السودان وفقدان التضامن المدني لإنقاذ البلاد والعباد

عدلي خميس
عُدنا وكما يقولون العود أحمدو.
بادئ ذي بدء أحب أن أستهل مقالتي هذه بآية كريمة هي من معاريف وحي الله الطاهر القرآن الكريم، فاسمعوا إلى قوله تعالى:
(وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً)
هل وحدة الميدان ستفرض الوحدة على بعض الحيتان؟
الذين يقولون وبالفم المليان لا مجال للمصالحة؟ لا مجال للوحدة لأن لكل منا برنامجه؟
عن أي برنامج يتحدث أو يتحدثون؟ نسمع جعجعة ولا نرى طحيناً؟
فرق كبير بين قولنا العمل الذي لا ينقطع وقولنا الكلام الذي لا ينقطع، لأن عدم انقطاع العمل دليل على العطاء، وقوة العزيمة، وعلو الهمة، وقدرة الإنسان على تحقيق أهدافه.
أما عدم انقطاع الكلام فهو دليل على الثرثرة، وضعف العزيمة، وقصور الهمة، ولا شك أن الفرق بين الأمرين كالفرق بين المشرق والمغرب إشراقاً وظلاماً.
لا يخفى على ذي بصيرة وقلب ما تدور فيه بلادنا من الحرب الطاحنة العبثية التي نعيشها في سوداننا الحبيب؛ تعكس لنا مدى ما نحن فيه من عبثية وضياع وفقدان ثالوثي معقد كمن فقد هويته في مثلث برمودا الخرافي، لأننا نفتقد لأبسط مقومات لغة الحوار وتقبل الآخر بروح تتسع للرأي الآخر بأن نضع جميعنا مصلحة البلاد والعباد في المقام الأول، متمسكين باللحمة الوطنية التي هي صمام الأمان للمواطن وتضافر الجهود لبناء الأوطان بصورة عامة.
من المؤكد أن ما ورد في القرآن الكريم والسنة المحمدية لهو أنسب وأنجع وأدق الحلول لكافة المعضلات والإشكاليات التي تحدث بين بني البشر منذ أن خلق الله الخلق، وعبر العصور السحيقة بالاحتكام إليه، فهو مرجع رباني لا يعلو عليه إلا صوت الضلال لأن الحق فيه أبلج والباطل جلج.
المقولة التي يعرفها جميعنا والتي تقول في حكمة العرب أن المهلب بن أبي صفرة لما أشرف على الوفاة، استدعى أبناءه السبعة، ثم أمرهم بإحضار رماحهم مجتمعة، وطلب منهم أن يكسروها، فلم يقدر أحد منهم على كسرها مجتمعة، فقال لهم: فرقوها، وليتناول كل واحد رمحه ويكسره، فكسروها دون عناء كبير، فعند ذلك قال لهم:
اعلموا أن مثلكم مثل هذه الرماح، فما دمتم مجتمعين ومؤتلفين يعضد بعضكم بعضاً، لا ينال منكم أعداؤكم غرضاً، أما إذا اختلفتم وتفرقتم، فإنه يضعف أمركم، ويتمكن منكم أعداؤكم، ويصيبكم ما أصاب الرماح:
تأبى الرِّماحُ إذا اجتمعنَّ تكسُّراً … وإذا افتـرقَنّ تكـسّرتْ آحادا
فهذا وبكل الأسى والأسف ما يدور في السودان بحذافيره، فنجد التشتت والذم لبعضنا البعض، والتشرذم والتأفف والتحارب وفقدان لغة الحوار التي ترعى أخوة الوحدة الوطنية والتراب الغالي لمن يقدرونه ويعيشون تحت سماء وطنهم وتحفظهم أرضه الطاهرة، إضافة للعِشرة وصلة الرحم والتعايش السلمي في النسيج المجتمعي.
ولا يخفى علينا جميعاً بأن السودان هو عبارة عن ثقافات وأعراف وقبائل مختلفة جمعتهم أرض السودان الحبيب، وترعرعوا في خيراته التي تكفينا ومن هم حولنا، وبقية العالم أجمع إذا أحسنا الظن بعضنا ببعض وتصافت النفوس وأحسنا إدارة التنوع.
وهنالك آخرون يطمعون في الاستيلاء على تلك الثروات التي تؤكدها تقارير أممية وإقليمية ومحلية ذاخرة بشتى أنواع الخيرات: النفطي منها والمعدني والزراعي والبشري في مقدمتها، وما نملكه من إرث حضاري مشهود للجميع.
وإذا ما وضعت في القالب الغلوى، فنجد المبادرات تتكاثر والرؤى والمشاكسات، وأغلبها تتجذر في موقف نفسي، والطوفان مما يحدث بين الأحزاب والمكونات والجماعات والنقابات… والقوات النظامية بكامل أنواعها هي اللغة الغالبة على الساحة.
