المقيمين في الإمارات وحتى الذين ينتوون القدوم إليها للغرض ذاته، إلى تمعنها جيداً، لمعرفة وإغتنام الفرص التي تتيحها لهم أو للمهتمين بالصناعات الثقافية عموماً، وتهدف كذلك إلى تعزيز مكانة الدولة على خريطة الإبداع الثقافي العالمي ومؤشرات التنافسية العالمية في المجال، ومضاعفة عدد المنشآت العاملة في القطاع، وجذب المواهب والمبدعين لتأسيس وتطوير مشاريعهم المبتكرة في الدولة، علاوة على توفير وظائف جديدة في القطاع الثقافي والإبداعي، ورفع متوسط دخل العاملين في القطاع الإبداعي، فضلاً عن رفع متوسط إنفاق الأسر على السلع والخدمات الثقافية والإبداعية، وزيادة حجم صادرات المنتجات والخدمات الثقافية والإبداعية، ولتحقيق هذه الأهداف حددت الاستراتيجية 40 مبادرة، توزع على ثلاثة محاور رئيسة تتمثل في محور الموهوبين والمبدعين، ومحور المهنيين وبيئة الأعمال، وممكنات بيئة الأعمال، من أجل توحيد الجهود المبذولة على المستويين الاتحادي والمحلي، لتحقيق الأهداف الاستراتيجية للمؤسسات العاملة في هذا القطاع، بالشراكة مع القطاعين الحكومي والخاص، والمؤسسات التعليمية ومؤسسات النفع العام، بهدف تعزيز مساهمة هذا القطاع في تحقيق التنمية المستدامة، ومكانة الإمارات كوجهة عالمية تستقطب الخبرات والمواهب الإبداعية، وتمكنها من إنتاج محتوى إبداعي في بيئة داعمة ومتميزة، تضمن الاستدامة والكفاءة والجودة.

المسرح يتحدث

كثير من دول المنطقة تفرض قيوداً على المسرح “أبو الفنون”، كوسيلة تتجاوز التعبير الفني والإبداعي الترفيهي للأفكار والمشاعر والقضايا الاجتماعية والسياسية، وكلسان حال يرتقي بالإنسان ويحفز عقله النقدي وطرح الأسئلة، ومن هنا يأخذ المسرح دوره المؤثر، وبهذا الوقع والتأثير الذي يلعبه المسرح وضعت الأسئلة بجوار أوراق الصانع المسرحي السوداني عوض شكسبير، وما إذا كانوا يجدون المساحة الكافية التي يعبرون بها عن طريق المسرح في الإمارات، وعن أبرز التحديات والفرص التي يراها بعين صانع مسرحي ضمن عدد متزايد من المسرحيين السودانيين القادمين بعد الحرب أيضاً، يقول عوض شكسبير: لأن حركة الفنون ترتبط ارتباطاً كاملاً بحياة الناس ووجودهم، لم يتوقف الفنان المسرحي علي وجة الخصوص من ممارسة فنة ورسالته بعد الحرب، فلقد نزح كثير من المسرحيين السودانيين إلى بلاد أخرى، وهم يحملون هم العودة والسلام والتعمير، فكانت محاولاتهم صادقة لصنع وطن معافي بعد الحرب، ويضيف رغم قلة تلك الأعمال الإ أنها كانت صادقة بحق.

ويزيح شكسبير الستار عن نشاطه كصانع مسرحي بقوله، عملت أنا وبعض الزملاء المسرحيين في أول أيام نزوحنا 2024، في دولة الإمارات مسرحية “شخارم .. بخارم”، وهي من تأليفي وإخراج أبوبكر فيصل وعرضتُ بمسرح قاعة أفريقيا بالشارقة، كما قمت بعمل مسلسل “رقم وطني”، لصالح تلفزيون سودانية 24، من تأليفي وإخراج إمام حسن الإمام، وشاركت في الكثير من الأعمال والمحافل التي تخص الجالية السودانية بالإضافة لعمل فيديوهات على وسائل التواصل الإجتماعي. أما عن التحديات والفرص التي تواجهنا كصناع مسرحيين يقول شكسبير: “وكما تعلم أن إنتاج أي عمل فني يحتاج إلى الدعم طبعاً لإنتاجه، وهذة من أكثر المعوقات والتحديات”، ويضيف أن رأس المال السوداني لا يدعم مثل هذه المشاريع ولا أي جهات رسمية لديها ميزانيات لدعم الفنون، لذلك تجد أننا مقيدون وضعيفي الإنتاج. وفي الوقت نفسه، ننصهر اجتماعياً بشكل تلقائي مع المجتمع الإماراتي كحال كل المهاجرين، ولم تتح لنا أي فرصة للمشاركة في أعمال فنية حتى الآن. وزاد قائلاً: “لدينا -نحن المسرحيين- كثير من الأحلام والمشاريع داخل الإمارات، وننتظر أن نساهم جميعاً في إنتاجها”. ويضيف أنا أكتب الآن فيلما عن روح الفنان العميري، وفيلماً آخر بعنوان “ست زينب” تمجيداً للمعلمات السودانيات، ونتمنى أن نجد الدعم اللازم للإنتاج.

ويشير المؤلف والكاتب المسرحي السوداني عمر الحاج الذي كُرم في الحفل السنوي للمركز الاجتماعي السوداني بإمارة الشارقة لتكريم المبدعين السودانيين بجانب الصانع المسرحي عوض شكسبير، والممثلة عزوان لبيب، إلى أن معظم النشاطات والليالي الثقافية تقام في الشارقة في المركز الإجتماعي السوداني، وهي كثيرة وتعكس حجم النشاط الثقافي والإبداعي للسودانيين في الشارقة، آخرها تدشين كتاب نمر الكندو للكاتبة عفاف أبو كشوة، ويقول الحاج، بدأنا المشروع المسرحي لـ “مسرحية البراويز“، قبل حوالي سبعة شهور في المركز السوداني حيث وفروا لنا القاعة وتسهيلات كثيرة جداً، وقدمنا أول عرض مسرحي في المركز أيضاً، بجانب عروض مسرحية أخرى لمسرحيين سودانيين آخرين، لذلك تجد أغلب النشاطات الثقافية في الشارقة لخصوصيتها، وتجذب جمهوري سوداني كبير.

لم يكتفي عمر الحاج مؤلف مسرحية البراويز التي أخرجها الممثل والمخرج السوداني محمد نعيم سعد الذي يرقد طريح الفراش في الإمارات، وبصحبة الفرقة المسرحية بالمشاركة في داخل الإمارات، بل امتدت إلى مشاركات عربية خارجية في الأرد بمهرجان عشيات طقوس المسرحية الدولي في نسختة الـ (18)، وحصدت ثلاث جوائز تمثيل.

العرض المسرحي لمسرحية البراويز عمان الأردن
العرض المسرحي لمسرحية البراويز عمان الأردن

ويقول الحاج أن العرض المسرحي شهد حضوراً سودانياً كبيراً، تقاطر نحوه الكثير من أبناء الجالية السودانية بالأردن، ويشير بشكل لماح إلى أن العرض المسرحي للبراويز كان بمثابة المسهل لنزول العَبرَة التي تخنق الجميع للحضور، بعد أن لمح في تجواله في وسط العاصمة الأردن جلوس السودانيين في تكتلات سياسية واجتماعية، وضاق بهم المسرح الذي امتلأ عن آخره بعد أن كانت تضيق صدورهم من الجلوس في مكان واحد، ولم يتمكن أضعاف الذين وجدوا مقاعد من الدخول، وتحول العرض إلى ما يشبه حشد جماهيري كبير ضاق به المكان داخل المسرح وخارجه، مما اضطر اللجنة المنظمة تشغيل النشيد الوطني السوداني الذي وقف له الجميع، ويضيف عمر أن العرضي المسرحي اتاح للكثيرين، ممن لم يكونوا يعرفون أن لهم معارف يقيمون بالأردن من الالتقاء بهم، وأنه عرف من البعض غياب أي مشركة فنية سودانية منذ العام 2017، بعد زيارة بعض أبناء الجالية للفرقة بعد العرض في الفندق وهم يحملون لهم باقات الورد. ومع مطالبات للعودة للأردن لتقديم عروض المسرحية للجمهور الذي لم يتمكن من الدخول وهو ما فاجأ اللجنة المنظمة، مع مطالبات بتأكيد المشاركات السودانية في المهرجانات والفعاليات المقبلة، ويضيف الحاج قائلاً : “تأثرنا لذلك نظراً لحضور البعض من مناطق بعيدة بصحبة أسرهم وأطفالهم”.

