
عندما تغيب رسالة الابداع فهي لا تغيب لعطبٍ فيها، وانما تغيبُ لعطبٍ يُصيب المتلقي، وليس الرسالة أو المبدع!
ڤيڤيان ليست فتاة جنوبية، ڤيڤيان هي روح الوطن المنسابة في جسده، من جنوبه إلى شماله..
فيفيان يا أحبابي جنوبيه،
ضوَّت لينا الخرطوم،
حليلك نوبة وصوفيه،
جنب الوادي المجروم،
المبدع هو ضمير الأمة هو حادي ركبها .. هو زرقاء يمامتها، يرى ما لا يراه الآخرون، المبدع يوصل رسالة تتخطى قدراته التعبيرية، لذلك تجد نور الجيلاني يصرخ ويخرج عن شعورة، لأن الرسالة لا يحتويها قالب، ولا حتى تصور المبدع نفسه ..!
يصبح المبدع مجرد “مؤذن في مالطا”، عندما يغيب وعي المتلقي، وعندما يصبح مفهوم الابداع مجرد وسيلة مباشرة لإيصال رسائل السلطة أو السلطة المعارضة، كما حدث في السودان حينما تحول الابداع إلى رسائل سياسية مباشرة وقميئة! فأصبح المبدع قائد سياسي يتكلم بلسان الصامتين والمعذبين في الأرض!
المبدع هو فاتح لأراضٍ جديدة، لا يتكلم بلسان المقهورين وانما يتكلم بلسان الوعي الكوني، بلسان ما ينبغي أن يكون، فالمقهور ينشد سلوى تُخرجه من لحظة ألم، والمبدع ينشد فردوس الله الذي يُخرجه من عالم إلى عالم آخر، المبدع لا يكون حبيس لحظة، فاللحظةُ عابرة والمبدع خالق لعالم آخر بإذن ربه، وتبارك الله أحسن الخالقين …
غنى النور الجيلاني لجوبا وغنى ڤيڤيان واطرب وأدهش وأبكى وأضحك .. بينما راح الجمهور يتغزل في قوام ڤيڤيان الجنوبية، في مفاتنها وحُسن قسماتها، وبياض أسنانها، إنها عقلية التجسيم التي عجزت عن تصور الله المجرد، فجعلت له يداً ورجلاً وعيناً وساق، تماماً كما البشر! عقلية تقاصرت عن فهم المجرد، ورسالة الخالق المبثوثة في المادي!
لا بد من تعليم الناس فنون التلقي، لأن الابداع رهين بعقلية المتلقي، فكلما سمت وعلت عقلية المتلقي الناقد الحاذق، كلما رقَّ وصفى عطاء المبدع، الذي يدخل في منافسة غير معلنة مع المتلقي الواعي!
ولكن ماذا نحن قائلون في أمة، تُحرِّم الإبداع، وتبدأ خطبها في كل منابرها، بأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار!
تخلقوا بأخلاق الله، وفي رواية اتصفوا بصفات الله، رواية ثابتة، ومن صفات الله الإبداع والخلق، وبدونهما يفقد الإنسان خاصية الخلافة التي وهبها له الله تعالى حينما قال للملائكة “إِنِّی جَاعِلࣱ فِی ٱلۡأَرۡضِ خَلِیفَةࣰۖ” فقالوا “أَتَجۡعَلُ فِیهَا مَن یُفۡسِدُ فِیهَا وَیَسۡفِكُ ٱلدِّمَاۤءَ” فكان الردٌُ حاسماً “إِنِّیۤ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ”!
بالخلق والإبداع فقط تتحقق الإنسانية التي تعرف خالقها صاحب الكمال المطلق، والتي بها تتمايز عن الحيوانية التي لا تعرف غير التجسيم والشرك!


