مقالات وآراء

اطردوا المواطنين الجنوبيين إن استطعتم أن تطردوا النيل (2/2)

 

عبدالعزيز أبوعاقلة

وما بين الشمال والجنوب لا تفصلنا الأنهار ولا الحدود، بل المكابرة والاستعلاء الغبي والصمت الطويل الذي غطّى الحقيقة كغبارٍ على وجه المرآة. قال نيلسون مانديلا: “الحرية لا تُعطى؛ تُنتزع، ولا معنى لها إن كانت لشعب دون آخر.” ونحن أردناها لأنفسنا، وضيّقناها على إخوتنا.

كل ما يحدث اليوم في الشمال — من تمزّقٍ وحروب وكراهيةٍ داخلية وانقسام — ليس إلا صدى ذلك الجرح القديم الذي لم نواجهه بشجاعة. وكما قال سقراط: “الحياة غير المفحوصة لا تستحق أن تُعاش.” ونحن واصلنا حياتنا بلا فحص للضمير، فكان الخراب طبيعيًا.

في لحظةٍ ما، ضاعت الحقيقة بين الشمال والجنوب. لم نعد نرى بعضنا كما نحن، بل كما أرادت السياسة أن نرى. اختُزل الجنوب في الغابة، واختُزل الشمال في الصحراء، ونسينا أن النيل بينهما ليس فاصلاً بل وصلاً، وأن كما قال طاغور: “الوطن ليس هو الأرض، بل هو الإنسان.”

لسنا شعبين… نحن جرحٌ واحد شُقّ إلى نصفين بسكين السياسة والغش والأنانية والفهلوة، لا بخريطة الجغرافيا. وما لم نضمّد الجرح، سنظل نُعيد النزيف بأسماء مختلفة. قال فرانز فانون: “البلد الذي يقتل أبناءه لا يحتفظ إلا بأشلاء وطن.”

كبرنا على كذبة قديمة أن الوطن واحد والدنيا بخير، بينما كانت القرى تُحرق، والأمهات يُهجّرن، والجنود يُرسلون إلى حرب لا يفهمون سببها. لم يكن الجنوب يتمرد، بل كان يدافع عن خصوصية هويته ويصرخ من الألم، ونحن كنا نصف صرخته بالخيانة والتمرد.

وهكذا صرنا بلدًا ينكر نصف نفسه، شعبًا يتعالى على ظله، ولا يرى وجوهه في مرآة حقيقية. كما قال جان جاك روسو: “من لا يعترف بالآخر لا يعرف نفسه.”

لم يكن الانفصال كارثة الجغرافيا، بل جريمة الوعي. واختلال بناء تأسيس الدولة السودانية لأننا لم نتعلم كيف نعيش مع اختلافنا، فتعلمنا كيف نقتله بلا ندم. قال أرسطو: “العدالة هي روح الدولة.” وحين ماتت العدالة، مات الوطن.

نحن الذين صدّقنا أن الهوية وراثة، وأن التفوق يولد مع لون البشرة أو لسان الأم. لم نسأل أنفسنا: لماذا فرضنا هوية أحادية مبكرًا على وطن متنوع؟ ما جدوى الصلاة إن لم تكن على نية العدالة؟ ولماذا لم نفصل الدين عن الدولة حتى تعلو قيمة الإنسان؟

قال تشارلز تايلور: “الهوية لا تُفرض؛ تُكتشف عبر الاعتراف المتبادل.”

آن لنا أن نقولها اليوم بلا مواربة: لقد ظلمنا إخوتنا الجنوبيين، غشّيناهم بالشعارات، وأخمدنا أصواتهم باسم وحدةٍ زائفة وفرضنا عليهم هويةً ليست لهم ثم اتهمناهم بالانفصال. قال هانا آرنت: “أسوأ الشرور تولد حين يرفض المجتمع رؤية ما يحدث أمامه.”

