
الممنوع هو كل ما يتم منعه بواسطة سلطة إكراه من خارج ذاتك، سواء كانت قوانين لدولة، أو لوائح تنظيمية لمؤسسة، أو أعراف اجتماعية لجماعة، وفي الغالب يترتب على اقتراف الممنوع عقوبةٍ ما، قد تكون حسية أو مادية أو معنوية، ربما في شكل وصمة إجتماعية! وبالتالي عقوبة الممنوع منوطة بعلانية الفعل الممنوع، وإلا فالفرد في منأى عن العقوبة.
بينما “الحرام” فهو سلطة داخلية، تنبع من التزام الفرد الداخلي وإيمانه بمنظومة قواعد سلوكية تضبط علاقاته مع نفسه ومع العالم من حوله، والحرام لغةً هو السياج الذي يطوق الشيء، فمنه حرم الجامعة وحرم المسجد والحريم إلخ، ولا يترتب على فعله عقوبة من خارج ذات الفرد، اللهم إلا إذا ترتب عنها ضرر على الآخرين، لأن الرقيب هو “أنت”، هو ربُّك المستوي على قلبك! وبالتالي الرقابة تكون ذاتية، ولا مجال هنا للتحايل!
سهولة توظيف عاطفة الدين لأغراض السياسة، خلق ما يُعرف “بالإسلام السياسي”، وهو عملية توظيف “سُلطة الحرام” بما فيها من نزوع للطاعة وإلزام ذاتي ليُصبح بموجبها “الحرام” نُصوصاً “قانونية”، ليقع السُّذَّج والعوام تحت سلطة إكراه “مزدوجة”، من خارج الذات بواسطة أجهزة أمن السلطة ومن داخل الذات، وتوسعت دائرة الحرام لتشمل كل ما من شأنه المحافظة على سُلطة الحاكم بأمر الله.
فكان من الطبيعي أن يلجأ الناسُ، بما فيهم سُلطة الحكم نفسها، إلى التحايل على الحرام بالفتاوى، فظهر فقه “التحايل” وفقه “التحلل” وفقه “الضرورة”، وأخيراً ثورة “متدبري القرءان”.
الإنسان الباحث عن الكمال، يتجنب الممنوع والحرام اختياراً، لأن الخضوع للقانون هو خضوع لإرادة مجموع أفراد الجماعة التي آثرت العيش معاً، والحرام هو ما يعتقد الفردُ يقيناً أنه فعلٌ فيه ضررٌ، ووجب عليه تركه بكامل إرادته، وليس خوفاً من عاقبة أو عقوبة.
وبالتالي يكون دين الدولة هو عقدها الاجتماعي، الذي يدخل فيه المواطنين اختياراً، لجعل الحياة ممكنة، من خلال تنظيم علاقات الأفراد مع بعضهم من ناحية، وعلاقة المواطنين مع السلطة التي تقوم على الحفاظ على بنود هذا التعاقد.