العرض المسرحي البراويز
العرض المسرحي البراويز

من جانبها شكرت الممثلة عزوان لبيب كل من جاء لحضور المسرحية من الجالية السودانية والأردنيين، وللجنة المنظمة ومدير المهرجان الدكتور علي الشوابكة، والمخرج عيسى الجراح عضو فرقة طقوس المسرحية و عضو نقابة الفنانين الأردنيين، على جهودهما في تسهيل الأشياء وإنجاح الحدث الفني وتقول عزوان، مشاركتي في مهرجان عشيات طقوس المسرحية الدولي كانت تجربة مميزة وغنية بالفن والإبداع، وأود أن أعبر عن خالص شكري وامتناني لكل من كان جزءاً من هذا النجاح، بدءاً من مخرج مسرحية “البراويز” الأستاذ محمد نعيم سعد، ومؤلفها عمر الحاج، لمنحي فرصة المشاركة في عمل مسرحي استثنائي، ولفريق التمثيل رحاب الكرار، ورؤى محمد نعيم سعد، وأسرتها التي وصفتها بالداعم الرئيسي لمشوارها الفني.

الأطفال حضور بأعلام السودان لمهرجان بوابة السودان بإمارة دبي
الأطفال حضور بأعلام السودان لمهرجان بوابة السودان بإمارة دبي

ويقول عمر الحاج: “الإماراتيون شعب منفتح وجميل وتعاملوا معنا كـسودانيين وبني آدمين”، وأضاف منحوا الكثيرين إقامة الكوارث، وفتحوا صدورهم وقلوبهم قبل فتح أبواب بلدهم للدخول، واستطاعت الفنون أن تكسر جميع الحواجز. ولا نستطيع إلا أن نقول ببساطة إننا نعيش في بلدهم ونمارس عملنا الفني والثقافي، وهم يحترمون ذلك. ووجدنا كل التسهيل والاحترام في مطار الشارقة من قبل ضباط الجوازات، وبالقدر ذاته في الأردن جيئة وذهاباً. وعبر الفنون، نستطيع أن نكسر الدائرة الشريرة ونهزم بها عين الظلام. وكل سوداني يختار وسيلته، ونحن اخترنا طريق الفنون الذي على الرغم من كونه شاقاً، فإن نتائجه تظهر بشكل أسرع.

من زاويته يقول المخرج السينمائي والمصور مهند بلال الذي عاد إلى الإمارات بعد الحرب للاستقرار فيها من جديد، إن الجالية السودانية في الإمارات تحظى بنشاط ثقافي وإبداعي ملحوظ، حيث تُعد جسراً حيوياً لتبادل الثقافات وتعزيز التفاهم بين الشعوب. ويتمثل هذا النشاط في العديد من الفعاليات والمبادرات التي تهدف إلى الحفاظ على الهوية السودانية وفي الوقت نفسه الاندماج الإيجابي في المجتمع الإماراتي المتنوع، ويضيف بلال قائلاً: تقدم دولة الإمارات العربية المتحدة مجموعة واسعة من الفرص للجالية السودانية المقيمة على أراضيها، خاصة في ظل الظروف الحالية في السودان، وتشمل هذه الفرص جوانب مختلفة من الحياة، سواء كانت مهنية، أو تعليمية، أو اجتماعية، أو حتى في مجال الدعم الإنساني، ويضيئ المخرج مهند بلال جانب الأعمال التي يشتغل عليها بقوله: أنا الآن أعمل حالياً على فيلم سينمائي قصير “في زمن النزوح واليأس، يتشبث فنان سوداني بعائلته النازحة عبر كاميرا مراقبة مكسورة، ليكتشف أن أعمق الروابط تتجاوز المسافات والظلام، وتخلق وهجاً من الأمل لا تطفئه الحروب”.

حراك شعري

حيثما يجئ الشعر يجئ السوداني والعكس صحيح، عدد من الشعراء السودانيين طاب لهم المقام في الإمارات، حيث يأتي الشعر والشاعر في مكان متقدم في نفوس وأرواح السودانيين والإمارتيين، وكديواناً للعرب فهو سجل شامل لحياتهم وأحوالهم وأخلاقهم وعاداتهم، فهو بمثابة سجل توثيقي لكل ما يتعلق بحياتهم، ويعكس تطورهم عبر العصور، كما أنه مصدر للحكمة والتهذيب والتربية، يدونون فيه تأريخهم، وحاضرهم، وأشواقهم. ويقول الطيب عبد السلام حول أزمة الشعر العربي المعاصر، قبل كل شيء لا بد من إيضاح مركزية الشعر العربي في الحضارة العربية كونه يلعب الدور الأهم في صياغة الوعي العربي و التعبير عنه، بل و التسيد عليه، و هو “ديوان العرب” و مكانهم الرمزي و الجغرافي و هو بالنسبة للعربي بمثابة مبنى الكولزيوم لليوناني و كالأهرامات والمسلات بالنسبة للمصري، هو الأثر المادي الملموس الذي يوثق العقل العربي و منجزاته التاريخية عسكرية أم جمالية أم خيالية و هو “لسان حالهم”، و بالرغم من تراجع تأثير الشعر لصالح نصوص أخرى تحظى بالقداسة والعصمة إلا أنه ظل فاعلاً في توكيد نقاشاتهم وخطاباتهم و “جلسات أنسهم و احتفالاتهم”. ويرى أن القصيدة العربية الراهنة تعاني من إشكاليتين مزدوجتين، وهي إما انها مُغْرِقة في الأنماط القديمة و الكلاسيكية أو أنها إذا تمردت على هذا النص فإنها أتَتْ بشعر مبهم الكلام، مبهم المعنى. ويرجع عبد السلام سبب هذا المأزق الأساسي لخطأ النظرة الأساسية للمسألة الشعرية أولاً، و ثانياً ضيق أفق الشاعر الناتج من عزوفه عن القراءة و التأمل و التفكير النقدي البحثي، فتولدت في داخله روح تقديسية للمعاني الشعرية ومقاصد الشعر، فتحول المفهوم الشعري عنده لمعطى جاهز “لا يقبل التحليل و التفكيك”.

ومن إمارة الشارقة حيث ينبض الشعر وتتدفق أرواح الشعراء في أوردتها وشراينها، تقول الشاعرة السودانية الشابة إسراء حيدر، مشاركتي في الأمسية الشعرية بالمركز الاجتماعي السوداني بالشارقة كانت تجربة ثرية ومميزة بالنسبة لي، لأنها لم تكن مجرد قراءة نصوص شعرية، بل كانت مساحة حقيقية للتواصل مع جمهور واسع، يتقاطع معه الوجدان السوداني في تفاصيله. التفاعل الكبير من الحضور أكد لي أن الشعر ما زال يحتفظ بقدرته على لمس الأرواح، وجمع الناس حول قيم الجمال والمعنى. مثل هذه الأمسيات تفتح أمامنا كشعراء سودانيين في الإمارات آفاقاً جديدة للتعبير، وتتيح لنا أن نحمل صوت السودان بكل ما يحمله من ذاكرة وألم وأمل، ليكون جزءاً من المشهد الثقافي المتنوع الذي تحتفي به الإمارات. وأشعر أن مشاركتي أضافت لي الكثير، وأعطتني حافزاً للاستمرار في تقديم الشعر كجسر إنساني يجمع بين التجارب والقلوب.

