
من هامش دارفور إلى قلب الخرطوم، يسير محمد حمدان دقلو المعروف بـ “حميدتي” في مسار جمع بين القوة العسكرية والثراء المعدني، ليصبح رمزًا للدولة الموازية التي تولد من ضعف الدولة الرسمية وتدخل الأطراف الإقليمية لتسخيرها في مصالحها. هذه قصة رجل لم يكن مجرد قائد ميليشيا، بل خلاصة نظام رعى القسوة والنهب، وصورة عن لعبة أكبر من نفسه، حيث يُدار الذهب والبندقية لتحقيق النفوذ والسيطرة.
لم يكن محمد حمدان دقلو، المعروف بـ “حميدتي”، تاجر حمير كما تواترت بعض الروايات الشعبية، بل بدأ حياته تاجرًا للإبل والأغنام، متنقّلًا بين تشاد وليبيا ومصر. كان شابًا من أسرة تنتمي إلى قبائل متاخمة للحدود، جزء منها في السودان وآخر في تشاد، ما جعل انتماءه الهويّاتي والسياسي موزعًا بين وطنين، لا يثبت على أحدهما تمامًا. تلك الهشاشة في الجذر كانت بذرة تكوينه: لا إلى وطنٍ انتمى، ولا إلى فكرةٍ استقرّ.
في سنواته الأولى، شكّل حميدتي مجموعة مسلّحة لحماية قوافله التجارية، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى ميليشيا تهاجم القوافل نفسها. فالرجل الذي قيل إنه يحميها، كان يختبر أول دروس السلطة في الهامش: أن تكون القاطع والحارس في الوقت ذاته. ومن تلك الفوضى وُلدت أول ملامح مشروعه: سلطةٌ لا تنشأ من الشرعية، بل من البندقية.
كان حميدتي وموسى هلال على وفاق تام، فهنالك قرابة بين الرجلين، وعندما بدأ عوده يشتد وازداد الطموح، فولى نظره ناحية الخرطوم وطلب من موسى هلال، الذي له صلات بالبشير، أن يجمعه بالبشير. وقد كان له ما طلب، وكانت البداية لانطلاق مشروعه التوسعي. هذه الخطوة كانت لحظة تأسيسية لعلاقته بالسلطة المركزية، فقد وجد فيه البشير رجلًا يمكنه خوض الحروب التي لا يريد الجيش الرسمي خوضها. ومن تلك العلاقة بدأت صناعة “رجل النظام الموازية”.
وفي لحظة خالية من أي حسٍّ إنساني أو وطني، أهدى البشير لحميدتي جبل عامر — الجبل الذي يفيض بالذهب والكوبالت والأحجار الكريمة، والذي يُعد من ممتلكات الدولة لا الرئيس. لكن الجبل صار بوابته الكبرى إلى الثراء، ومصدر قوته الاقتصادية التي دعمت سطوته العسكرية لاحقًا. لقد أدرك البشير مبكرًا أن الذهب يمكن أن يصنع ولاءً أسرع من الأيديولوجيا، لكنه لم يدرك أنه يصنع أيضًا طاغيةً جديدًا.
وبعد أن جمعه البشير، ومع تصاعد الصراع في دارفور، انخرط حميدتي في عمل قوات الجنجويد التي أسسها موالون للبشير من المنطقة، حيث أسندت لهم مهمة التجنيد والتسليح، بينما بدأ حميدتي يوسّع نفوذه تدريجيًا ضمن هذه الحلقة الجديدة. ومن هناك بدأ تحوّله من تابع صغير إلى رجل تصنعه السلطة وتخشى انفلاته منها. كان يعمل في الظل، لكنه يتعلّم بسرعة كيف تُدار الحروب وكيف تُشترى الولاءات.
غير أن التحوّل الأخطر جاء حين انقلب على موسى هلال نفسه، معلمه الأول وصاحب الفضل عليه. جيء به مكبلاً على متن طائرة، في مشهد بثته وسائل الإعلام كإعلان لتحوّل القوة من يد إلى أخرى. وقد علّق حميدتي على ذلك لاحقًا في أحد البرامج بقوله: “لقد جئنا به مكبلاً وبشكل يشبه هيئة الشيطان.” كانت تلك اللحظة ذروة نرجسيته، وولادة صريحة لغروره العسكري، الذي لم يعد يرى في أحد فوقه سلطانًا.
