مقالات وآراء

أجمل ما في الحرب هو وقفها: نداء عاجل لإنقاذ الوطن

الصادق حمدين

مدخل تمهيدي؛

بي تمن طبنجة.. أحسن الكمنجة.. أحلى شتل منقة.. أحسن الحليب.. أو كما قال شاعر الشعب، محجوب شريف.

لا شيء أكثر قسوة من أن يقاتل الوطن نفسه. حين تتحول ساحاتنا، ومدننا، وقرانا، وفرقاننا، ودوامرنا، وبوادينا إلى مسارح للدماء، لا يخسر الوطن فحسب، بل نخسر المستقبل, والماضي، والحاضر، نخسر شبابنا، وأحلامنا، وحق الأجيال القادمة في العيش الكريم. لقد بلغ التدهور مرحلة الانهيار التي تسبق السقوط، وما يتكرر أمام أعيننا من عنفٍ وصراع دموي لا يمكن أن يكون إلا فألاً سيئاً لبلدٍ كان يوماً من الأيام مصدر كرامةٍ وعطاء وعزة.

نحن لا نطلب المستحيل حين نقول: أجمل ما في الحرب هو وقفها. هذه عبارة ليست ترفاً أدبياً أو ذكاءً لغويا، بل حقيقةٌ عملية: وقف الرصاصة هو بداية لإمكانية الإصلاح، وبناء دولة عادلة لا تُستنزف طاقاتها في محارق لا طائل منها. كل يومٍ يمرّ ونحن نواصل القتال، يذهب جزء كبير من رصيد الوطن أرضاً، وعملاً، وبشرًا إلى غير رجعة. تذهب عزتنا وكرامتنا وينخفض سعرنا في بورصة الإنسانية إلى أقصى مؤشراتها هبوطا.

قد بدا الأمل يلوح مع تحركات الرباعية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية خلف الكواليس، تلك المبادرات التي تسعى لإطفاء النيران وإعادة المسار السياسي إلى طاولة التفاوض. لكنّ أملنا تعثّر أمام تعنت فلول لا يزالون متمسكين بالمنطق القديم منطق “فلترق منا الدماء، أو ترق منهم دماء، أو ترق كل الدماء” تشبث أعمى بالسلاح كوسيلة وحيدة لصنع القرار والحفاظ على السلطة التي أُنتزعت منهم بأمر إلهي. إن استمرار هذه العقلية يعني أن الحرب ستستمر حتى لا يبقى من يقاتل سوى الأطفال والشيوخ، والنساء ،وذلك هو مشهد الخيبة الكبرى والخسران المبين.

نحن هنا لا نناشد الأشخاص العاديين من هذا الشعب فحسب، بل نناشد ضمائر من بيدهم القرار: اتقوا الله في وطنٍ لا يملك إلاّ شعبه، وأجنحوا للسلم قبل فوات الأوان. إعلان التعبئة العامة واستدعاء الشباب واستنفارهم إلى محرقة القتال ليس بطولة، بل هي جريمة مكتملة الأركان بحق مستقبل البلد وبحق أهله. دعوا الشباب يبنون وطنهم ويحققوا حلمهم ولا تهدروا حياتهم في معارك لا تنتج إلا مزيداً من الفناء، والخراب، والدماء والدموع.

الطريق إلى نهاية أي حرب لا يمر عبر البندقية، بل عبر الأقلام وطاولات الحوار. التاريخ يُكتبه من يدعون إلى السلام، لا أولئك الذين يلجئون إلى المدافع ويطربون لصوت الرصاص، فليعلم الجميع أن الحلول الحقيقية لأي حرب مهما تطاولت تولد في فضاءات التفاوض، والتنازل والحكمة. كلّما طالت الحروب بدت نهايتها أكبر من إمكانيات التعويض؛ لذلك على كلّ الأطراف أن تتذكر أن الوطن ليس ملكاً لقوةٍ أو مجموعةٍ بعينها، بل ملكٌ للأجيال القادمة التي ستتحمل ثمن تدميره إن استمرينا في مواصلة هذه الحرب المجنونة.

إنها دعوة خالصة للعودة إلى العقل ووزن الأمور بميزان المنطق، ولنُفعًل ونُبارك كل مبادرة تُقرب وجهات النظر بدل أن تُبعدها. دعوة لكل السودانيين من كل الانتماءات أن يضعوا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. أجمل ما في الحرب، وأسوأ ما فيها أن نهايتها بأيدينا؛ فنوقفها اليوم قبل الغد، لنمنح الأجيال القادمة فرصة حقيقية للعيش والبناء والتعمير، فلنقلها داوية أوقفوا هذه الحرب اللعينة.

الصادق حمدين – هولندا
[email protected]

‫2 تعليقات

  1. طيب اشرح لينا كيف يتم إيقاف الحرب حتى نستطيع إقناع الآخرين.. كل الناس لا تريد الحرب لكن الأمور تعقدت وتشابكت بحيث صار من الصعب حللتها باخوي واخوك واضف الي ذلك البعض يريد اقصاء الآخر طمعا في الانفراد بالحكم غير مبالي بالتكلفة لذلك اقتنعنا بأنه لابد أن تحسم الحرب لصالح طرف او تنفصل الدولة الي دولتين على الاقل وده شي طبيعي عندما تصل الأمور إلى طريق مسدود ولا احد يملك فرض الوصاية على الآخر بالقوة القاهرة.

  2. اخي المحترم تحياتي…..لقد اجبت عن تساؤلك بنفسك من خلال ردك الرصيد على المقال موضوع النقاش، وإن كنت اختلف معك في ان يكون الانفصال أو تقرير المصير هو أحد الحلول. نحن كشعب لا نملك غير سلميتنا وفي هذه المرحلة نرفع صوتنا عال للمطالبة بوقف الحرب، وكما تعلم وقف الحرب لا يعني نهايتها، ربما تتجدد مرة أخرى. لهذا السبب لابد من مخاطبة كافة القضايا المصيرية وعلاجها كي لا تتجدد الحرب مرة أخرى.
    لا توجد وسيلة لوقف الحرب سوى طريقين: تفاوض أو سيطرة طرف بالقوة وهذا كلامك الذي كتبته من خلال ردك. لكن هل يمكن أن يظهر طريق ثالث كلمة الشعب؟ كيف يرفع الناس صوتهم ويقولون لا للحرب إذا كانت كل الأحزاب والنقابات والهيئات مكمّمة؟ لكن شعبنا المعلم لن يعجز في ان يجد طريقه لانقاذ وطنه من الضياع والتلاشي. لهذا بدأت الأصوات ترتفع جهرا وهمسا للمطالبة بوقف القتال فورًا، وعملية وقف الحرب لا تعني حلًّا دائمًا؛ المطلوب إنهاء الحرب جذريًا في السودان حتى لا تتكرر.

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..