في الشعر دائما ما يأتي المعنى كثيفاً، وهو يُزف بصخب الأجراس الداخلية والخارجية للقصيدة، حيث تتجوهر بداخله المضامين الثقافية، والاجتماعية، والسياسية، وقبل ذلك الدفق الإنساني والروحي الذي ينسال من وجدان وأحاسيس الشاعر. بناء على ذلك سألت الشاعرة إسراء حيدر باعتبارها شاعرة شابة وصوت يمثل جيل يسعى لتحطيم القوالب، وربما تجاوز أغراض وموضوعات الشعر النمطية، على نهج العديد من الشعراء والشاعرات الشباب الذين لديهم تمرداً، أو نزوعاً مجافياً للعادي، والمألوف، والسائد، أو حتى ضد المعايير الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، وما إذا كانت ترى أنها قادرة على هذه الفتوحات الشعرية في القضايا الشائكة مثل القضايا الوجودية، والدينية، والسياسية، والاجتماعية، والعاطفية، وباعتبارها إمرأة على يديها أساور وقيود من الأعراف الإجتماعية والدينية، بجانب كونها في الإمارات خارج بلدها الأم؟ تجيب إسراء بقولها، أنا مؤمنة أن الشعر في جوهره لا يقبل أنصاف المساحات، وهو بطبيعته ينفتح على القضايا الكبرى والإنسانية، سواء كانت وجودية، أو دينية، أو سياسية، أو اجتماعية، أو عاطفية، وكإمرأة وكشاعرة شابة أحمل في داخلي تراكمات التجربة الفردية والجمعية، ومعها القيود والأساور المفروضة من الأعراف والدين والمجتمع، لكن كذلك الشعر بالنسبة لي هو مساحة للانعتاق، والمساحة التي أستطيع أن أتنفس فيها بصدق، وأتجاوز حدود الخوف والرقابة. أما قدرتي على الفتح الشعري لا تأتي من التمرد فقط، لكن من الرغبة في الصدق والبحث، ومن محاولة صياغة صوت يلامس الحقيقة مهما كانت شائكة. وتضيف إسراء، أنا أعتقد أن دور جيلي هو أننا نعيد تعريف الشعر ونكسر به المألوف، ونكتب بجرأة ووعي، ونعكس تعقيدات وجودنا داخل وخارج أوطاننا، فالشعر ليس وسيلة للهرب من القيود، لكنه وسيلة لمواجهتها والتعبير عنها بشكل عميق وجميل، وهذه هي المساحة التي أحاول أن أحتملها واتجول فيها، أما تجربتي في الإمارات أعتبرها خطوة متقدمة للأمام في مشواري الشعري، تماماً مثل خطوتي السابقة في مصر و بداية مشواري الذي كان في السودان، لذلك أجدني ممتنة للتجربة واطمح للمزيد والتقدم بخطوات ثابتة و مدروسة.

نوادي تنبض بالحياة

تشهد دولة الإمارات العربية المتحدة حراكا فنياً، وثقافياً، متنامياً لا يكاد يتوقف، جنباً إلى جنباً مع نبض حراك سياسي، واقتصادي، واجتماعي لا يتئد. وفي هذا الخضم تأتي تنشط مشاركات متميزة من الفنانين السودانيين المقيمين على أرضها، حيث أسهموا بشكل فعّال في إثراء المشهد الفني المحلي وتعزيز التبادل الثقافي. وقد كان لـلأندية السودانية في الإمارات المختلفة، لا سيما النادي الاجتماعي السوداني بأبوظبي، والنادي الاجتماعي السوداني بالعين، والنادى الاجتماعي السوداني بدبي، والمركز الاجتماعي السوداني بالشارقة، وغيرهم في بقية الإمارات الأخرى، دور محوري في تنشيط هذا الحراك من خلال تنظيم العديد من الفعاليات الترفيهية والثقافية التي تستهدف الجالية السودانية والجاليات الأخرى. ومن أبرز هذه الأنشطة: البازارات الموسمية والحفلات الفنية، التي شكلت منصات مهمة لعرض المواهب السودانية، والتعريف بالثقافة السودانية الغنية في محيط متعدد الثقافات.

لا توجد أبواب لهذه الأندية السودانية لنطرقها، فهي تفتح براحها للأنشطة الاجتماعية والثقافية والابداعية على مدار السنة، دلفنا مباشرة إلى داخل النادي الاجتماعي السوداني في مدينة العين دار الزين كما يحلو تسميتها، وهو يضج بالنشاطات المختلفة الثقافية والرياضية في المدينة الهادئة الوقورة، والتي تجمع الأسر السودانية وأطفالهم والشباب من الجنسين. ويقول الأمين الثقافي للنادي السوداني الأستاذ هيثم محمداني: منذ تكليفنا بالأمانة الثقافية في النادي الاجتماعي السوداني بالعين قبل سبعة أشهر، نعمل جاهدين على جذب المبدعين السودانيين الذين وفدوا إلى الإمارات بعد الحرب، لإثراء الساحة الثقافية في النادي والمجتمع. وقد أسسنا تحت مظلة الأمانة الثقافية عدة مكاتب منها مكتب للمسرح والموسيقى، والفنون التشكيلية، والملتقيات والمنتديات التي وضعنا لها أسس، ونأمل في مباشرة أعمالها في القريب، لتكون منصات حاضنة لإبداعات أبناء الجالية المقيميين بالإمارات، في الشعر والموسيقى والمسرح والفن التشكيلي. و يضيف محمداني، لقد وفرت الإمارات بيئة حاضنة للتنوع الثقافي وفرصاً واسعة للتعاون، فيما يظل التحدي في تنظيم هذه الطاقات وضمان استمراريتها، وقد لمسنا من المجتمع الإماراتي استقبالاً دافئاً واحتراماً متبادلاً عزز جسور التبادل الثقافي، ويشير محمداني كأحد الفاعلين الثقافيين الذين ينخرطون بصفتهم الشخصية أيضاً في المشهد الثقافي بقوله، وعلى الصعيد الشخصي، قبل تكليفنا للأمانة الثقافية بالنادي الاجتماعي السوداني بالعين، كان لنا دور مؤثر في توقيع مذكرة تفاهم بين جمعية الموسيقيين الإماراتيين والنادي الاجتماعي السوداني بدبي، كما ساهمت على إدخال عدد من الموسيقيين السودانيين لعضوية الجمعية، ومن هنا، أدعو جميع الموسيقيين السودانيين إلى الانضمام إليها لما توفره من دعم لمسيرتهم الفنية ومساحات أرحب للإبداع.

من جهته يقول المدير التنفيذي للنادي السوداني دبي، السمندل صلاح الدين، أن المبدعين السودانيين الذين قدموا إلى الإمارات بعد الحرب، أحدثوا حراكاً ثقافياً، وفنياً، قوياً ورائعاً في دبي، وأضافوا الكثير للمشهد الثقافي في الإمارات، وأصبحت هناك فرقة موسيقية متاحة لأي فنان يأتي باحثاً عن عازفين، ولدينا كنادي إتفاقية مع جمعية الموسيقيين الإمارتيين حتى يندمج المبدع والفنان السوداني في البيئة الفنية الجديدة ليؤثر ويتأثر، وقد كان بالفعل ثمرة ذلك أداء الفنان الإماراتي طارق المنهالي لأغاني سودانية بصحبة فرقة موسيقية سودانية.

