التخفي وراء كلمة “الرائعون” وفن اتقان الكراهية المهذبة في خطاب عبد الرحمن عمسيب
الصادق حمدين

مدخل تمهيدي
عندما نتناول شخصية مثيرة للجدل في الفضاء الإسفيري، من الضروري أن نبدأ بسؤال تمهيدي استفهامي قد يبدو ساذجًا وبسيطًا، لكنه أساسي: من هذا الشخص أصلًا، وما حقيقته؟ شخصيًا، لا تهمني كثيرًا تفاصيله الفردية ولا سيرة حياته، بقدر ما يهمني موقعه داخل المنظمة أو المجموعة التي يمثلها: هل هو ممثل لحزب، تيار، جماعة؟ أم مجرد ناطق باسم “شلّة رقمية” تتوهم لنفسها وزنًا؟
في حالة عمسيب، فإن أقرب توصيف يمكن إطلاقه عليه “في هذه المرحلة”، – إن لم أكن قد اخطأت التقدير في تقييمه – أنه زعيم “شلّة افتراضية”، أكثر من كونه صوتًا لتيار فعلي له تأثير على الأرض. ومع ذلك، ورغم أن بعض الأسماء باتت “معلومة بالضرورة” في الفضاء العام، فلا بد من إلقاء نظرة متأنية على خلفياتهم الفكرية وخطابهم، حتى نعرف كيف يصنعون الضجة من لا شيء، وكيف يبنون من “الوهم” وطنًا من ضجيج.
لم أكن قد سمعت بـ عبد الرحمن عمسيب، قبل اندلاع الحرب اللعينة في السودان في 15 أبريل 2023، لكن اسمه بدأ يتردد بشكل متكرر، فتابعت بعض تسجيلاته المنتظمة. في تقييم أولي، بدا لي أنه يمتلك رؤية واضحة لمشروع سياسي – أعد له جيدا – ويراه صائبًا، مدعّمًا بخطاب يبرر له موقفه ويُضفي عليه شيئًا من الشرعية في نظره، وذلك حق لكل صاحب رأي حتى لو كان هذا الرأي فاسداً ومعطوباً.
إلا أن ما لفت نظري، بل وأوقفني طويلًا، هي النزعة العنصرية ذات الطراز الساخر التي تخللت خطابه، وجاءت مصحوبة بأسلوب لا يخلو من فجاجة ووقاحة، وغضب نرجسي يتسم بالهشاشة النفسية، تضعه في قلب خطاب الكراهية أكثر من أي خطاب آخر.
من هو عبد الرحمن عمسيب، ومن أين أتى؟ سؤال يُذكّرنا بتساؤل الأديب الراحل المقيم الطيب صالح: “من أين أتى هؤلاء”؟
استناداً إلى ما هو معلوم وما تمليه طبيعة الأشياء، فإن عمسيب، مثل كثير من أبناء الشعب السوداني، نشأ في قلب المجتمع، واكتسب قيمه الظاهرة من احترام وتقاليد رفيعة وقيم عليا، لكنه في الوقت نفسه، استبطن بعض خفاياه الموروثة، خاصة تلك المتعلقة بالعنصرية المتجذّرة في سرديات العقل الجمعي “الأهلي”.
وبينما تجاوزت أمم كثيرة هذه النظرة الضيقة، ظلّ بعض الأفراد عالقين في ماضٍ مظلم، يمثّلون اليوم الوجه القبيح للعنصرية، وعبد الرحمن عمسيب من أبرز رموزهم بلا أدنى ظلال من شك، يجاهر بما اعتاد الناس أن يخفوه، وبعبارة أخرى ذات حروف مغايرة تحمل ذات المضمون، – وما يحسب لصالح عمسيب،- انه امتلك الجرأة “للجهر بالسر علنا”.
عندما تستمع إليه تجده يتكلم في كل شيء، وعن أي شيء، يتكلم فيما يعلم، ويخوض فيما يجهل، بما في ذلك الخطط الحربية، وحتى الخطط العسكرية له فيها دلواً، يتكلم عن علم الانساب وأصل القبائل، لا لتعزيز الهُوية والتراث، أو الدعوة للتعايش في سلام بينها، بل لتصنيفها بين من هم “رائعون”، تجب إبادتهم، ومن هم ليسوا كذلك، يجب أن يستنفروا للقيام بمهمة الإبادة.
