مقالات وآراء

توت قلواك عقل الترابي وقلب الجنوب: ملحمة الرجل الذي لم يخطئ طريق النار 

عمار نجم الدين

في جوبا، حيث تختلط الصلاة بالمؤامرة، يعود الثعلب ليعيد رسم خرائط الجنوب بالنار والابتسامة معاً.
رضينا أم أبينا، يبدو أن الرئيس سلفاكير ميارديت اختار أن يُعيد الرجل الذي لا يخطئ طريقه إلى مركز اللعبة توت قلواك مانيمي، المستشار الأمني الذي يجيد السير على الحبال الدقيقة دون أن يسقط، ويمسك بالخيوط المتشابكة كما لو كانت خيوط دمى يحركها بعينين لا تنامان.
في سنواته الماضية، استطاع توت أن يقدّم نفسه للسودانيين بوصفه رجل السلام الذي يعرف كيف يجمع الأضداد في قاعة واحدة، حين جلسوا في جوبا لتوقيع اتفاق سلام بدا حينها كالمعجزة، إذ لم يجتمع أبناء السودان على طاولة واحدة منذ أكثر من ثلاثة عقود. كان ذلك المشهد بمثابة تتويج لمهارة رجل يعرف جيدًا كيف يصنع السلام الذي  كأنه حلم، ويقنع الجميع أن النار يمكن أن تصبح ماءً.
توت قلواك  2020 م هو من جعل القائد عبد العزيز الحلو يلتقي وجهاً لوجه مع قائد قوات الدعم السريع، وجعل تلك الجلسة – رغم ثقلها التاريخي و العداء الغير مخفي – تبدو وكأنها عفوية، لكنها في الواقع كانت ثمرة دهاء سياسي يحترف صناعة المصادفات. في تلك اللحظة، تكسّرت كثير من العثرات التي ظلّت حاجزاً بين مشروعين متناقضين، وربما فُتحت أبواب أخرى لم يكن أحد يتوقعها و ( تأسيس ) مختلف للسودان .
لكن ما يثير القلق الآن ليس قدرته على جمع المتناقضات، بل قدرته على تحريكها حين يشاء.
فتوت ليس مجرد رجل سلام… هو الثعلب الذي يعرف كيف يشعل عود الثقاب بيد، بينما يمسك بعلبة البنزين في اليد الأخرى.
فهو القادم من عمق التجربة الإسلامية في الخرطوم؛ تربّى بين دُور المؤتمر الوطني وممرات جهاز الأمن والمخابرات  و قيادة  الاستخبارات العسكرية و بيت  الشيخ  في المنشية، وتشرّب السياسة من موائد السلطة قبل أن يتذوّق طعمها كاملاً في G 1  حمل في ذاكرته كل دهاء الخرطوم، وكل غموض جوبا.
الآن، وقد اشتعلت الخرطوم، وانفرط عقد اتفاقية السلام التي صنعها بمهارته،
عاد توت قلواك إلى المسرح في لحظة تداخل فيها الأصدقاء والأعداء.
أصدقاؤه القدامى في الخرطوم أصبحوا اليوم خصوماً لعبد الفتاح البرهان، وخصومًا لشيوخ الحركة الإسلامية ومعسكر تركيا وقطر، فيما يقف على الضفة الأخرى صديقه محمد حمدان دقلو (حميدتي) يقاتل رفاق الأمس، مسنودًا من الإمارات والولايات المتحدة الأمريكية سياسياً .
بلدان توحّدهما الجغرافيا وتفرّقهما المصالح، واحدة تشتعل بالنار، والأخرى تقف على صفيح ساخن.
وسط هذا المشهد الملتهب، يعود توت قلواك كمن يحمل دلو ماء في يد وعلبة جاز في اليد الأخرى.
فهل سيبرد النار التي تحت الصفيح؟
أم يضع مزيدًا من الجمر تحتها ليظل هو وحده من يعرف متى يرفع الغطاء؟
السؤال الأهم: هل يستطيع هذا الثعلب السياسي أن يجلس المتخاصمين مرة أخرى في قاعات فندق “Pyramid Continental”؟
هل يمكن أن يعيد ذلك المشهد الذي حدث في 2020، حين اجتمع السودانيون لأول مرة منذ عقود على طاولة واحدة؟
ربما لا، فالجنوبيون ما زالوا يحملون مرارة الذبح الذي حدث لمواطنين على يد كتائب البرهان الإخوانية،
وما زالوا يتذكرون أمهاتٍ رُمين بعد فصلهم عن أبنائهن داخل حدود الجنوب — مشهد فطر القلوب وترك في الذاكرة غصّة لا تزول بسهولة.