وبجانب هذه الفرص التي تفتح الأبواب للمبدع والفنان السوداني في البيئة الجديدة، يلفت السمندل النظر كذلك إلى التحديات التي تواجههم، مثل التكاليف العالية للإنتاج في دبي، وأماكن التصوير والمونتاج والإخراج تحتاج إلى موارد مالية لا تتوفر لدى الكثير من المبدعين والفنانيين، لذلك فرص العمل تبدو صعبة، علاوة على أن البرامج المباشرة تحتاج إلى أماكن تكاليفها عالية، لذلك يتجه البعض للشركات للرعاية ليسيرون نشاطهم وحياتهم بالقليل المتاح، ويرى السمندل أن الحلول تكمن في توفير منصات وقنوات بعد تزايد الأعداد مؤخراً.

أما النادي الاجتماعي السوداني بأبوظبي، نكتفي بآراء لعدد من الذين يداومون على حضور نشاطاته، واتفقت جميعها على مساهمة القادمين بعد الحرب من السودانيين ويقيمون باقامة الكوارث أو الإقامة الذهبية التي تمنحها الإمارات لرعايا الدول التي تعاني من الكوارث والحروب، والثانية للمبدعين والمتفوقين في المجالات المختلفة ومنها المجال الثقافي والفني والإعلامي. فى النشاط الثقافى فى النادي الاجتماعى السودانى أبوظبى والإمارات عموماً كانت بائنة ومميزة، وأضافوا تنوعاً ثقافياً كبيراً وأثروا في المشهد الثقافى المحلى بأرائهم وأفكارهم، واستفادوا من فرصة التنوع الثقافى في الإمارات، كونها بيئة حاضنة للتنوع الثقافي، مما يتيح للقادمين الجدد الاندماج بسهولة والمشاركة فى الأنشطة الثقافية.

ويشير الباحث الدكتور أحمد التجاني، باعتباره مقيماً في العاصمة أبو ظبي، ومن المداومين على الأنشطة الثقافية في الأندية السودانية الاجتماعية المختلفة بقوله، إن النشاط الثقافي للسودانيين بدولة الإمارات العربية المتحدة قديم قدم الجالية السودانية بالدولة منذ تأسيس الأندية الاجتماعية والثقافية، حيث في كل نادي أمانة للثقافة تتضمن شعبة للموسيقى والتراث والآداب والثقافة، تنظم هذه الأمانة اللقاءات والأنشطة الثقافية في المناسبات والاحتفالات، وفق لوائح وضوابط جمعية النفع العام، التي تتبع لها الأندية من الناحية التنظيمية والقانونية بالدولة، بعد الموافقة المسبقة على الفعالية من جهة الاختصاص. وأحيانا تكون هذا الأنشطة في المناسبات الرسمية مثل يوم الاتحاد، والعيد الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة ومشاركة الجالية السودانية لدولة الإمارات، وكذلك مناسبة عيد الاستقلال السوداني. أما مشاركة المثقفين والمبدعين عادة ما تكون من خلال المقيمين أنفسهم، وأحيانا تحضر وفود وفرق ثقافية من السودان للمشاركة كمهرجان الشيخ زايد للتراث والثقافة في الوثبة، والآن في ظل الحرب ووجود بعض المثقفين و المبدعين بالدولة يشارك بعضهم في هذه الفعاليات.

الجدير بالذكر هناك شراكات وتوأمات فنية متزايدة بين الفنانين السودانيين وجمعية الموسيقيين الإماراتيين، في الفترة الأخيرة، تمثلت في مشاركات فنية مشتركة بعدد من المحافل، ومن أبرز هذه النماذج مشاركة الدكتور طارق المنهالي، أحد الأسماء البارزة في الساحة الفنية الإماراتية، في فعاليات ذات طابع مشترك، ما يعكس روح التعاون والانفتاح الفني الذي يؤسس باستمرار لفرص تعاون أكبر بين السودانيين والإمارتيين.

بوابة السودان

في مطلع مايو الماضي فتحت الجالية السودانية في الإمارات “بوابة السودان” وهو إسم المهرجان الذي نظمته الجالية، بمركز دبي الدولي للمعارض بمدينة إكسبو، بحضور أكثر من 20 ألف شخص، من العائلات والأسر وأبناء الجالية السودانية، فضلاً عن أبناء الجاليات الأخرى، وهو يعد جانباً من النشاط الثقافي المتواصل للسودانيين، الذي يستهدف الاحتفاء بالثقافة والتراث والفنون السودانية، وقيم التسامح والتعايش التي تسود بين مختلف مكونات المجتمع في دولة الإمارات، من خلال دعوة أبناء الجالية السودانية والمجتمع السوداني بالدولة للتفاعل مع فعالياته، في أجواء بنكهة سودانية خالصة على أرض دولة الإمارات، حيث شكل المهرجان فرصة للتعريف بثراء وتنوع الثقافة والفنون والفلكلور الذي يزخر به السودان، والاستمتاع بفقرات فنية وثقافية وترفيهية متميزة.

قوبلت هذه التظاهرة الثقافية للجالية السودانية في الإمارات من الجانب الرسمي للدولة، بكلمات دافئة تحمل قدراً كبيراً من المحبة والإمتنان، عبر وزير التسامح والتعايش الإماراتي، معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان في حديثة خلال المهرجان بقوله: “إن هذا المهرجان يتجسد فيه حب الإمارات للسودان وحب السودان للإمارات، ويسرني بالغ السرور أن أشارك معكم مهرجان بوابة السودان هنا في دبي، نحتفي فيه معاً بشعب السودان العظيم الذي يقف اليوم قوياً وشامخاً، حريصاً على تحقيق وحدته الوطنية، وهو مهرجان نحتفي فيه أيضاً، بأبناء وبنات السودان المقيمين معنا في الإمارات، وبإسهامتهم المهمة والمقدرة في نهضة وتقدم هذه الدولة العزيزة علينا جميعاً”، مضيفاً أن احتضان الإمارات لمهرجان بوابة السودان، يعكس متانة العلاقات الراسخة والمتميزة بين البلدين الشقيقين، مؤكداً حرص بلاده من خلال استضافتها للأحداث والفعاليات الكبرى، المحتفية بثقافات العديد من الدول الشقيقة والصديقة، على ترسيخ نهجها في توثيق جسور التواصل البناء بين أبناء مختلف الشعوب، وتقديم نموذج للتعايش الاجتماعي المثمر والفعال بين أبناء كافة الثقافات.