يتناول موضوع “الأقلية المبدعة” – قبائل النهر والبحر – ويقارن تجربتها بتجربة الشعب اليهودي عبر مختلف المراحل التاريخية، مبرزًا أهمية التمسك بالسلطة بوصفها الضامن الأساسي لاستمرار وجودها وحفاظها على كيانها من الانقراض. وهذا من حقه أن يدافع عن “حواضنه” بالضرورة.
لكن سرعان ما يتبيّن لك أن خطابه قد تجاوز حدود التعبير عن الرأي، ليحمل في طيّاته ما هو أعمق، وأكثر إيذاءً وسمّية. واخطر ما في طرحه هو التخفي ما بين طيات اللغة وكثافتها واستعماله لكلمة “الرائعون” تلميحا ما يشبه التصريح. وكأنما الرجل ممسكاً بنصل من زيف اللغة، يقطع بها ما تبقّى من نسيج إنسانيتنا المشتركة شيئاً فشيئاً، وهو يبتسم وكأنه يقدم علاجاً يشفي جراح هذا الوطن الكئيب.
لم يكن غريبًا أن يلوذ، عبد الرحمن عمسيب، بالكلمات، يختبئ خلفها كما يختبئ الجبناء خلف الأقنعة. يختار ألفاظًا براقة، يلمعها لتخفي قبح نواياه، كمن يزين السجن ليبدو قصراً، ويزين القيد ليبدو سواراً، فأصبحت منصة إطلاق سهامه الصدئة على قومٍ مُستضعَفين هي كلمة “الرائعين” لا إعجابًا بخصالهم، بل ازدراءً مقنّعًا وسخرية خفيّة، يواري بها في طيّات اللغة ما عجز عن التصريح والبوح به علنا.
هكذا، غدت الكلمة التي تُقال في الظاهر مديحًا، جُرحًا مفتوحًا في الوجدان، يئنّ منها خزين الذاكرة المثقل بـ “مطامير” الألم وخيبات التاريخ، وتفضح به اللغةُ خيانة المتكلّم لنفسه ولمجتمعه. فاللسان، مهما تشدّق، لا يخدع التاريخ، ولا تُخفي التورية خبث القصد والتذاكي المفضوح.
فكلمة “الرائعون”، رغم ظاهرها الذي يوحي بالإعجاب، إلا أن عبد الرحمن عمسيب، يستَخدمها كـ”شيفرة” مهذبة لاحتقار دفين قابع في ثنايا التاريخ، إحتقار لا يُقال بصوت مرتفع، بل يُلمّح به، يُهمَس في زوايا الكلام، حتى لا يُمسك على قائلها دليل صريح فينفض سامره.
إن أخطر أشكال العنصرية ليست تلك التي تُعلن عن نفسها بلا مواربة، بل تلك التي تتسلّل في ثوب التحضّر، وتختبئ خلف عبارات مهذبة، تُستخدم بدهاء لتشويه الآخر دون إثارة جلبة. فعندما يُستبدل وصف “العبيد” بما يحمله من تاريخ موحش وثقل أخلاقي، وعار اجتماعي، بكلمة مثل “الرائعين”، فإن ذلك لا يُعدّ تلطيفًا للغة، بل محاولة ماكرة لإعادة تدوير الاحتقار، وتشويه الذاكرة الجمعية، وشرعنة الاستعلاء بلغة ناعمة.
حين يستخدم عمسيب، هذه الحيل اللغوية المراوغة، لم تعد اللغة وسيلته للتقارب وردم هوه الجغرافيا والتاريخ بين أبناء الوطن الواحد، بل غدت سلاحًا بيده يُشهره في وجه من صنع منهم اعداءه المتخيلين. وهو عندما يمارس هذا التلاعب البلاغي لا يُخفي قبحًا داخليًا فحسب، بل يتخفّى خلف رقيّ مصطنع، فبعض تراكيبه اللغوية ليست بريئة كما تبدو، وبعض كلماته مهما لمعت قد تكون أظلم من الشتائم الصريحة.
