مقالات وآراء

حلم المدينة المفقود: من وثيقة المدينة إلى نقد العقل السياسي في حكم الإسلاميين

 

في التاريخ لحظات تأسيسٍ تظلُّ تتردّد أصداؤها في الوجدان الإنساني مهما تباعد الزمن. من بين تلك اللحظات الفارقة، تقف وثيقة المدينة، بوصفها أوّل عقد اجتماعي في الإسلام، جمع بين المختلفين على قاعدة العدل والحرية والمساواة، وأسس لدولةٍ تُدار بالعقل والضمير، لا بالعصبية أو المصلحة الضيقة.

كانت تلك الوثيقة حلمًا إنسانيًا قبل أن تكون نصًا سياسيًا، حلمًا في أن تتعايش العقائد والأعراق على أرضٍ واحدة تحت سقف القانون والكرامة.

لكن الحلم، حين عبر القرون إلى أرض السودان، كان قد فقد شيئًا من صفائه الأول. فعندما وطئت الحركة الإسلامية أرض السودان، كانت ترفع شعارات الدين والعدل والشورى، وتستحضر بعضًا من مبادئ وثيقة المدينة في خطابها الأول، لكنها – في لحظة التحوّل من الدعوة إلى الدولة – بدّلت روح النص بجسد السلطة. إذ سرعان ما تحوّل الوعد إلى وعيد، والمبدأ إلى أداة، والدين إلى سُلَّمٍ يُرتقى به نحو الكراسي لا نحو القيم.

هنا يمكن أن نستدعي ما قاله ريجيس دوبريه في كتابه نقد العقل السياسي:

“للعقل السياسي أسبابه التي يجهلها العقل”.

فالفعل السياسي، كما يراه دوبريه، لا يصدر من عقلٍ واعٍ وحده، بل من بُنى خفية تحكمه — من رموز ومقدسات وأوهامٍ متوارثة تتخفّى خلف الخطاب. ولو أسقطنا هذا الفهم على تجربة الإسلاميين في السودان، لرأينا كيف تحوّل الدين من منظومة قيم إلى منظومة سلطة، وكيف صارت الرمزية المقدسة غطاءً لشرعنة الإكراه، حتى غدت الدولة كائنًا يتغذّى على الخوف، لا على الإيمان.

لقد حاول الإسلاميون بناء “مدينتهم الفاضلة” على ركام المدينة الأولى، لكنهم لم يدركوا أن وثيقة المدينة لم تكن تُبنى على النيات الحسنة أو الشعارات الكبرى، بل على التعاقد الحرّ والعدل بين الناس. ففي زمن النبي ﷺ كانت الحرية العقائدية مصانة، والعدالة ميزانًا، والمرجعية لله وللحق، لا لجماعةٍ تُنصّب نفسها وصيّة على الدين والوطن.

أما في السودان، فقد تشابكت المصالح بالدم، وتحولت قيم المدينة إلى شعارات جوفاء، تبرّر القهر باسم الإيمان، وتُقصي باسم الطهر، وتُحاكم الضمير باسم الشريعة.

وهكذا بدا وكأنهم عقدوا اتفاقًا مع الشيطان الذي خرج يومًا من حصون بني قينقاع، في مكانٍ ما على أرض السودان، ليبسط ظله الثقيل على البلاد. ظهرت الفظائع في كل دربٍ من دروب الوطن، وصار الخراب رفيق المدن والقرى. والآن، حين يتصاعد دخان الحريق السوداني، يبدو أن ذلك الاتفاق المشؤوم بلغ تمامه؛ فالرماد وحده هو من يتكلم، والبلاد تسير بين أطلال الحلم المكسور، بين ما كان يمكن أن يكون، وما لم يكن قط.

ولو التزمت الحركة الإسلامية بمبادئ وثيقة المدينة، لكان السودان اليوم دولة أخرى يشار إليها بالبنان، قوةً وفعلًا حميدًا، بعلاقات طيبة تُبنى مع دول العالم وفق المصالح المتبادلة، مجتمعًا يسوده التعاون والعدالة، تلتقي فيه الحرية بالمسؤولية، والمصلحة الفردية بالمصلحة العامة، ليصبح نموذجًا يُحتذى في المنطقة والعالم.

ولو كان من بين منتسبيها من يُجيد القراءة ويُسمع له، لكانت أفكار مثل أفكار ريجيس دوبريه وغيره من مفكري وكتّاب العالم الحر مكتبةً تُوضع في الحس الإنساني لهم — إن كان لهم حسٌّ أصلًا — ويُستفاد منها، بدل أن تُهدر في ضجيج الشعارات وعمى الأيديولوجيا.

في النهاية، يظل حلم المدينة قائمًا، يتردّد في الذاكرة كنداءٍ قديم، لا يخصّ زمنًا بعينه بل الإنسان كلّه. فالمدينة التي وعد بها النبي ﷺ ليست جغرافيا، بل ضميرٌ حيّ، ما زال ينتظر من يحييه بالعدل والحرية، لا بالشعار والسيف.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..