
يتفق المفكرون و المحللون السياسيون المهتمون بالواقع السياسي السوداني Thinkers & Political Analysts، على أن نظام الحكم الديموقراطي، و بناء على ماهية و طبيعة الديموقراطية و واقع السودان، يعد النظام الأفضل لحكم السودان. ذلك أن واقع السودان الموسوم بالتعددية العرقية و الثقافية و الدينية، علاوة على التعقيدات الكثر التي تسم هذا الواقع، في شتى المناحي، تجعل من أفضلية الديموقراطية أمراً
حيوياً يستوجب التبني و التطبيق.
كما أن النظام الديموقراطي يعرف، ضمن تعريفاته العديدة، على أنه (حكم الشعب بالشعب و للشعب)، و يؤسس لدولة القانون State of Law، بالإضافة إلى أنه يقوم على مباديء الحرية Freedom و الشفافية Transparencyو المساءلة Accountability، ما يفتح الباب على مصراعيه لتحقيق الأهداف النهضوية المنشودة بالبلاد. و لا شك في أن أفضلية هذا النظام تعضدها حقائق التاريخ و الواقع السياسي الدولي التي تؤكد، مجتمعة، على قدرة هذا النظام علي تهيئة الظروف لتحقيق النهضة الشاملة في العديد من دول العالم. و بناء على ذلك، فقد أدركت القوى السياسية بالسودان هذه الحقيقة و ظلت مساعيها تتوالى من أجل توطين و ترسيخ النظام الديموقراطي. لذا فقد شهدت البلاد ثلاث فترات حكم ديموقراطي، كانت مرشحة للتطور، سعيا وراء تحقيق النهضة، لكن عوامل و مسببات عدة تسببت في تقويضها.
يقول الكاتب و المفكر السياسي الإسلامي المصري النابه خالد محمد خالد، في مؤلفه (الديموقراطية أبداً) و الذي إستعرت منه عنوان هذا المقال، يقول: (إن التاريخ ليلوح لنا بكلتا يديه، و في يمينه تجربة و عن يساره تجربة و كلتاهما تؤكد على أن الشعوب التي لا تدافع عن حرياتها تموت و تنقرض). و هذا القول يدلل، دون ريب، على القيمة العالية للحرية و التي لا تتأتى إلا في ظل الديموقراطية، ما يجعل التخاذل عن الدفاع عن هذه الحرية، بحسبه، قرينا للموت و الإنقراض. و ليس ثمة من شك في أن ديننا الإسلامي قد سبق كل المعتقدات إلى إقرار الحرية كقيمة إنسانية و حق بدهي، كما سبق القوانين الحديثة إلى إقرار الحريات الأساسية Fundamental Freedoms و تأكيدها.
وبذا تتعزز قيمة الديموقراطية بل و تغدو،كنظام حكم، أيقونة حقيقية مقارنة بغيرها من نظم الحكم الأخرى، حسبما تدل على ذلك تجارب الدول الديموقراطية في الماضي و الحاضر. و لا شك في أن المتأمل في ماضي و راهن الدول التي طبقت نظام الحكم الديموقراطي، يقف على ما شهدته و ظلت تشهده هذه الدول من تطور و نهضة شاملة طالت مجالات عدة. و قد حققت الدول المعنية، بفضلها، قفزات حضارية Civilizational leaps مقدرة خلال فترات حكمها.
من جهة أخرى، فإن من المفارقات المؤسية التي تعري العقل السياسي Political mind و الحس الوطني لبعض القوى السياسية السودانية، أنها تقف ضد الديموقراطية نظراُ لأنها تتقاطع مع مصالحها. هذه ليست من نسج الخيال بل حقيقة يؤكدها الواقع و ظلت تمثل موقفاُ ثابتا تبنته هذه القوى و عرفت به. و الغريب في الأمر أن هذه القوى غالبا ما تغلف موقفها هذا بدعم زائف للديموقراطية تدعى من خلاله أنها تؤمن بها كنظام حكم أفضل لحكم البلاد، في حين أن موقفها يستبطن إزوراراُ عن و عداءُ للديموقراطية. و غالباُ ما يكون سبب وقوف الكثير من هذه القوى ضد الديموقراطية هو صغر حجمها الناتج عن قلة جماهيرها و بالتالي خشيتها من نتيجة خوض أي إنتخابات في ظل الديموقراطية. و بدلاُ عن إحترام هذه القوى للعبة السياسبة و العمل وسط الجماهير للتبشير ببرامجها الفكرية و السياسية، فقد فضلت تبني موقف معادي للديموقراطية.
و قد دفعها موقفها هذا للبحث عن مصلحتها عبر الإرتباط بالحكومات العسكرية التي تتبنى، خلال فترات حكمها، أنظمة حكم ديموقراطي زائفة تحاول من خلالها إضفاء ديموقراطية على أنظمتها العسكرية التي تكون في الأصل إنقلبت على حكومات ديموقراطية.
و مما يجدر تأكيده أنه ليس من الموضوعية في شيء محاربة الديموقراطية أو الوقوف ضدها بحجة أنها فشلت، أو اللجوء لربطها بشخوص معينة مع شيطنتهم بغرض قطع الطريق عليها. هذا السلوك يمثل بالطبع عداء سافرا للديموقراطية الحقة و يعكس موقفا لا يمت إلى الوطنية بصلة. و هو يمثل، من بعد، عقبة كأداء ظلت تقف في طريق تطبيق الديموقراطية.