حتى لا نكرر الأخطاء لابد من الاعتراف والاعتذار. لا يُشفى وطنٌ من جراحه إلا حين يعترف بأنه جرح. الاعتراف ليس انكسارًا، بل بداية الخلاص.

كما كتب ألبير كامو: “الحرية لا معنى لها بلا مسؤولية.”

والاعتذار الحقيقي مسؤولية أمام التاريخ، لا مجاملة سياسية. لن يعيد الاعتذار الجنوب، لكنه يُعيد إلينا إنسانيتنا التي ضاعت في الزهو الكاذب. فالوطن لا يُبنى بالشعارات، بل بالتواضع أمام الحقيقة.

إن كنا نريد وطنًا واحدًا لا وطنيين، وطنًا لا يتكرر فيه الانقسام، فعلينا أن نستبدل “نحن وهم” بـ “نحن” جميعًا، وأن نكفّ عن التحدث من فوق، لأن الوطن لا يُبنى من علٍ بل من الأرض.

لا نحتاج أن نعيد رسم الخرائط، بل أن نعيد رسم الضمائر. فالوطن الحقيقي لا يصنعه التراب، بل الذين غُرسوا فيه حبًا وعدلاً وإنصافًا.


‫5 تعليقات

  1. يا زول هووووي بلا غزل بلا إنشاء فارغة… خلينا من التوهمات و الكلمات المنمغة الرنانة الجوفاء فارغة المعني الحقيقي…. هناك تجاوزات حصلت في الماضي وكانت النتيجة ان انفصل القوم عننا طوعا وكرها….. هم الان غرباء ليسوا أصحاب حق في هذا الوطن… فلا مرحبا بهم كاشقاء بل مرحبا بهم اجانب يحترمون قانون هذا الوطن العزيز وكذلك بقية الأجانب… فانت لم يحترمون قانون هذا البلد فلا مرحبا بهم ويجب طردهم…اما انت فكلك عاطفية..

    1. استاذ عبد الوهاب ان لم تكن غادرت او عشت في الجنوب وليس مع الجنوبيين الذين كانوا في الخرطوم او الذين زاملتهم في حياتك فانت لا تعرف الجنوب والجنوبييين فهل تعلم ان هناك شماليين و اسر عريقة رفضت العودة الي الشمال بعد الانفصال وفضلوا ان يقبروا في تراب الجنوب فهناك اسر تغطي عين الشمس من اصول شمالية بحت فضلت الجنوب ولازالوI حتي اليوم مواطنين مكرمين هم في وطنهم يستمتعون بكل الحقوق ويديرون ويستثمرون في املاكهم اسوة باخوتهم بل افضل من الجنوبيين انفسهم رغما عن ما يقال وهذا لم يكن من فراغ فهولاء الاسر والعائلات هم من عرفوا الجنوبيين والجنوب عن قرب وليسوا بمن سمعوا عنه خلال الخطب السياسية وشاشات التلفزيون فعلينا توخي الحذر عند الادلاء بارائنا ونظرياتنا السياسية او الشخصية حتي لا نقحمهم فيما لا يعنيهم ونصيد في الماء العكر فهناك جنوبي ارتبطت مصالحه بالشمال كما العكس ناهيك ان هناك مواثيق دولية قد تؤمن وجودهم(لاجئين) في السودان كما وجود الكثير من السودانيين في مصر وروندا والمملكة العربية السعودية وقطر الخ …..كلاجئيين او وافدين فسنة الحياة يتطلب ذلك

  2. كلام عاطفى لايسنده منطق.

    اختاروا الاستقلال كما يسمونه.

    لذلك هم اجانب بالنسبة لنا.

    مبروك عليهم دولتهم.

