مقالات وآراء

أزمة في بورتسودان- تفكك الشرعية ورهانات المستقبل

تتجلى الأزمة السياسية في بورتسودان كنموذج صارخ لتداعيات الخلل في التفكير الواقعي وانعدام الرؤية في منظومة الحكم السودانية، حيث تتصادم متطلبات الشرعية الداخلية مع ضغوط التحالفات الإقليمية والدولية.
هذه الأزمة ليست مجرد نزاع سياسي عابر، بل انعكاس لتراكمات تاريخية وصراعات هيكلية تهدد تماسك الدولة.
ففيما يقدم البيان المصري تفاصيل دقيقة حول “الآلية الرباعية” وملف مياه النيل، يظل الخطاب السوداني الرسمي غارقًا في العموميات، مفتقرًا إلى الشفافية، مما يكشف عن انقسامات حادة داخل أروقة السلطة في بورتسودان.
انقسام داخلي وهشاشة الشرعية يعاني المشهد السياسي في بورتسودان من انقسام بنيوي يتجسد في صراع تيارين متعارضين تيار التسوية الذي يرى في الانفتاح على الضغوط الدولية مخرجًا للأزمة، وتيار التصلب العسكري الذي يتمسك بالخيار العسكري ويرفض أي تنازل سياسي.هذا الصراع ليس مجرد اختلاف في الرؤى، بل نتاج إرث طويل من تداخل المؤسسة العسكرية مع بقايا النظام الإسلامي وشبكات الاقتصاد الحربي.
التعتيم الإعلامي على تفاصيل الموقف الرسمي يكشف عن هشاشة هذه البنية، حيث تتآكل الشرعية السياسية تحت وطأة غياب الشفافية وتراجع الثقة الشعبية.
دبلوماسية القوة والضغوط الدوليةعلى الصعيد الخارجي، يواجه السودان تحولًا نحو ما يُعرف بـ”سلام القوة”، حيث لم تعد الوساطات الدولية تقتصر على الحوار، بل تعتمد بشكل متزايد على أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي.
هذا التحول يذكّر بتجارب دولية سابقة، مثل أمريكا اللاتينية في الثمانينيات، حين أجبرت العقوبات الأنظمة العسكرية على إصلاحات سياسية، أو جنوب إفريقيا في مواجهة نظام الأبارتايد، حيث كانت الضغوط الدولية رافعة لإعادة الهيكلة السياسية.
في السياق السوداني، تتزايد الضغوط الأمريكية والعزلة الدولية، مما يدفع الفريق عبد الفتاح البرهان نحو خيار التسوية بالاكراه لتجنب انهيار كامل لتحالفه الداخلي.مأزق البرهان: بين المطرقة والسندان يجد البرهان نفسه محاصرًا في مأزق بنيوي معقد. داخليًا، يعتمد على تحالف هش يجمع المؤسسة العسكرية، التيار الإسلامي، وشبكات الاقتصاد الحربي.
خارجيًا، تواجهه عزلة دولية متصاعدة وضغوط مكثفة من الآلية الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، الإمارات).هذا المأزق يعيد إلى الأذهان تجارب الأنظمة الانتقالية في أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، حيث اضطرت النظم العسكرية إلى الانفتاح تحت ضغط مزدوج داخلي وخارجي.
القاهرة: الوسيط الإقليمي المحوري تتبوأ القاهرة مكانة محورية في معادلة الحل، ليس كوسيط عابر، بل كطرف أساسي بفضل موقعها الجيوسياسي وارتباطها الحيوي بملف مياه النيل.
دور مصر يشبه دور كينيا في اتفاق نيفاشا أو جنوب إفريقيا في وساطاتها الإقليمية، حيث يمكن للوسيط الإقليمي أن يقدم حلولًا عملية تحافظ على توازن مصالح الأطراف المتعددة.
هذا الدور يعزز من قدرة القاهرة على ضمان استقرار المعادلة الداخلية والخارجية للسودان.سيناريوهات المستقبل: بين التكيف والانهياريمكن استشراف مستقبل تحالف بورتسودان عبر ثلاثة سيناريوهات:التكيف اللعقل الذي يدر المشهد (40%) قبول خارطة الطريق الدولية، فتح مفاوضات جادة مع القوى المدنية، وتراجع تدريجي لنفوذ التيار الإسلامي.
الجمود والمماطلة (35%) قبول شكلي بالتسوية مع تعطيلها ميدانيًا، محاولة كسب الوقت لتحسين المواقع العسكرية، مع استمرار أزمة الشرعية.
التصعيد والانهيار (25%) رهانات عسكرية متهورة على حسم سريع، مواجهة مع المجتمع الدولي، وتآكل المؤسسات مما قد يؤدي إلى تفكك الدولة.
دروس من التاريخ تؤكد التجارب الدولية أن نجاح التسوية السياسية يعتمد على إعادة هيكلة البنية الداخلية للسلطة والمجتمع.
ففي كولومبيا، نجح دمج الفصائل المسلحة عبر عدالة انتقالية واضحة.
بينما أظهرت تجربة جنوب السودان فشل التسويات الخارجية دون قاعدة داخلية متماسكة. وفي تونس، كان التوافق بين النخبة المدنية والعسكرية شرطًا لتثبيت التحول الديمقراطي.
أما إثيوبيا، فتُظهر أن تجاهل التنوع العرقي والثقافي يولد صراعات جديدة حتى بعد التسوية إعادة تشكيل الدولة أو الانهيارالأزمة في بورتسودان ليست مجرد صراع سياسي، بل تحدٍ وجودي لمستقبل السودان. فالمعركة الحقيقية لا تقتصر على وقف إطلاق النار، بل تتمحور حول إعادة تشكيل الدولة هل ستبقى دولة عسكرية مركزية تخنق تنوعها؟
أم ستتحول إلى دولة مدنية تعددية تحترم تراثها وتصالح تناقضاتها؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد مصير السودان لعقود قادمة.إن المستقبل ليس امتدادًا تلقائيًا للحاضر، بل نتيجة خيارات التكوين وسياسية تُتخذ اليوم.
في ظل هذا الواقع المعقد، يظل السؤال هل ستتمكن القوى السياسية في بورتسودان من تجاوز انقساماتها واستعادة الشرعية، أم أن شبح الانهيار سيظل يخيم على الأفق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..