مقالات وآراء

السلام حاجة البشرية منذ الأزل

 

أصدر الإخوان الجمهوريون كتيباً شهيراً عنوانه «السلام حاجة البشرية منذ الأزل» في سبعينيات القرن الماضي، حينها لم يكن العالم في سلام، ولم تكن بلادنا السودان في أمان.

كان الكتيب صرخة وعي في وجه عالم يموج بالصراعات والحروب الباردة والساخنة، وتحذيراً مبكراً من أن الإنسان لن ينجو من مآسيه إلا إذا أعاد تعريف السلام على أساس جديد — أساس يبدأ من داخل الفرد، ثم يمتد ليشمل المجتمع والعالم أجمع.

لقد كُتِبَ ذاك الكتيب في زمنٍ كانت تتنازع فيه القوى السياسية في السودان على السلطة، والاقتصاد يترنح تحت وطأة الفساد وسوء الإدارة، والمجتمع يعاني من التخلف والجهل والتمييز الطبقي.

لكن من كتبوا الكتيب نظروا أبعد من لحظتهم تلك، فرأوا أن كل صراع سياسي أو طبقي أو ديني ليس سوى عرضٍ لمرضٍ واحدٍ هو غياب السلام الداخلي. ولذلك جاء قولهم العميق:

«السلام لا يجيء من الخارج، بل ينبع من داخل الإنسان حين يصالح نفسه مع ربه ومع الناس.»

 

وكانت فكرة الكتاب — ولا تزال — ترى أن السلام هو حاجة البشرية منذ الأزل لأنه الشرط الأساسي لقيام الحضارة الإنسانية على أساس من العدل والحرية والمساواة.

وما أشد حاجتنا نحن السودانيين اليوم إلى هذه الفكرة بعد أن أوصلنا دعاة الحرب إلى قاع الهاوية.

إن الحرب التي يُسمّونها زوراً «حرب الكرامة» ليست سوى حرب الإهانة والندامة والمهانة. فهي لم تُشعل للدفاع عن وطن، بل لإعادة إنتاج سلطةٍ فاسدة لفظها الشعب.

رفعوا شعار الكرامة ليخفوا خيبتهم، وليزينوا للناس موتاً مجانياً لا طائل تحته.

أي كرامة في أن يُقتل الأبرياء وتُحرق المدن وتُغتصب النساء ويُهجّر الملايين؟
أي كرامة في أن يتحول الوطن إلى أطلالٍ وجثثٍ وجوعٍ ودمار؟

لقد قالها الجمهوريون قبل نصف قرن: إن الحروب لا تُبطل العنف بل تُضاعفه، وإن السلام الحقيقي لا يتحقق إلا حين تنتصر المحبة على الكراهية، والفكر على السلاح، والوعي على الجهل.

واليوم يثبت الواقع السوداني صدق هذه النبوءة. فالذين حملوا السلاح باسم الدين أو الوطن عادوا به ليذبحوا الدين والوطن معاً، بينما الذين بشروا بالسلام والحرية في تلك الأيام البعيدة، ما زال فكرهم حياً يشهد بأن طريق السلام هو وحده الطريق إلى المستقبل.

إن السودان اليوم يقف على مفترق الطرق:
إما أن نعود إلى لوثة الحرب والثأر والانتقام، فنغرق أكثر في مستنقع الموت والضياع؛
أو أن نستلهم من فكر الأستاذ وتلاميذه جوهر دعوتهم للسلام الشامل — سلامٍ يبتدئ من النفس وينتهي إلى العالم — فنبدأ من جديد بناء وطنٍ يتسع للجميع، بلا إقصاء ولا استبداد ولا استغلال.

ليس السلام شعاراً سياسياً عابراً، بل هو مشروع حياة.
ومن لا يؤمن بالسلام لا يستحق أن يحكم، لأن الحكم في جوهره أمانةٌ لإعمار الأرض، لا رخصةٌ لخرابها.

فلنقلها بوضوح: هيهات أن يعود الكيزان والفلول والبلابسة إلى السلطة. لقد ولى زمانهم، وانكشف زيفهم، ولن يُكتب للسودان حياة إلا إذا تحرر نهائياً من قبضتهم التي خنقت روحه لعقود.

إن السلام لا يُفرض بالاتفاقات أو البنود، بل هو سلام الوعي الجديد — الوعي بأن الإنسان هو مركز الكون، وأن كرامته الحقيقية في حريته وعدله ومحبته.

ولذلك نقول اليوم، كما قالوا بالأمس:

السلام ليس رفاهية… بل هو قدر الإنسانية، وحاجته منذ الأزل وإلى الأبد.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..