  3. تحية وسلام عاطر استاذ عبدالعزيز. ما قلته هو عين الحقيقة. فالجنوب لم ينفصل إلا بسبب العيب المغروس في دواخلنا والذي ان لم نسعى لإزالته وقبره سوف يفضي الى مزيد من التمزق والتشرذم والإنقسام وتجزئة بلدنا الى العديد من الدويلات المتناحرة كما يريد ويشتهي ويخطط مرضى النفوس والمعاتيه من جماعة مثلث حمدي. عندما تم تقسيم برلين الى برلين شرقية وبرلين غربية اعتقد البعض ان هذه نهاية التاريخ وان برلين الشرقية سوف تظل شرقية والغربية سوف تظل غربية وبينهما جدار لا يمكن تجاوزه. ولكن عندما حانت اللحظة المناسبة التي التقت فيها القلوب ورفرفت حمائم السلام انهار الجدار بمنتهى السهولة وعادت برلين موحدة. من ليس هنالك اقذر وارخص وأحط من طرد مواطنين عزل ابرياء من منازلهم في الشمال واجبارهم على العودة الى الجنوب. لكن من يسن قانون “الوجوه الغريبة” والذي يمثل في تقديري “اغرب وأقذر قانون في الوجود” ومن يدعي انتماءه الى بيت النبوة وينطلق من اوهام التفوق الديني والاثني والثقافي لا يستغرب منه فعل ذلك. ما من شك ان هذه الحرب اللعينة سوف تنتهي بإذن الله وسوف ينهض الشعب السوداني العظيم وسوف يتوحد السودان ويعود افضل مما كان. اما ارباب الكراهية والعنصرية واوهام التفوق واصحاب العلل والغطرسة والنفخة الكذابة فلن يجنوا إلا الحصرم. هذه هي دروس التاريخ. وهذا هو ناموس ربنا في الارض. فالزبد مصيره ان يصبح جفاء والفسدة والقتلة واللصوص مصيرهم الى مزبلة التاريخ تطاردهم اللعنات الى يوم الدين.

  4. مقال عاطفي يدغدغ العواطف وكلام انشائي فارغ يدحضه واقع ان الجنوبيين لم يفرض عليهم احد الانفصال هم صوتوا في استفتاء عالمي نظمته و راقبته كل الدوائر الغربية وكان نزيها شفافا عبر عن بكل حياد غن وجهة نظر الجنوبيين وتم الانفصال بملء ارادتهم ورفضهم التام للعيش ضمن سودان موحد وفضلوا الانفصال لماذا يصر البعض من الشماليين السذج على مصادرة راي الحنوبيين ويصورهم كانهم شعب غبي و بلا ارادة وماعارف مصلحتة ويطبق عليهم الوصاية والابوية وانهم ناس مساكين ما عندهم عقل وناس يسهل غشهم والكذب عليهم الجنوبيين قالوا ليك ما عايزين معاك دولة لماذا هذا الاصرار الغريب على تصويرهم بانهم شعب ساذج تم غشه وخداعه حتى يصوت لصالخ الانفصال؟ الشماليبن ديل ما عاقلين والله لماذا هذا التسلط وفرض وجهة نظرهم على الحنوبيين!! يوم واحد ما قرينا لجنوبي او سمعنا جنوبي في الميديا او عبر المواقع طوال ١٥ عام هي عمر الانفصال قال انه ندمان على انفصال الحنوب غن الشمال وانه عايز يرحع ضمن سودان واحد او قال انه بيحن لانه يكون عايش مع الجلابة في دولة واحدة يا عالم اتركوا الجنوبيين في حالهم وما تطبقوا الوصاية عليهم ده شعب حر يعمل العايزه ينفصل يتوحد يفعل ما يراه في مصاحته ويتحمل عواقبه في مسؤولية جنوب السودان اصبحت دولة قائمة بذاتها وتناول الامر بهذه الطريقة فيه تدخل سافر في شأن دولة جارة ومحاولة مصادرة ارادتها وخياراتها فعيشوا حياتكم يا شماليبن يا سذج وما تتعلقوا بالاوهام والخزعبلات والاوهام ساي ودمتم سالمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..