قصة قصيرةصرخة بليجة

في أطراف الخرطوم، حيث تنتهي المدينة وتبدأ الحكايات المنسيّة، يمتدّ حيٌّ من بيوتٍ طينيةٍ متواضعة، أسقفها من جذوع أشجارٍ بكتها الفؤوس حين قُطعت، لتحمل في ضلوعها صمت الغابات وأوجاع الجفاف وحكايات من باعوا ظلَّها ليشتروا لقمةً من هواءٍ ضاقت به الأنفاس.
على أطراف البيوت، يتدلّى جريد النخل، لم يبخل بثماره على المارّة والمتسكعين وأطفال المدارس، وحتى أفراد الأمن الذين يمرون بين الحين والآخر بحثًا عن “هاربين” لم يهربوا سوى من الجوع.
الشوارع ملتويةٌ كأمعاءٍ جائعة. تبحث عن مجرى من ماءٍ أو حليبٍ يسكّن بكاء الصغار، الملتصقين بصدورٍ خاوية إلا من حنينٍ موجع. الكلاب تلهث قرب مكبّات النفايات، تنبش البقايا بأنيابٍ أكلها اليأس، وتلتحف ظلال أشجارٍ عطشى انحنت من فرط المناجاة.
في قلب هذا العراء المجبول بالطين والحلم، تسكن أسرةٌ صغيرةٌ كقصيدةٍ لم تكتمل.الأب، آدم، عامل بناء، يخرج كل صباحٍ يحمل مطرقته، وفي قلبه أمنيّة العودة بما يملأ وجوه أحبّته بالفرح.
الأمّ، كلتوم، امرأةٌ تشبه الأرض، صبورةٌ كترابٍ لا يكلّ من الولادة، تعمل إلى جانب ابنتها مريم في البيوت والمصانع القريبة، تمدّ يد العون لكل من يحتاج، بالرغم من حوجتها الملحة وانتظار فراغ بيتها الذي يشكو الجوع والعوز لها ولأبنائها، فتمنح من وقتها وجهدها وحنانها لمن حولها، كأنها شمسٌ صغيرة وسط قسوة الحي، تزرع الأمل في كل قلبٍ يعرفها.
أبناؤهما الأربعة: زكريا الشاب، مارو الصغير، الابنة الكبرى مريم، والصغرى بليجة — أسماءٌ كأنها خارطة الوطن المنسيّ.
مريم، التي كانت على عتبة الهندسة، توقّفت عن حلمها الجامعي لتبقى إلى جوار أمّها وأبيها، تساعدهما في رعاية إخوتها والعمل بين البيوت والمصانع، كأنها تمنح الحياة شيئًا من كرامتها المفقودة.
أما بليجة، الطالبة في كلية الطب، فكانت قلب الحي النابض. في كل يوم، كانت تجوب بيوت المرضى والمحتاجين، تساعدهم وتضمّد جراحهم، تحمل في حقيبتها أدويةً بسيطةً وأملًا كبيرًا، وتعلمت منذ صغرها أن تكون شمسًا صغيرة وسط الرماد.
في صباحٍ أثقلته نذر الشرّ، خرج آدم إلى عمله، وتهيأ الأبناء للمدارس، حين دوّى الرصاص في البعيد. ارتجّ الحيّ كقلبٍ خائف، وتعالت سحب الدخان من ناحية وسط المدينة. هرعوا إلى الخارج، فوجدوا والدهم عائدًا على دراجته المتهالكة، والغبار يلتف حوله كعباءةٍ من خوفٍ ونجاة.
صرخ مارو:
“لقد عاد أبي!”
اهتزّ البيت بالفرح.