كان لابد من مجالسة إسفيرية مع رئيس الجالية السودانية في الإمارات د. الأمين جعفر أحمد طه، لنقلب معه سجل المثقفين والمبدعين السودانيين في الإمارات الذين جاءوا بعد الحرب، ليسرد قصة المبدع والمثقف السوداني الطريد الذي يحمل معه السودان في مهاربه، ويحكي طه قائلاً: “منذ اندلاع الأزمة في السودان، شهدنا توافد أعداد كبيرة من المثقفين والمبدعين والفنانين السودانيين إلى دولة الإمارات، باعتبارها ملاذاً آمناً وبيئة حاضنة للثقافة والفكر والإبداع، وقد كان حضورهم لافتاً ونشاطهم ملحوظاً في مختلف المنابر الثقافية والفنية، سواء عبر الأمسيات الشعرية والندوات الفكرية أو عبر الفنون التشكيلية والموسيقى والمسرح”. ويضيف طه أن هؤلاء المبدعين لم يأتوا فقط باحثين عن الاستقرار، بل جاءوا حاملين معهم إرثاً غنياً من الثقافة السودانية، وأضافوا بعداً جديداً للمشهد الثقافي الإماراتي القائم على التنوع والانفتاح، فقد أسهموا في تعزيز التبادل الثقافي، وعكسوا صورة السودان الحقيقية بما يحمله من عمق حضاري وإنساني، وبطبيعة الحال يجد المبدعون السودانيون فرصاً كبيرة في الإمارات بفضل البيئة الداعمة التي تحتفي بالتنوع الثقافي وتفتح المجال لكل صوت مبدع، ولكن في الوقت نفسه، هناك تحديات تتمثل في صعوبة الانتقال السريع إلى منصات العرض والانتشار، والحاجة إلى بناء شبكات أوسع من العلاقات مع المؤسسات الثقافية المحلية، ويزيح طه الستار عن المشهد الثقافي السوداني في الإمارات اليوم قائلا إنه أصبح أكثر ثراءً وتنوعاً، من خلال المعارض التشكيلية، والأنشطة الموسيقية، والمبادرات الأدبية، وهو مشهد يتفاعل معه الجمهور الإماراتي بشكل إيجابي، وزاد بقوله لعل الأجمل أن المجتمع الإماراتي يستوعب هذه الأنشطة بروح من الترحاب، إذ تجمع السودانيين والإماراتيين علاقات طيبة ومتجذرة منذ عقود، ومع إعلان هذا العام عاماً للمجتمع في الإمارات، فإننا نرى أن الفرصة سانحة لتعزيز حضور المثقفين والمبدعين السودانيين أكثر، من خلال مبادرات مشتركة تعكس قيم الإخاء والتنوع، وتبني جسوراً جديدة بين الشعبين.

التحولات الكبرى

العلاقة المائزة بين السودان والإمارات على خصوصيتها منذ تأسيس الاتحاد، لا يمكن تجاوز ما اعتراها سياسياً في العقود والسنوات الأخيرة، رغم ذلك لم تستطع أن تنقض عُرى الصلات الشعبية والثقافية بين البلدين، وفي خضم تحولات كبيرة وسريعة تشهدها المنطقة العربية، والتي يبدو كأنها تُجمر العلاقة بين السودان والإمارات لتتسابك وتصبح أصلب وأقوى بشكل إستراتيجي في المستقبل، بعد طرد الظلام وكسر القيود التي ظل يصطك فيها “صقر الجديان”، الذي أُسقط من عل نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وأصبح مريضاً ومنبوذاً بين الدول يصدر الشر والإرهاب إلى العالم، إلى أن أعادته ثورة ديسمبر المجيدة إلى الحياة، لكن سرعان ما أًسقط مرة أخرى بعد أن حلق عالياً في سماء الحرية لأول مرة منذ ثلاثة عقود، برصاص الصياد الجائر ذاته، الذي نتف ما تبقى من ريشه هذه المرة، لاعادته للحفر وكهوف الظلام. في حين ظل يحلق “الصقر الحُر” عالياً باستمرار، متيقظاً، ومتأهباً، وراسخاً، غير هياباً لصعود قمم الجبال، واستطاع خلال العقود الثلاثة ذاتها التي اندلعت فيها ثورة الاتصالات والعولمة على أشدها، أن يجعل من رمزيته في الإعتزاز بالماضي، والقوة والوحدة في الحاضر، والعزة وارتياد الآفاق والمستقبل بنجومه السبع لبقعة ضوء، وكأن الصقر الحُر يحتك بصقر الجديان لفك أغلاله وايقاظه بشدة من غيبوبته الطويلة، وإلهامه أن الطيران ممكن متى ما توفرت الإرادة والعزم. وفي ظل هذين الواقعين المتناقضين سيجد الكثير من المثقفين والمبدعين السودانيين الذين يمموا صوب ذرى الصقر الحُر، أنفسهم في خضم مقارنات وتساؤلات لا تتركهم مهما أغمض البعض أعينهم.

وبعد أن كانت القاهرة وجهة للكثير من المثقفين والمبدعين السودانيين في الماضي قبل التغيير والتحولات التي انتظمت المنطقة، أصبحت الإمارات وجهة مفضلة للكثيرين كذلك خاصة بعد الحرب، مقروناً بسهولة الدخول وحفاوة الاستقبال، بعكس دول أخرى سدت أبوابها بشكل لا يفتح إلا بعد طول انتظار أو طرقه بنظير مالي، وهو ما لا يحتمله المثقف والمبدع السوداني ليس في لحظات الضعف الإنساني التي فرضتها عليه الحرب فحسب، بل حتى في الظروف العادية، ويَطرح هنا سؤال لماح ، ما إذا كانت ستلتقط عين الصقر الإماراتي هذا التحول في الوجهة وتعزيزه بشكل استراتيجي في ظل تحولات كبرى تلعب فيها الإمارات دوراً فاعلاً، سياسياً وأقتصادياً، وأجتماعياً ودينياً، ليجد المثقف والمبدع السوداني الهارب من جحيم دولة ومشروع ماضوي، لا يعترف بالتعدد والتنوع الذي يمثل السمة الأبرز والأجمل للسودان والسودانيين، ويجد في الإمارات ما يحتضن تنوعه في بيئة جاذبة للثقافات، مثلما احتضنت السودانيين وغير السودانيين، وكأنما لم تكن يد الشيخ زايد مبسوطة للجميع بالخير فحسب، بل لا زالت بمثابة شمعة تضيئ المنطقة العربية برمتها بالانحياز للقيم الإنسانية التي تجمع ولا تفرق، وتتمثلها الدولة بشكل كبير وعملي، والتي كادت لوثة الإسلام السياسي المنزوعة القيم أن تسيطر على المنطقة برمتها، مثلما سيطرت على السودان في سنوات الظلام الذي يعيش السودانيين كابوسه الآن بطريقة دامية.

المتتبع للنهج الذي يسير فيه النموذج الإمارتي في كافة المجالات الثقافية والسياسية والإقتصادية، يرى بوضوح أن الإمارات قد وضعت بهدوء في سلة المهملات نهج الشعارات والهتافات، الذي ظلت ترفعه المشاريع السياسية الإيديلوجية التي سادت ثم بادت، والتي اعتورت المنطقة العربية بشكل صاخب، مع نتائج كارثية لا تزال آثارها باقية وباغية، بعد أن فاضت تحديات الواقع والمتغيرات السريعة التي ظل يشهدها العالم ولا يزال، عن ماعون تصوراتها الايديلوجية، التي ما عادت الشعارات والهتافات تغطي حتى رزق اليوم باليوم. وترى ذلك بشكل أوضح في العديد من التصريحات الرسمية ليس أخرها حديث المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي، الدكتور أنور قرقاش خلال جلسة في قمة الإعلام العربي الأخيرة بعنوان “تداعيات الفوضى وتحديات صناعة الاستقرار “، التي عقدت بدبي، وهو يشير إلى ضبابية المشهد الاقتصادي والتكنولوجي والسياسي، وما تحمله هذه المرحلة من فرص وتحديات، في عالم عربي منقسم إلى عالمين، ويقول “آن الأوان للتخلص من وهم الأيديولوجيا لصالح إنجازات حقيقية تخدم شعوب المنطقة”، ويشير إلى وجود انقسام في العالم العربي، وتجربة ناجحة في الخليج، ومناطق لا تزال في عنق الزجاجة.

