مقالات وآراء

السودان: صراع مليشيات أم انهيار سرديات

“*من يسيطر على القوة، يكتب التاريخ؛ ومن يسيطر على التاريخ، يبرر القوة.*” – جورج أورويل
منذ اندلاع الحرب في السودان، تُقدَّم القصة المفزعة في الصحافة العربية بسطحية مريعة: “جيش وطني” يواجه “ميليشيا مارقة”. *هذه الرواية المبتذلة ليست فقط كذبة، بل خيانة للحقيقة*، إذ تمنح الجنرالات في الخرطوم هالة الشرعية، وتُجمِّل وجوههم الكالحة كأنهم حُماة النظام، فيما تُلقى تهمة العنف كاملة على كاهل قوات الدعم السريع. هكذا يُطمس تاريخ طويل من الفظائع الممهورة بخِتم الدولة، وتُدفن أصوات الملايين من المهمّشين تحت أنقاض ثنائية مضللة.
لكن *محنة السودان* لا تُحكى بهذه البساطة. فمنذ 1956، يوم أن رفع العلم على سارية الاستقلال، كان سيف الجيش مُسلَّطًا على رقاب السكان الأصليين: في الجنوب، في دارفور، في جبال النوبة، وفي النيل الأزرق. لم تكن هذه حملات عابرة، بل مشروعًا متكاملًا تسنده سياسة الأرض المحروقة، قصف القرى بالبراميل المتفجرة، اصطناع المجاعات، دفع الملايين إلى المنافي. أن يُسمى هذا الجيش “وطنيًا” هو تلميع لمؤسسة قامت على التراتبية العرقية وتغذت من العنف البنيوي.
صحيح أن قوات الدعم السريع تورّطت في أعمال عنف خطيرة، وارتكبت أفعالًا لا يمكن تجاهلها أو تبريرها. ومع ذلك، *يجب النظر إلي هذه الانتهاكات في سياق أوسع*: هذه القوات نشأت وتطورت ضمن هيكل الدولة نفسها، وقد كانت جزءًا من منظومة السلطة التي وزعت القوة والعنف بين أذرعها المختلفة. ممّا يبرهن على أن جرائم القوات النظامية (الجيش، الشرطة، الأمن، إلى آخره) هي جرائم منهجية، تم التخطيط لها واعتمادها من قبل القيادات التي تقتل بقرار سياسي، تُبيد بشعار وطني، وتبني عرشها فوق المقابر الجماعية.
*ثم أين يختفي الإرث الإسلاموي من الحكاية؟* في التسعينيات، كانت الخرطوم وكرًا عالميًا للإرهاب. هنا عاش كارلوس، وهنا تواطأت الاستخبارات على تفجير سفارتي أمريكا في كينيا وتنزانيا، ومن هنا خرجت مؤامرة اغتيال حسني مبارك. اليوم تُطوى هذه الصفحات، وكأنها لم تكن، ليعود الإسلاميون أنفسهم، ببدلات أنيقة وألسنة معسولة، يروّجون أنفسهم في بورتسودان كـ”وطنيين” حريصين على الدولة. أي دولة؟ دولة الخراب التي صنعوها بأيديهم؟
هؤلاء الجنرالات الذين يطلّون علينا اليوم كـ”حماة الوطن” هم أنفسهم صناع المجازر في كجبار والعيلفون وبورتسودان، هم مهندسو الإبادة الجماعية في دارفور، هم من نفذوا جريمة فض اعتصام الخرطوم في يونيو 2019، والتي قتلوا فيها أكثر من 1700 شاب وشابة خرجوا يهتفون للحرية. وبعد انقلاب 2021، ذبحوا أكثر من 120 آخرين. كيف يتصف بالوطنية من تجرأ على *استخدام السلاح الكيماوي ضد المواطنين في المشافي والأسواق* ومن تلطخت أياديه بالدماء وشرعن القتل على الهوية؟ إنهم ليسوا سوى أمراء حرب في بزّات رسمية.
ولْنتذكّر أن *الجيش لم يكن يومًا محتكرًا للعنف، بل موزِّعًا له*. هو من أنشأ قوات الدعم السريع، وهو من وفّر لها الغطاء والموارد لتقوم بالمهام التي أراد التنصل منها. ومع مرور الوقت، استقلت هذه القوة بذاتها وتحوّلت إلى لاعب رئيسي في المشهد، حتى باتت اليوم تنازع الجيش سلطته وتكشف عجزه عن احتكار القوة. والآن يتخفّى الجنرالات خلف شعارات الوطنية، وكأنهم لم يكونوا مهندسي هذه المعادلة منذ بدايتها.
يسأل البعض: *من أطلق الرصاصة الأولى؟ سؤالٌ حائر*. الحرب لم تكن حادثًا طارئًا، بل قدرًا مكتوبًا منذ أن تمسّك البرهان بمشروع دولة مركزية غاشمة، فيما حاول حميدتي، ولو بحسابات مرحلية وشجون شخصية، أن يساير منطق الشباب الثائرين المطالبين بالحرية والعدالة والمساواة. كان الاصطدام محتومًا، لا سيما أن الاثنين جسّدا طموحات لخطين متوازيين ورؤيتين متناقضتين.
لقد أخطأ الإسلاميون الحساب. ظنّوا أن الحرب ستُحسم في ست ساعات، وأن الخرطوم حصن لا يُقهر. لثلاث عقود أو زهاها كانوا يشعلون النار في الأطراف ويوهمون أنفسهم بسلامة العاصمة من الخطر. لكن حين داست أقدام الدعم السريع شوارع الخرطوم، *انهارت الأسطورة، وتكشّفت حقيقة أن “الامتياز” مجرد وهم*. غير أن ثمن هذا الوهم لم يدفعه الجنرالات، بل الشعب المطحون: عائلات تُشرّد، أطفال يتضورون جوعًا، وأجساد تُذبح أمام عيون العالم.
أما الإعلام العربي أو ذاك الغربي، فليس بريئًا. إذ ظلّ يتغذى على ثنائية مخادعة، كأنما تكفيه صورة الجنرال الأنيق جالسًا على الطاولة وقائد المليشيا تائهًا في الصحراء. وبذلك، لم يفشل فقط في فهم الحرب، بل ساهم في إدامة البنية التي أنجبتها. ما لم يتمّ الإعتراف بجرائم الجيش التاريخية والإقرار بإرث الإسلاميين الشنيع البغيض، فلن يخرج السودان من هذا الجحيم.
إن نضالات الهامش لم تكن عبثًا ولا “تمردًا” كما يسمونها، بل كانت وما زالت صرخة مفتوحة منذ عقود، صرخة من أجل أبسط مقومات الكرامة الإنسانية.