ومثلما كان الشيخ حسن الترابي يوماً الثعلب الذي يدير التناقضات ويحوّل الخصومة إلى صداقة ثم يعيدها إلى خصومة بلمسة إصبع،
يبدو أن توت قلواك يسير على خطا شيخه ، ولكن بطريقته الخاصة.
فهو ابنٌ لتلك المدرسة التي تتغذّى على الأضداد وتعيش من تناقضاتها.
يفكر بعقل الترابي… لكنه اختار في “المفاصلة” أن يكون في القصر لا في المنشية.
انحاز للسلطة لكنه لم يفقد قدرته على التواصل مع الجميع — صديق للحركة الشعبية، ورفيق قديم للإسلاميين، يبتسم للجميع وكأن قلبه يتسع لمعارضين ومؤيدين في آنٍ واحد.
توت يعرف أن السياسة في الجنوب لا تُدار بالخطب، بل بالعلاقات.
لذلك ظلّ يربط العُرى الاجتماعية والسياسية كمن ينسج شبكة صيد حول النهر، لا ليمسك بالسمك فحسب، بل ليتحكم في حركة الماء ذاته.
ورغم أن جوبا تتنفس الليبرالية وتحتضن الخطاب المدني، فإن توت قلواك ما زال يتمسك بصلواته ونسكه ،
يُصلي في الصباح، ثم يجلس في المساء ليقرأ خريطة المصالح كما يقرأ رجل دين كتابه قرآنه.
تلك الثنائية بين الورع والمكر، بين الإيمان والسياسة، هي ما تجعل الرجل خارج التصنيف التقليدي
فهو ليس شيخًا، ولا رجل دولة فقط، بل تلميذ في مدرسة الترابي القديمة…
الثعلب الذي تعلّم أن يبتسم وهو يعبر بين النيران.
الآن، وقد عاد الثعلب إلى القصر، تتجه الأنظار إلى G 1 كما كانت تتجه من قبل إلى “المنشية”.
الفرق الوحيد أن الخرطوم تحترق هذه المرة، وجوبا تمسك بخرائطها على الطاولة،
وفي المنتصف يقف توت قلواك، بين ذاكرة الإسلاميين ودهاء الترابي، وبين واقعية سلفاكير وتوازناته القبلية والسياسية.
لكن التناقضات في جوبا نفسها لا تقل اشتعالاً عن الخرطوم؛
فالحركة الشعبية التي كانت ذات يوم مشروعاً للتحرر، أصبحت ساحة صراع بين جيلين:
جيل الثورة الذي حمل البندقية في الغابة، وجيل السلطة الذي اعتاد المكاتب .
المعارضة تنظر بعين الريبة إلى جوبا،
والجيش الشعبي نفسه لم يعد جيشاً الجيش الشعبي القديم ذاته الذي كان  .
وهنا يظهر السؤال الأهم:
هل يستطيع توت قلواك أن يعيد عقارب الساعة إلى ما قبل عام 2005؟
هل يملك الجرأة ليقلب الطاولة رأساً على عقب، ويُعيد قدامى المحاربين إلى المسرح بضربة لازب؟
هل يمكن أن نرى وجوهاً تاريخية مثل باقان أموم، دينق ألور، ونيال دينق نيال تعود إلى جوبا مرة أخرى بتوافق بين سلفاكير و بين قدامى المحاربين ؟
هل سيختار الرجل أن يكون الترابي الجديد في الجنوب،
أم يتحوّل إلى عبد الفتاح البرهان آخر — ثوراً في مخزن الخزف، يكسر ما تبقّى من توازن؟
يعرف توت قلواك أن الجنوب يقف الآن عند مفترق طرق:
إما أن يُعيد ترتيب بيته الداخلي على أسس جديدة،
أو يترك الصدع يتسع حتى تبتلع جوبا نفسها و تكون خرطوم أخرى .
ولأنه الثعلب الذي لا يعيش في الغابة فقط بل في عقول الجميع،
فإنه — كما العادة — سيُشعل النار بقدر ما يحتاج من الضوء ليرى طريقه هو، لا طريق الآخرين.
وهكذا يبقى السؤال معلقًا:
هل يعود توت قلواك ليصنع سلامًا جديدًا، أم ليكتب فصلاً آخر في لعبة النار والجاز؟
الإجابة ليست في البيانات الرسمية، بل في تلك الابتسامة التي تعودنا أن نراها على وجهه —
ابتسامة الشيخ الذي يصلي في الصباح… ويدير اللعبة في المساء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..