الوعي والواقعية

وبعيداً عن المثاليات في تناول اللحظة التاريخية الأكثر إضطراباً بين الإمارات ونظام الإنقاذ الإخواني، بعد تقويضه للنسخة السلمية لثورة ديسمبر بغية العودة للسلطة، نظام بكل ما يحمل من إرث من تصدير الإرهاب، ودعم وتوظيف الجماعات الإسلامية المتطرفة، وممارسة الشغب السياسي والأيديلويجي في المنطقة. وبتبسيط المفاهيم الجيوسياسية المعقدة، يجدر القول إنه لا توجد دولة تظل حبيسة لجغرافيتها، حتى تصلها التهديدات العابرة للحدود والقارات في عقر دارها، وهذه هي السمة الأبرز لعالم اليوم حيث تعاد قراءة الصراعات والتهديدات بشكل مستمر خارج الأطر الجغرافية، دون إهمال العوامل الاقتصادية، والثقافية، والأيديولوجية التي تشكل التاريخ والسياسة، وبالطيع المصالح الاستراتيجية، وكما يخلص الصحفي والمحلل الجيوسياسي البريطاني “تيم مارشال” في كتابه “سجناء الجغرافيا”، أن فهم السياسة الدولية يتطلب النظر إلى الخرائط، لجهة أن جغرافية الدول تحدد مصيرها، وتؤثر بشكل كبير على سياساتها الداخلية وعلاقاتها الدولية، ويوضح مارشال أن الجبال، والأنهار، والصحاري، والبحار سواء كحواجز أو طرق للتجارة، ليست مجرد معالم طبيعية، بل هي عوامل حاسمة تحدد التهديدات والفرص وتشكل تاريخ ومصير الأمم وتوجه قرارات قادتها، علاوة على المناخ والموارد الطبيعية مع التركيز على عدة مناطق جغرافية رئيسية في العالم تخوض صراعات خارج إطارها الجغرافي المعرض لتهديدات وجودية، مثل الصراع الروسي الاوكراني المحمول على التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي “الناتو”، وعلى التحديات التي تواجه الصين بسبب جبال الهيمالايا والصحاري التي تحدها، وحاجتها للسيطرة على بحر الصين الجنوبي لتأمين طرق التجارة، وبالقدر نفسه الوضع لدى أوربا، ويوضح كذلك كيف أن موقع الولايات المتحدة المحمي بين محيطين كبيرين منحها ميزة هائلة أدت إلى هيمنتها العالمية وهي تستعصم بهذا البعد مقروناً مع أبعاد أخرى. وبالطبع التهديد الإخواني الذي لا يستثني دولة من الدول العربية والإسلامية وغير الإسلامية، حيث يتم حصاره حالياً في ملاذاته الآمنة في أوربا وأمريكا، بعد تحذيرات سابقة ما يطرح تساؤلاً لا يمكن تجاهلة فيما يتعلق بتوظيف هذه الدول للجماعات الإسلامية الحركية المتطرفة، والإرهاب الذي تنتهجه، لتحقيق مصالح وأهداف وأجندة سياسية واقتصادية استراتيجية على مستويات عدة.

بجانب ذلك يدرك المثقف السوداني سواء كان منتمي يبحث عن الأمان داخل التيار أو الجماعة مداهناً أو ممتثلاً لسلطتها، أو لا منتمي يبحث عن الحقيقة وينحاز للحق ولو على حافة العزلة، متأرجحاً بين الوعي المفرط والقلق الدائم، نحو تجربة وجودية أعمق تمنحه يقيناً وحرية وصوت إنساني وأخلاقي في المقام الأول والأخير، أن جحيم الحرب التي فتحت أبوابها رصاصة صبيحة الخامس عشر من أبريل، هي عرض لمرض مستفحل في جسد الدولة السودانية، وتمظهر لأزمة قديمة متجددة متجذرة في بنيتها المعلولة، ظلت تتكرر أعراضها في شكل حروبات مستمرة، وتجري عادة محاولات فاشلة لإعادة تعريفها وتوصيفها للرأي العام المحلي والدولي، بخلع قميصها على مشجب الخارج الإقليمي والدولي، في ملهاة تستحضر قاموس وحفلات الشتائم والتهديد، الذي دشنه نظام الانقاذ عندما اسفر عن وجهه الحقيقي بداية تسعينيات القرن الماضي، لم يترك لا السعودية ولا توعد أمريكا وروسيا مجتمعتين بالعذاب، للهروب من دفع استحقاقاتها بدفع الخطاب المضلل والمخاتل إلى الواجهة، في جحيم لغوي وبطلاء لفظي مأخوذاً من معجم مقلوب يحيل الدعاية إلى حقائق بديلة، والنور إلى ظلام والعكس، حيث تصبح الحرب غطاءً للكرامة الوطنية والسلام، والعبودية قناعاً للحرية، والجهل تاجاً للقوة، فما يحدث في السودان ليست مجرد دعاية وشعارات، بل تعاويز شيطانية تصوغها السلطة، لتدخل السودانيين في طقس أبدى من الخضوع، حين يُقنع المرء أن القتل يحفظ الحياة، وأن القيود تحميه، وأن عماءه بصيرة، عندها لاتعود البنادق ولا السجون ضرورية، إذ يكفي في العالم المضطرب معلوماتياً أن تستبدل معاني الكلمات، ليسلم الإنسان رأسه بيديه إلى الجلاد، والمآساة أن هذا ليس حديثا عن مستقبل لم يحن بعد، بل عن حاضر متكرر، وواقع يلبس كل يوم ثوباً جديداً، فحرب 15 أبريل ليست مجرد سردية مضللة فحسب، بل كتاب مظلم من دفاتر جماعة الحركة الإسلامية أحال بلاد النور إلى مكان مظلم، وأن الحقيقة ليست ما يحدث، بل ما يملى على بعض السودانيين أن يصدقوه، وأن أخطر سلاح ليس المدفع ولا البراميل المتفجرة والسلاح الكيميائي الذي لم يسلم الشعب السوداني منه، بل الكلمة حين تُختطف وتحشى بسم التناقض، لهذا حرمت الرواية والقصة على البسطاء، لأن من يقرأها يفهم أن الأزمة والصراع القديم المتجدد لا يدار بالقوة فحسب، بل بطمس المعنى، وأن الحرية ليست ضوءا في آخر النفق، بل قفصاً مزيناً بشعار مضحك مكتوب عليه العبودية هي الخلاص. هكذا أوجز “جورج أوريل”، حقيقة الخديعة، وعلى نقيضها يتوجب على المثقف السوداني إعادة كتابة المعنى وسرد الرواية للجميع بأدواته الناعمة التي يخوض بها معاركة التي لا تتوقف، ويحقق بها فتوحاته الحاسمة التي تنير الطريق بالوعي، لينهال بموجبها الجميع بمطرقة من الكلمات القاسية على شيطان الظلام، بعد أن يعريه المثقف بالكامل، ليشيع إلى مقابر الشياطين.

معركة المثقف

في الحقيقة، تنتظر المثقف والمبدع السوداني معركة طويلة وشاقة ومستمرة، معركة تجره جراً من من الصفوف الخلفية في أجواء ملبدة بغيوم التخوين، والابتزاز. أجواء صنعت خصيصاً للإرهاب المعنوي، الذي تُغتال به الشخصيات التي لا تسير مع القطيع، إذ لا يصل المثقف لمرحلة المستنير المتوهج الذي يخرج من قوقعته ليلعب دوره في عملية التنوير، إلا بعد صعوده درجاً سامياً يركل فيه كل الانتماءات الضيقة والهويات القاتلة، حتى يصل لسدرة منتهى الإنسانية، ولا تنهض الشعوب والمجتمعات إلا عندما تُشعل طليعة صفوتها شموعاً مادية ومعنوية تنير بها الطريق والعقول، لتسير في ركب الإنسانية، والحضارة، والتدافع الإيجابي. وتأتي راية المثقفين والمبدعين عالية وفي المقدمة، ومثلما وقع المثقفون والكتاب والأدباء والفنانون والمبدعون السودانيون وثيقة الدفاع عن الثقافة الشعبية عقب حادثة “رقصة العاجكو”، الشهيرة عام 1968، في جامعة الخرطوم، ضد الفكر الظلامي الذي أنشب أظفاره مبكراً في كل ما هو سوداني، وكل إرث ثقافي واجتماعي صميم، مستشعرين مسؤوليتهم الكبرى تجاه الإبداع وخلق الوجه الثقافي للسودان، ومسؤوليتهم تجاه حرية الفكر وحرية الوجدان والضمير، تطرق الاستفاهمات أبوابهم هذه المرة بعنف، في خضم الظلام الذي حل بالسودان والسودانيين مع سبق الإصرار والترصد، بفرية الكرامة الوطنية، وما إذا كانت “حوبتهم”، قد أطل أوانها، لتوقيع ميثاق للدفاع عن حق الحياة، والدفع نحو ثقافة التعايش السلمي بين السودانيين؟. ميثاقاً ينيرون به الطريق والعقول لمجتمع ممزق بفعل فاعل، كون المثقف والمبدع الحقيقي دائما ما ينحاز للحياة والحق والخير والجمال والحرية.