عانقت مريم أخاها الصغير، وضمّت الأم بليجة الصغيرة إلى صدرها، وقفز زكريا في الهواء طربًا. لحظاتٌ من نورٍ خجولٍ في سماءٍ تعصف بها أصوات البنادق. دخلوا منزلهم، يحتمون ببعضهم من الريح الداهمة.لكن الصباح التالي جاء ثقيلاً كاللعنة.داهم الحيّ رتلٌ من العربات العسكرية، كأنها وحوشٌ خرجت من ليلٍ مسعور. صرخت النساء، وارتجف الأطفال، فيما الجنود يقفزون داخل البيوت، يفتشون ويهدمون ويضربون ويسرقون فتات محتوياتها.اقتحموا بيت آدم، وسقط تحت مؤخرة بندقيةٍ قبل أن يفهم ما الذي يحدث. حاول زكريا الدفاع عن أبيه، فاخترقه الرصاص أمام عينيه، وسقط مضرجًا بالدم.
وفي تلك اللحظة، لم تصرخ كلتوم… بل انفجر صوتها من عمقٍ لم يُمسّ من قبل، كأن رحم الأرض قد أنجب نحيبها. كان صراخًا يشبه نداء الأمهات في يومٍ عاصف، يزلزل الطين والجدران والسماء معًا.
اندفع أحدهم نحوها، جرّها من شعرها، وطرحها أرضًا، واعتدى عليها أمام زوجها وأبنائها.صرخت مريم صرخة استغاثة مدوية، وانقضّت على الجندي بحجرٍ أصاب صدغه. تأرجح الرجل لحظة، ارتجّ فيه الغضب كما ترتجّ النار حين يُسكب عليها الزيت، فرفع بندقيته وأطلق الرصاص في صدرها.سقطت كزهرةٍ أُطفئت في مهدها.
امتلأ البيت بالدماء.
الأب يزحف نحو زوجته ولا يقوى، والرصاص يلاحقه حتى أسلم الجسد للنزيف الأبدي.
مارو الصغير رُكل فسقط على حجرٍ أفقده الوعي، وبليجة سُحبت إلى غرفةٍ مجاورةٍ تصرخ فيها جدران الطين ولا يجيبها أحد.فعلوا بها فعلتهم، طعنًا واغتصابًا وتوحّشًا، ثم تركوها ممزقة الجسد والروح.
وانسحبوا بعدها كما تنسحب الكوابيس عند الفجر، تاركين خلفهم بيتًا لم يمت بل ظلّ يئنّ… جدرانه تبكي، وسقفه ينزف، والهواء نفسه يرتجف من هول ما رأى.
زحفت بليجة خارج الغرفة، تتعثّر بثيابها الممزقة، عيناها جاحظتان كمن رأى وجه الموت مرارًا. نظرت حولها، فرأت أسرتها ملقاة على الأرض، الدماء تحنو عليهم كغطاءٍ أخير. اقتربت من أخيها الصغير الذي بدأ يتحرك ببطء، فاحتضنته وهي تبكي بصوتٍ مبحوحٍ يشبه أنين وطنٍ كامل.
خرجت من البيت، تجرّ قدمها الجريحة، تمشي بين الجثث والدخان والبيوت المحترقة، وبرغم المأساة، كانت تحاول تضميد جراح أهل الحي الذين تعرفهم، وتخفف عنهم آلامهم، كما لو أن قلبها لم يمت، وأن أمل الحياة لا يزال ممكنًا.
كان الحيّ صامتًا إلا من أنينٍ يتسلّل من بين الجدران، والسماء رمادية كوجه الخرطوم بعد البكاء.سارت بليجة بخطاها المتكسّرة، حاملة شقيقها كمن يحمل وطنًا جريحًا في ذراعيه.كلّما تعثّرت، نهضت.
وكلّما نزف جرحها، اتّقدت في عينيها شعلةٌ جديدة.
لم تكن تسير إلى مكان، بل إلى معنى — إلى جهةٍ لا تُرى، حيث تُصاغ البدايات من فُتات النهايات.
خرجت بليجة من رماد الحيّ، تتلمس خطواتها بين الركام والدخان. لم تكن تبكي بعد الآن، بل تصرخ صرخةً واحدة، طويلة، عميقة، كأنها تنطق باسم كل من رحل وكل من بقي، باسم الأرض والسماء والمدينة نفسها.
الريح حملت صرختها بعيدًا، وكأنها بذرة من نور ألقتها في الظلام، لتعود إلى قلوب الآخرين، وتبقى معلقة في النبض المتهالك للمدينة.