وللأسف، والقلب ينزف دمًا، تفشت لغة الكراهية وخطاب الكراهية والتصفيات الجسدية والإثنية والجهوية والتبعية والمناطقية، مما يدل على جهالة ممنهجة وحب الأنا، والبعض نصب نفسه هو من لديه صكوك الغفران يوزعها للشعب السوداني — المؤتمر الوطني متمثلاً في الجبهة الإسلامية ومن شايعهم ممن شكلوها في الساحة السياسية وتغلغلهم خلال ثلاثين سنة هي السنين العجاف التي حكمونا فيها — ومن شايعهم بإحساس أنهم على حق، والآخرون مجرد تبع لهم لا يحق لهم المناقشة أو إبداء أي رأي يخالف رأيهم بصورة أخرى نفسي والطوفان.
أليس واجباً على القائد أو الزعيم السياسي، وخاصة عندما يكون من قيادات الصف الأول، تعزيز الوحدة الوطنية بمعناها الوحدوي الشمولي لأبناء الوطن الواحد، وخاصة في هذا الوقت بالذات، ونشر المحبة والألفة بين أبناء الوطن، ونبذ العنف والشقاق والخلاف، ونشر لغة المحبة والتسامح والترابط والتكاتف، لأنها جزء مهم من قيمنا الوطنية وهي من القيم التي يحتاجها مجتمعنا كباراً وصغاراً؟
كيف لا وقد أمرنا ديننا الإسلامي الحنيف بإزالة الأذى من الطريق ونشر الابتسامة بيننا، وأن كل نفسٍ رطبةٍ فيها صدقة، وأن الابتسامة في وجه الآخر صدقة، وأن رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام هو خير قدوة لنا.
كما أننا مطالبون بنشر لغة التسامح بيننا، وأن الله بعثنا مبشرين وليس منفرين، وأن شعارنا الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن ننشر لغة الحوار بيننا كأفراد وجماعات، وأن نشعر أبناءنا بأن الوطن هو وطن الجميع، لأن من يعيش على أرض هذا الوطن وفي الشتات أيضاً له الحق في المشاركة في بناء حضارته والمساهمة في التفاعل مع مجتمعه، وأن كل منا عليه واجبات وله حقوق.
وفي الختام، أليس الله هو خير القائلين في محكم كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل:
(ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)
والحديث الشريف الذي يقول:
(مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) — رواه البخاري ومسلم.
إن ما يؤلم حقاً هو استمرار الانقسام وتغذيته، فالمطلوب إنهاؤه وتعزيز الوحدة الوطنية وتنفيذ كافة الاتفاقيات الموقعة دون تلكؤ أو مماطلة أو تهرب أو خضوع لضغوط خارجية، واستعادة وحدة الجغرافيا والديموغرافيا.
لذا يتوجب الأمر على ضرورة مراجعة الوضع وحالة الحرب إلى الاحتكام لصوت العقل بين كلا الطرفين (الجنرالين) بالجلوس إلى مائدة مستديرة لكافة ألوان الطيف السياسي والمجتمعي والاقتصادي وكافة مناحي الدولة، ووضع البلاد والعباد في حدقات العيون، وإيقاف شلالات الدم وإزهاق الأرواح والدمار والاحتراب ونشر الفوضى وعدم الأمان والنزوح واللجوء، والذي أزعج المنظمات العالمية من حيث العدد وضياع الممتلكات والثروات، وتفويت الفرص على التدخلات الخارجية.
والنظر إلى المواطن السوداني الذي هو رأس الرمح في كل تلك الحرب وما وصل إليه حاله من نزوح وتشرد وفقدان للممتلكات والأنفس والشرف، والتي تعتبر في التاريخ السوداني المعاصر وصمة عار كبيرة لم يسبقها أحداث مثلها.
هنا يكمن دور المجتمع المدني بكافة أشكاله وألوانه ومعتقداته. لذا يتطلب الموقف منا جميعاً السعي الحثيث لرفع الصوت عالياً مدوياً ومذللاً الآفاق عبر كافة الوسائل — وما أكثرها بعد وجود الشبكة العنكبوتية — بحيث يسمعنا العالم الخارجي للمساهمة في جمع الصف في وحدة وطنية كبيرة وعظيمة بمقدار عظمة وطننا السودان، مدعومة تؤثر على أصحاب القرار بين الجهات المتحاربة.
لا سكوت على صوت وأزيز الطائرات والبنادق وأصوات القاذفات والراجمات وجميع أنواع الآليات المدمرة التي أصبحت تشكل رعباً على المواطن والأطفال والشيوخ، وقد انقضى عام ولا يوجد بينهم منتصر على أرض الواقع.
يحدونا أمل كبير أن تجد مبادرتنا الأذن الصاغية من المجتمع المدني من مثقفين وسياسيين والأطراف ذات الصلة، نقابات ومكونات تبني رتق النسيج الاجتماعي بالرجوع إلى جانب الصواب وسماع صوت العقل والاستقرار والأمان ووحدة البلاد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المتبقي للوطن المنهك جراء تلك الحرب العبثية.
والله من وراء القصد، وهو المستعان.
مواطن صاحب ضمير