كان السودان قبل عقود الظلام الإخواني نابضاً بالخلق والإبداع رغم حالة الحرب التي كان يكتوي بها الجنوبيون وقتها. وكان شعراء سودانيون كثر من العيار الثقيل تتقطر أرواحهم شعراً للحرية والثورات. يُسرِج الشاعر السوداني محمد مفتاح الفيتوري خيول الشعر إلى المربد في العراق، كأنه فارس قادم من عالم الأرواح السماوي، ينشد شعراً ممهوراً بروح الصوفي المعذب، وما أكثرهم في السودان وما أكثر العباقرة من لدن التيجاني يوسف بشير، وإدريس جماع، وحتى عالم عباس، حتى يُخَييَّلُ للمرء أن النابغة الذبياني يقول له من غفوته الأبدية تلك: “هيه”.. كان سوداناً تجد فيه السياسي والدبلوماسي أديباً، لينقلب الأمر راساً على عقب. ومن أدب وقصائد رئيس الوزراء الأسبق المرحوم محمد أحمد المحجوب، لقلة أدب “صرفت ليها بركاوي، والحس كوعك”، التي يقابل بها سفاح الإنقاذ المعزول وقادة نظامه الضيوف والدبلوماسيين، ويفتخرون بذلك على رؤس الجماهير وأشهاد العالم، وتحول كل شيء بُعيد تسور الإخوان أسوار الدولة والسلطة إلى الدعوة لإراقة الدماء لكي يعود المجد بالدم والدموع لدين في مخيلتهم وتصوراتهم الأيديلوجية، إلى أن وصل الحال لـ “المجد للبنادق”، وما يعاف الرجل الكريم التفوه به كبرهان ودليل على أن الانحطاط قد بلغ مداه، واستوطن العنف والموت الكراهية… ما حدا بالمثقفين والمبدعين السودانيين بالهروب زرافات ووحدانا، إلى ملاذات ومهارب عدة منها الإمارات التي وجدوا فيها “يا مرحبا”، قولاً وفعلاً ومكاناً يقصده العرب والعجم كوجهة عالمية. بعد أن كان السودان يوماً ما قبلة للفنانيين والكتاب والشعراء العرب وغيرهم، وتتحول أمسياتهم لحالة جماهيرية صاخبة الصمت لتنهل أرواحهم من الجمال. يقول الشاعر السوري نزار قباني بعد أن زار السودان: “نصف مجدي محفور على منبر “لويس هول” و “الشابل” في الجامعة الأمريكية في بيروت، والنصف الآخر معلق على أشجار النخيل في بغداد، ومنقوش على مياه النيلين الأزرق والأبيض في الخرطوم، طبعاً هناك مدن عربية أخرى تحتفي بالشعر وتلوح له بالمناديل، ولكن بيروت وبغداد والخرطوم تتنفس الشعر وتلبسه وتتكحل به، إن قراءتي الشعرية في السودان كانت حفلة ألعاب نارية على أرض من الرماد الساخن. في “دار الثقافة” في أرض أم درمان، كان السودانيون يجلسون كالعصافير على غصون الشجر، وسطوح المنازل، ويضيئون الليل بجلابياتهم البيضاء، وعيونهم التي تختزن كل طفولة الدنيا وطيبتها، هذا الذي يحدث لي ولشعري في السودان شيء خرافي، شيء لم يحدث في الحلم ولا في الأساطير، شيء يشرفني ويسعدني ويبكيني، أنا أبكي دائماً حين يتحول الشعر إلى معبد والناس إلى مصلين، أبكي دائماً حين لا يجد الناس مكانا يجلسون فيه فيجلسون على أهداب عيوني، أبكي دائما حين تختلط حدودي بحدود الناس فلا أكاد أعرف من منا الشاعر ومن منا المستمع، أبكي دائماً حين يصبح الناس جزءاً من أوراقي، جزءاً من صوتي، جزءاً من ثيابي، أبكي لأن مدينة عربية، مدينة واحدة على الأقل لا تزال بخير، والسودان بألف خير، لأنه يفتح للشعر ذراعيه، كما تفتح شجرة التين الكبيرة ذراعيها لأفواج العصافير الربيعية المولد. السودان يلبس للشعر أجمل ما عنده من الثياب ويذهب للقاء الشعر كما يذهب العاشقون إلى موعد غرام. السودان بألف خير، لأنه ربط قدره بالشعر، بالكلمات الجميلة، الكلمات جنيات رائعات الفتنة، يخرجن مرة من عتمة الظنون، ومرة من عتمة الدفاتر، الكلمات طيور بحرية تخترق زرقة السماء دون تأشيرة، ودون جواز سفر، لم أكن أعرف – قبل أن أزور السودان – أي طاقة على السفر والرحيل تملك الكلمات، ولم أكن أتصور قدرتها الهائلة على الحركة والتوالد والإخصاب، لم أكن أتخيل أن كلمة تكتب بقلم الرصاص على ورقة منسية قادرة على تنوير مدينة بأكملها، على تطريزها بالأخضر والأحمر، وتغطية سمائها بالعصافير.” وإلى آخر ما خط نزار قباني في مقاله الشهير.

درس الحرب والكراهية

تجيء حرب الكرامة المهدرة التي لا تزال تُبعث ذميمة وتَضْرَ وتلقح كشافاً، ضمن سلسلة حروبات طويلة قدحت أسباب شرارتها ألأولى قبل استقلال السودان، وبعد أن كانت تزور السودان حمى الحرب من وقت إلى آخر، أصبحت زائرة ثابتة في العهد الظلامي مثل حمى الشاعر أبو الطيب المتنبي، بُذلت لها المطارف والحشايا وعافها الشعب السوداني، وظلت في عظام الدولة السودانية التي ضاقت صدور نخبتها رغم وسعها “بلد حدادي مدادي”، واوسعتها بأنواع السقام، وظلت بنت المنية تنتاب السودان هَدواً وتطرُقُه سفحرَه، وظل وردها كأن له ضَرماً في الحشى، وفي كل سوداني ومثقف ومبدع لها جمره، في استلاف مع تصرف من الشاعر عبد الصمد العبدي وهو يصف الحمى التي تفتك بجسده رغم ما عرف عنه بمعاقرته للخندريس. فالحرب متجذرة في الثقافة السودانية وفي أشعار وأدبيات السودانيين بشكل انعكس في الشخصية السودانية، بشكل لا تخطئه العين التي تسطيع أن ترى خلف حجب الطيبة والهدوء الذي يميزها كذلك، والتي سرعان ما تنفجر بطريقة شرسة ضمن ما يسميه البعض “السوداني قلبو حار وما برضى الحقارة”، في خضم تناقضات وثنائيات حادة كثيرة يعلمها الراسخون في معرفة الشخصية السودانية جيداً.