في إحدى البرامج، سأله المذيع: كيف لك أن تكون برتبة لواء وأنت لم تدخل الكلية الحربية وليس لك علاقة بالمؤسسة العسكرية؟ فكانت إجابته تساؤلًا فاضحًا أدمع الرتبة التي على كتفه: “لقد قدمت الكثير جدًا من الخدمات للدولة ولحكومة البشير، فهل هذه الرتبة كثيرة علي نظير تلك الخدمات التي قدمتها؟” تكشف هذه الإجابة فلسفة حميدتي في السلطة: الولاء المادي والخدمي يصنع الرتب أكثر من الشرعية أو الخبرة العسكرية.
بمرور الوقت، تحوّلت قوات الجنجويد إلى قوات الدعم السريع، وأُضفي عليها غطاءٌ قانوني جعلها جيشًا داخل الجيش. كانت ذراع النظام التي تُنفّذ ما لا يريد الاعتراف به رسميًا، بينما كان حميدتي ينسج شبكته الخاصة من المصالح والعلاقات، داخليًا وخارجيًا.
هنا تحديدًا دخلت الإمارات العربية المتحدة على الخط. التقطت الرجل في لحظة كان فيها النظام السوداني يتآكل من الداخل، فرأت فيه البوابة الأيسر نحو ثروات السودان المعدنية. لم يكن دافعها كما يُروّج “محاربة الإسلاميين”، بقدر ما كان سعيًا للنفوذ والسيطرة على الموارد. فالقضاء على الجماعة الإسلامية، إن أرادت، له ألف طريق غير قتل وتشريد ونزوح شعب بأكمله. كانت الحكاية الحقيقية في الذهب، لا في العقيدة. ومن هنا صار حميدتي بوابتها الذهبية إلى السودان، وواجهة مصالحها في الإقليم.
لاحقًا، ومع اتساع نفوذه، أصبح حميدتي شريكًا معتمدًا في ملف الهجرة غير الشرعية، حيث تلقّى أموالًا أوروبية لقاء دوره في منع عبور المهاجرين نحو المتوسط — وهو دور منوط بأجهزة الدولة، لا بقائد ميليشيا. لكن الغرب، كعادته، يختار من يخدم مصالحه ثم يُغضّ الطرف عن الكيفية.
ومع سقوط نظام البشير جراء اندلاع ثورة سبتمبر 2019، شهد السودان لحظة تحوّل مفصليّة. الثورة التي انطلقت احتجاجًا على الفقر والفساد واستشراء العنف الممنهج، فجرت كبتًا طويلًا وأعادت الأمل في بناء دولة مدنية. قبل الثورة، كان السودان يعيش في ظل نظام مركزي متهاوي، حيث كان الإقليم يُدار بالقوة والولاءات، بينما بعد الثورة، حاولت القوى المدنية والمفكرون والأحزاب المعارضة إعادة رسم السياسات وبناء مؤسسات الدولة.
لكن حميدتي، الذي لم يكن جزءًا من الثورة نفسها، وجد الفرصة لتمتين نفوذه. تولّى رئاسة اللجنة الاقتصادية في خطوة فارقة ومهينة لأصحاب الشأن الاقتصادي من مفكرين وعلماء، وكأن القرار الاقتصادي انتقل من عقول الخبراء إلى يد رجل المليشيا. والغريب في الأمر أن مكانه في اللجنة كان إلى جانب عبدالله حمدوك، رئيس مجلس الوزراء آنذاك، في واحدة من أكثر المفارقات وضوحًا في الفترة الانتقالية.
كثير من القرارات، التحالفات، وحتى توزيع الموارد الاقتصادية أصبح يُدار وفق مصالحه ومصالح شبكته الخاصة، بعيدًا عن أي رؤية وطنية. هنا ظهر بوضوح أن الدولة الموازية لم تكن مجرد قوة عسكرية، بل منظومة اقتصادية وسياسية تتقاطع مع مصالح القوى الإقليمية والدولية، فتُسخّر الذهب والبندقية والولاءات لإدامة نفوذ الفرد، لا خدمة الشعب أو الوطن.