‫13 تعليقات

  1. بروكسل ؛ محاولة يائسة لاغتيال الوعي.
    عنوان مقال سابق للدكتور الوليد مادبو، ذكر فيه :
    اقتباس:

    ( دارفور ستتحرر، والفاشر ستنهض من جديد، لا بوصفها مجرد مدينة، بل رمزًا للاستقلال والكرامة. *لن يُرَفَّع صاحب امتياز إثني بعد اليوم لقيادة حامية عسكرية أو رئاسة لجنة أمنية في غرب السودان*، )…نهاية الاقتباس.
    …
    … اعلنها دكتور الوليد مادبو داوية ،ان دارفور ستتحرر وتعيد سيرتها الاولي دوله مستقله قبل ان يضمها المستعمر لبلاد النيلين في ذلك اليوم البغيض ،
    وفوق ذلك افادنا دكتورالوليد انه لن يتولي ( أي اثني) صاحب امتياز ،يعني جلابي ،قيادة حامية عسكريه او رئاسة لجنة أمنية في دولة غرب السودان ، !!..

    ما لم يذكر دكتور مادبو انه لن ( يسمح) بضم الياء) لأي جلابي ممارسة العمل التجاري او الاقامة ، في دولة الغرب ،لانه يدرك ان دولة الغرب خاليه تماما من الجلابه،..

    .. نرحب بخطاب الدكتور مادبو ،وحتي تكتمل الفكرة او الصورة، يجب افراغ بلاد النيلين من الدارفوريين، وابناء عمومتهم من غرب إفريقيا، حتي ننعم بالامن والامان..

    اتمني ان يواصل دكتور مادبو علي هذا النهج حتي تصبح الفكرة واقعا، باعلان قيام دولة الغرب المستقلة. يبدو ان اسمها سيكون جمهورية غرب السودان وربما سلطنة دارفور.

    .. واخر دعوانا للدارفوريين (اذهبوا انتم الطلقاء).

    … التقسيم سمح..

    1. قال خنجر الخذلان ( اعلنها دكتور الوليد مادبو داوية ،ان دارفور ستتحرر وتعيد سيرتها الاولي دوله مستقله قبل ان يضمها المستعمر لبلاد النيلين في ذلك اليوم البغيض ، )
      الرد على خنجر الخذلان و الخزي : أولا : حسب النص الذي اقتبسته أنت لم يذكر الوليد مادبو اي كلمة تدل على رغبة في فصل دارفور
      ثانيا و هو الأهم : المستعمر لم يضم دارفور الى بلاد النيلين و الصحيح هو أن المستعمر ضم بلاد النهر الى شرق السودان و الى سلطنة سنار و سلطنات دارفور و كردفان

      1. وهل يعني ذلك ان شرق السودان ودارفور كانوا دولة واحدة حتي يتم ضم بلاد النيلين لهم؟؟.
        التاريخ معروف يا هذا ، نحن نتحدث عن تاريخ موثوق به ومعترف به في كل العالم، وليس التاريخ الذي خطه حكامات العطاوة، وابواقهم في وسائل التواصل.
        الانفصال قادم ،اركزوا وابقو رجال لتحكموا بلدكم دارفور.