وبينما يبدو لفظ “الرائعين” مشبعًا بالإيجابية، إلا أنه في السياق “العمسيبي” الذي ورد فيه، بلا أدنى شك يكتسي بمسحة من التحقير والانتقاص من الآخر. ومع ذلك، فإن المنسوب إلى المدعو عمسيب لا يوجّه إلى شخص فرد أو إلى قبيلة بعينها، ولا إلى جماعة محددة، بل يشير إلى أقاليم بأكملها، تبدو بحجم دول، وهنا مكمن الخطر لو يدري.
ولئلا يُقال إن في ذلك حكمًا على النوايا، فإن استخدام عمسيب لهذا اللفظ قد يُفهم منه القصد الحرفي، بما يحمله من مدلول إيجابي. ولا يجوز للآخرين تأويله على غير وجهه، أو تحميله ما لا دليل عليه، بما قد يفضي إلى تجريمه دون مسوّغ قانوني أو أخلاقي.
لكن ما قد يغيب عن البعض هو أن المعاني لا تُستنبط من ظاهر الألفاظ وحدها، بل من السياقات التي تُقال فيها، ومن تراكمات التاريخ والثقافة والنية المضمرة خلف الكلمات. وفي هذا كله، تتجلى مسؤوليتنا في الإنصات لا لما يُقال فقط، بل لكيفية قوله، ولماذا قيل؟ وفي أي سياق لإقامة الحجة والدليل على قائله، ومن ثم محاكمته أمام محاكم الأخلاق والضمير وأمانة الكلمة.
الصادق حمدين – هولندا




كم انت رائع يا حمدين…
هههه هو فعلا من الرائعيين!
ما استوقفني في مقالك المتناقض ولا لايهمنى تناقضه. فلك كامل الحق في بسط ما تقول كما يحلو لك. لكن أن تحاول أن تتكسب من لفظ استعمله الدكتور عمسيب وهو لا يريد أن يخرج منه لفظ يحسب عليه، وإنت تجاوزت عن كل الالفاظ التي يستعملها الغرابة وكم هي كثيرة وخطيرة واعتليت ظهر كلمة الرائعين مطية للوصول لمبتغاك تقصد أمرا متروك للقاريء استنباطه.
ما أكثر الفاظ الغرابة وليس الرائعون يرموننا بها جهرة وما في صورهم التي تمتليء حقدا وعقدا نفسية أكبر
وقبل أن انتقل لملاحظتي الثانية أود أن أقول لك لم يعد سودان ونجت باشا يعني لنا شيئا ومن تلك النقطة سادخل لملاحظتي الثانية.
وصفت مشروع الدكتور عمسيب بأنه ((أنه زعيم “شلّة افتراضية”، أكثر من كونه صوتًا لتيار فعلي له تأثير على الأرض)) أقولها لك علنا إنه تيار وطني ووطني هذه بمفهومنا نحن داعمي هذا المشروع الوطني إنه صوت الغالبية العظمى من تيار الصحوة في الشمال والوسط وهو فعلا محاولة اكسر طوق الرهبة والخوف من كلمة انفصال وقد بدأت بالفعل وليس كما وصفت إنت إنه افتراضي أقول لك هو تيار واقعي ادرك خطورة أن نكون في بلد يكن لنا جزء أضيف لبلادنا قسرا عام ١٩١٧ وبقي معنا لأن أتفه احزاب العالم كله حزب اللمة له مصلحة في بقاء اقليم دارزفت ضمن حدود ونجت باشا لأن الرافد الانتخابي لآل المتمهدي الكذاب الاشر. أو كما قال وطن حدادي مدادي فتيارنا لا يرغب في وطن حدادي مدادي بل وطن متجانس بعيدا عن الحقد وعقدة الدونية وعن الابتذاذ الفاجر.
واختم لقد أصبح المشروع يقف على ارضية صلبة واصبح الكفر بسودان ونجت باشا منطلقا لكي نقرر مصيرنا ودكتور عمسيب يمثل بقوة تيار النهضة القادم ولمن يرفض هذا المشروع اننا نعمل بسلمية سامية وروح ونفس طويل للوصول للدولة المتجانسة المتآلفة. ولن يفرض أحد علينا مشروعات مغايرا
عمسيب صوت الشمال الواعي
حياة عبد الملك رضي الله عنك وسلمك من كيد الكائدين