ومع تصاعد التوتر الخفي بينه وبين المؤسسة العسكرية، والذي ظلّ يتراكم لسنوات تحت السطح، جاءت لحظة الانفجار إثر الانقلاب على الحكومة المدنية وبداية الحرب التي اندلعت بين قوات الدعم السريع والجيش. لم تكن تلك الحرب سوى نتيجة طبيعية لمسار طويل من تضارب المشروعين: مشروع الدولة، ومشروع الرجل الذي أصبح دولة داخل الدولة. وفي الأيام الأولى للقتال، انتشرت معلومات موثوقة تشير إلى إصابته إصابة بالغة، بل إلى مقتله في إحدى العمليات التي جرت في الخرطوم، قبل أن يختفي تمامًا عن المشهد، وكأن الأرض ابتلعته فجأة.
لكن ذلك الاختفاء، الذي دام أشهر طويلة، لم يكن نهاية الحكاية؛ بل بدا بداية فصل أكثر غموضًا. فظهوره المفاجئ لاحقًا في تسجيلات مصورة أثار من الريبة أكثر مما أثار من الطمأنينة، فالرجل الذي ظهر لم يكن هو الرجل الذي عرفه السودانيون في الصوت ولا الحركة ولا قسمات الوجه. بدا كنسخة مُعاد إنتاجها، أقرب إلى صناعة مخبرية منه إلى بشر خرج من حرب ميدانية. وفي الخلفية، كانت همسات تتردد حول جهة إقليمية تمتلك القدرة والتقنية والمال لإعادة تشكيل الأشخاص كما يُعاد تشكيل الولاءات، جهة لا ترى في وجوده إلا ضرورة لاستمرار الحرب وإدامة الفوضى، لأن الفوضى هي سرّ نفوذها الأكبر في السودان، ووسيلتها للسيطرة على الذهب والأرض والممرات الحيوية.
لقد بدا ذلك الظهور وكأنه إعلان صامت بأن الرجل، بشكله الحالي، لم يعد ملكًا لنفسه ولا لقواته، بل لدوائر إقليمية تصنع الرموز كما تصنع الخرائط، وتستنسخ القادة كما تستنسخ الصراعات، وتُبقي الحرب مشتعلة كي لا تقوم للسودان قائمة تستعيد فيها الدولة قرارها وسيادتها. فوجود نسخة من حميدتي، سواء كانت بشرية أو سياسية، كان يعني ببساطة أن الحرب يجب أن تستمر، وأن مشروع الدولة الموازية لن يُسمح بسقوطه ما دام يخدم من يستثمرون في موت الشعوب ونهب البلدان.
ومع استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي في السودان، أصبح نفوذ حميدتي أعمق وأكثر تشابكًا. فمن جهة، يعزز صورته كرجل قادر على ضبط الأمن وتوفير مصالح اقتصادية، ومن جهة أخرى، يفرض سيطرته على مفاصل الدولة، بحيث تتراجع أي محاولة للمساءلة أو المحاسبة. أما المجتمع المدني، فقد وجد نفسه في مواجهة مستمرة مع قوة منظمة، مدعومة دوليًا، ومتجذرة اقتصاديًا، تجعل من المواجهة المباشرة شبه مستحيلة.
في النهاية، تظل قصة حميدتي نموذجًا صارخًا لتشابك السلطة العسكرية مع الثروات الطبيعية، وكيف يمكن لرجل أن يصنع لنفسه إمبراطورية داخل دولة، مستفيدًا من ضعف المؤسسات الرسمية، وحاجة القوى الخارجية إلى حلفاء محليين يضمنون مصالحها. إنها قصة عن الذهب الذي يفتح أبواب الولاءات، والبندقية التي تُسقط الحدود بين الشرعية والقوة، بين الولاء للدولة وللذات، وبين السلطة والحرب الاقتصادية المستترة.
يستمر السودان في منعطفاته الحرجة، حيث يبقى السؤال قائمًا: هل يمكن للدولة المدنية أن تستعيد زمام القرار والسيطرة على مواردها، أم أن رجال السلطة الموازية مثل حميدتي سيظلون هم من يكتبون مصير البلاد؟ في هذا السؤال، تكمن مأساة السودان الحقيقية، بين الذهب والبندقية، وبين الولاءات والمصلحة الشخصية، وبين الحلم بالدولة وبين واقع النفوذ الموازٍ. والسؤال الأكثر إحراجًا: هل توقف أصحاب الفكر والشهادات العليا، الذين يلتفون حوله كما يلتف النمل حول قطعة من الحلوى، لحظة واحدة ليسألوا أنفسهم بصدق: هل نحن فعلاً صادقون مع وعينا الأكاديمي والأخلاقي، أم أننا مجرد مراقبين صامتين لأطراف اللعبة الكبرى؟