        واخر دعوانا للدارفوريين: اذهبوا فانتم الطلقاء…

        التقسيم سمح

  2. الموضوع بسيط، قبل أن يسبق (السيف العذل) وهو اللوم أو العتاب، ما دام التقسيم سمح، افصل محل أنت قاعد وكون دولتك، بدل تكون منتظر دارفور تنفصل بنفسها، عامل زي العشمان في مرتو تطلقه وهو ناسي العصمة بيده.

    انفصل وابني دولتك أنت ما دام مسيطر على مناطقك، وخلي عشمك في أن تكون دولة لحالك قائمة على عشم انفصال دارفور وليس استغناؤك عنها!

    1. السيد الصديق ،بعد حرب طي الخرطوم، والفظائع التي ارتكبها جنجويد حزام البقارة ضد المدنيين العزل، أينما حلو ،في العاصمة ، الجزيرة، النيل الابيض، سنار، النيل الأزرق ، نهر النيل، القضارف،الكل اكتوي منهم، تستشيط نفوسهم غضبا، وتمتلئ صدروهم بالرغبه العارمة للتشفي والاخذ بثأرهم من هولاء اللصوص ،القتلة.

      … الانفصال المجتمعي قد حدث ، الكل يرفض وجود الدارفوريين بين ظهرانيهم ،لان الثقة فيهم انعدمت تماما.

      .. لا أدري لماذا يرفض الدارفوريون قيام دولتهم المستقلة ؟ ،لماذا الاصرار علي البقاء في دولة واحدة مع من يضطهدهم، ويهمشهم . ؟؟.

      .. ويبقي تقسيم السودان هو الخيار الذي لا بديل له.

      .. التقسيم سمح….

  3. حلوة حكاية السكان الاصليين دي يا مادبو !! من تقصد بالسكان الاصليين للسودان من شعوب كردفان ودارفور؟ هل تقصد حزام البقارة وال جنيد الحضروا لارض دارفور وكردفان ما ليهم سوى ٢٥٠ سنة !!! ده كلام عجيب وغريب انت عايز تتدسا خلف سكان جبال النوبة يعني كساكن قديم في السودان ومن الشعوب الاصلية ؟ وحتى سكان جبال النوبة هؤلاء ليسوا جميعا سكان اصليبن لهم مجموعة قديمة نزحت من مملكة علوة وهؤلاء هم مجموعة الاجانق هؤلاء من سكان السودان القديم اما البقية غكلها هجرات من شرق افريقيا اما انتم كحزام بقارة وزريقات جميعكم حضرتم نازحين للسودان وكثير من قبائل الوسط اقدم منكم في ارض السودان كان للسلامات العاملين هيلمانة وغاغة ديل حضروا في السبعينات والثمانينات من هذا القرن والمتواجد منهم بدارفور لا يملا قرية ولا حكاورة ولا ارض ولا نظارة لهم بدارفور ولولا الحاج آدم يوسف لما كانت لهم نظارة في دارفور اصلا الرشايدية اقدم منهم في السودان فبلاش فبركة تاريخية معاك السودان معروف من قديم واصيل ومن حضر نازح ليدعي التهميش والمظلومية ويدير الحروب العبثية ياخ حتة حميدتي وكل ال دقلو لا علاقة لهم بالسودان خير شر

  4. السادة المعلقين يتكلمون وكان دارفور هي سبب المشكلة وانها لابد ان تنفصل لكي يرتاح الجميع بما فيهم اهل دارفور ،، هل هذا الكلام عقلاني????
    معظم المنادين والملمحين لذلك تجدهم من الاسلاميين ومؤيديهم ،، هل يعلم الجميع بان نفس السيناريو تكرر في حرب الجنوب ومحارقه ونفس الكلام بحذافيره ، لو ما جينا العبيد كانو دخلو الخرطوم ،، الجنوبيين نهبو البلد وكلهم حرامية ، نفصلهم ونرتاح ،، بقينا ما نقدر نركب المواصلات من ريحة العبيد ،،، الجنوبيين نطو بيوتنا ،، وووووووووووووو
    نفس القطيع ونفس باع باع باع باع نفس العساكر ونفس الكيزان وسيتكرر الفلم مع النيل الازرق والبحر الاحمر والشمالية ولن يسكت الكيزان ولو حكمو جمهورية توتي الاسلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..