المثقف والمبدع حري به أن يعالج التمزق الوجودي الذي يعيشه الإنسان السوداني، الممزق بين هذه التناقضات والثنائيات، وما بين سمت روحاني وزهد صوفي لدى البعض وشراهة مادية عند بعض النخبة، مصحوبة بعمليات تضليل ممنهجة ومدمرة للوعي، تبرز حاجة ملحة للمثقف والمبدع لقيادة الإنسان السوداني إلى المعنى في عالم سريع التغيير تتجاذبة بوصلة مضطربة واضطراب معلوماتي، ويشهد تحولات كبرى وهو يدخل عصر الذكاء الاصطناعي وتسابق التسلح بنماذجة، مدفوعاً بالفلسفة الوجودية والنيوليبرالية، وغيرها من المحركات الستة التي تحدث عنها نائب الرئيس والمرشح الرئاسي الأمريكي الأسبق الحائز على جائزة نوبل بالمناصفة آل غور، التي تدفع عجلة التغيير العالمي، ومن ثم جر الإنسان السوداني من داخل كهوف الظلام والظلاميين، ومن حدود التشاؤم والقلق، لآفاق أرحب بحثاً عن تفجير طاقاته وإمكانياته الداخلية في مشروع وطني كبير، محمولاً على عقد اجتماعي يتواطأ حوله السودانيون، ويقدمون به نموذجهم الخاص غير المستتبع للعالم، ليصحو مارد السهل جنباً إلى جنب مع مارد الهضبة، حادياً وقائداً للحزام السوداني الكبير، فالخطر ليس في الحالة الظلامية التي يعيشها السودان حالياً، بل في الاستسلام لها، واختراق المثقف المستنير لهذه الحالة يتطلب انفتاحاً على تجارب أعمق للحرية والخلق والإبداع، يعيد بها الإنساني السوداني من غربته عن ذاته وعمقه الحضاري وطبيعة تكوينه الاجتماعي السبائكي. فالحل دائماً ليس في الهروب إلى الأمام واستنساخ تجارب الماضي أو الاستسلام والمرواحة في الدائرة المغلقة اللعينة، وإنما بدفع المثقف للجميع ليدفعوا استحقاقات شراء المستقبل وتجاوز الماضي وتوحل الحاضر، لإعادة بناء الذات على أسس أكثر وعياً ومسؤولية فردية وجماعية، عبر استقداح الطاقات الكامنة للإنسان السوداني، والبحث عن أصالة تتجاوز زيف الأنا المتضخمة الذي طبع الماضي بشكل لا تخطئه العين، وصولاً إلى بر الأمان ومرافي الإنسانية، والخروج إلى النور بكسر دائرة الظلام والشر، نحو إنسان معافى قادراً على استكناه خباياه الداخلية والحضارية، وقادراً على التصالح مع نفسه والعالم.

من تخوم العالم العربي والإسلامي اُثقل السودان بمشروع إخواني هلامي متجاوز لحدوده، فشل في بلد المنشأ مصر حيث لا يتسامح النظام المصري مع إخوانه، كلف السودان والسودانيين الكثير من حيث الكلفة الإنسانية والمادية، وهو لم ينفك من ربقة الاستتباع للدولة المصرية التي لا ترحم إخوانها، فقد هتف عراب المشروع حسن الترابي ذات يوم تتلبسه شخصية أمير المؤمنيين خريج مؤسسات التعليم الأكاديمي الغربي، بعد أن جثا بركبة التنظيم و”بوت” العسكر على رقبة الشعب السوداني قائلاً: “أسعد ما وجدت أنني في حياتي ما كنت أحلم منذ الصغر.. كنت أدعوا لدولة الإسلام وأراها بعيدة، ولكن وجدتها تقوم لا في العراق، العباسيين ولا الأمويين ولا محل الخلافة الراشدة، وجدتها هنا في السودان في الخرطوم في أرض النيلين”، لكن سرعان ما نقض غزله. وتخلص ابناءه من نصف السودان بعد أن تخلصوا منه هو كذلك، بمظنة أن جنوب السودان يمثل عبء وعقبة أمام تطبيق المشروع الإخواني الذي يزعمون أنه لربط قيم السماء بالأرض وتنزيلها في السودان، لكن لم تنزل غير قيم الشيطان.

جسور الثقة

في الإمارات يبدأ وينتهي كل شيء بالثقة، بدءاً من الثقة في الله، وثقة الشعب في قيادته، وثقة القيادة في شعبها، والثقة في نجاعة الرؤى والخطط وبلوغ الغايات، والثقة في ضيوف البلد، وثقة الضيوف في أهل البلد والشرطة والقانون، وفي النظام المصرفي، وإلى آخر ما يجعل الإنسان مطمئناً على حياته، ولفهم كيف أصبحت جميع الأشياء في الإمارات لما هي عليه اليوم، فإنها تقودك إلى الجذور والأسس التي قامت عليها الدولة باوتادها السبعة، والمستكنه ببصر وبصيرة يجد أن الامارات دولة لا تزال تعمل بعقل الشيخ زايد والأباء المؤسسين وإن رحلوا باجسادهم، مع مخاطبة الواقع والمتغيرات الدولية والإقليمية بمعطياتها، والاستجابة لها بمرونة وواقعية وحكمة، وينعكس ذلك في كافة مناحي الحياة فيها، لذلك يجد المقيمون في الأمارات من مختلف جنسيات العالم والسودانيون عموماً، والمثقفون والمبدعون منهم على وجه الخصوص أنفسهم مشدودون برباط وثيق من الثقة المتبادلة بينهم وبين الإماراتيين، يعيشون معززين مكرمين، لن يحملوا معهم حين ينوُون الرحيل والعودة إلى السودان، غير ما ينطبع في ذاكرتهم وأروحهم من محبة وود وإحترام. لكن أهم ما يحمله السودانيون جميعاً، بمختلف خلفياتهم ومشاربهم السياسية والفكرية والاجتماعية من الإماراتيين للسودان، الذي يحتاج وبلا مكابرة لإعادة إعمار القيم وبناء جسور الثقة فيما بين السودانيين، قبل إعادة إعمار البنيان والجسور التي دمرتها حرب الكرامة المهدرة، ويسيل لها لعاب الجار الجنب، بعد أن ينجلي كابوسها ويستيقظ الجميع من الجاثوم. هو أن التنوع الثقافي والعرقي والديني الذي يشكل سبيكة المجتمع السوداني، وتحاول الأيديولوجيات البغضية اختزاله في تصوراتها المنغلقة، تفتح له الإمارات أرضها ليكون مصدراً من مصادر قوتها، وسيحملون معهم من الإمارات أيضا وبلا شك، “أن الاتحاد قوة”.

كونوا جميعاً يا بنيّ إذا اعترى ** خطب ولا تتفرقوا آحاداً
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً** وإذا افترقن تكسرت أفراداً
المهلب بن أبي صفرة

تعليق واحد

  1. حقيقة الإمارات أتاحت للسودانيين جو للإبداع ومساحة للتحرك في بيئة صالحة للعودة لإنتاج المخزون الثقافيّ والموروثات التي ارثوها من اسلافهم وهذا التقرير حقيقة ينصف الإخوة في الامارات ويعبر عن أن هذا الموقف محفوظ ومقدر نحي صاحب التقرير علي هذا الحهد الجبار في جمع الإفادة هذة من أصاحبها ونقل هذا الجهد الكبير للقارئ ونشيد بإي مثقف يجد فرصة ويعكسها عن سوداننا الجريح الذي نعد ام يقوم بساقية إن شاء الله
    شكرا أيها الصحفي النبيل /المختار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..