مقالات وآراء

الهوية الممزقة أم الهوية العابرة؟

زهران ممداني: إعادة قراءة الهامش الجنوبي والشمال الرأسمالي

 

في زمنٍ تتصدّع فيه خرائط الهوية، ويُعاد تعريف “من هو المواطن” و“من يملك الحق في الانتماء”، والهامش يظل هامشا تابعا والمركز مركزا، يطلّ فوز زهران ممداني في الولايات المتحدة كحدثٍ يتجاوز السياسة الانتخابية إلى ميدان الفلسفة السياسية ذاتها. فالمسألة لم تعد تتعلّق بطموحات شاب مهاجر فاز بمنصبٍ رفيع، بل بتجسّد حيّ لسؤالٍ أعمق: هل يمكن للهوية أن تكون عابرة بل جسرًا لا قيدًا؟ وهل يمكن أن يتكلّم الجنوب المهمّش بلسان الشمال دون أن يفقد ذاته وفكره؟

وُلد زهران ممداني في كمبالا، العاصمة الأوغندية، لأبٍ هو المفكر المعروف محمود ممداني – أحد أبرز منظّري “ما بعد الاستعمار” في أفريقيا – وأمٍّ هندية الأصل هي المخرجة العالمية ميرا نير. ومنذ طفولته، كان يعيش على تخوم الجغرافيا والهويات: هنديّ الدم، أفريقيّ المولد، وأميركيّ التكوين. وفي هذه المسافة بين الأطراف، بدأت تتكوّن رؤيته للسياسة باعتبارها مساحة عبور، لا خندق انتماء.

حين خاض انتخابات نيويورك، لم يُقدّم نفسه بوصفه “المهاجر الناجح”، بل بوصفه صوتًا لمن لم يجدوا مكانهم في خطاب المدينة. تحدّث عن السائقين والباعة والعاملين في المطاعم والنظافة، وعمال الدهانات، أولئك الذين يصنعون يوم المدينة دون أن تُصنع لهم سياسة تُنصفهم. حملته لم تكن عن “تمكين المهاجرين”، بل عن إعادة تعريف من هو المواطن في المدينة الحديثة. وهنا يكمن التحوّل الحقيقي الذي أحدثه ممداني في الخطاب الديمقراطي الأميركي.

لقد قدّم فهمًا وقيمًا جديدة للهوية، ليس بوصفها جوهرًا ساكنًا، بل كعملية تاريخية متحرّكة. في خطابه ليلة النصر قال: “هذه المدينة لكم… وهذه الديمقراطية لكم أيضًا.” كان كمن يعلن أن الانتماء ليس امتيازًا جغرافيًا أو عرقيًا، بل فعل مشاركة. في فكر ما بعد الاستعمار – الذي ورثه عن والده كفكر – تُفهم الهوية كنتاج تفاعلٍ مستمر بين الذات والمكان، بين الذاكرة والحاضر، بين الجنوب الذي أتى منه المهاجر والشمال الذي وجد نفسه فيه.

بهذا المعنى، لا يحمل ممداني “هوية ممزقة” بين عالمين، بل يجسّد هوية عابرة تتجاوز ثنائية الأصل والمستقر. هو لا يختار بين أن يكون أفريقيًا أو أميركيًا، بل يخلق صيغة جديدة: أن يكون الاثنين في آنٍ واحد، دون خيانة لأيٍّ منهما.

أما في رؤيته للمهاجر، فلا مكان للشفقة أو التراتب؛ فالمهاجر ليس موضوعًا للسياسة بل صانعٌ لها. طوال عقود، صُوّر المهاجر ككائنٍ يحتاج إلى “إدماج”، وكأن وجوده طارئ على الجغرافيا السياسية. لكن ممداني قلب المعادلة حين تحدّث عن العدالة الاقتصادية وحقوق العمّال، من موقع الفاعل لا المتلقي. ففوزه لم يكن مجرد حدثٍ انتخابي، بل إعلانًا عن تحوّلٍ في معنى الديمقراطية نفسها: من ديمقراطية المركز الأبيض إلى ديمقراطية الأطراف الملونة.

ولعل الأعمق من ذلك هو أن الجنوب، هذه المرة، لم يهاجر إلى الشمال ليذوب فيه، بل ليُحدّثه من داخله. حين يقف زهران ممداني في نيويورك، فإن كامبالا تقف معه. فوزُه ليس فقط انتصارًا لفرد، بل رمزية لانتقامٍ هادئ من تاريخٍ طويل جعل الجنوب موضوعًا للدرس لا شريكًا في إنتاج المعنى. الآن، يتكلم الجنوب بلغته الخاصة داخل قلب الشمال، يقدّم تجربته لا بوصفها “مادةً للتنمية” بل مصدرًا للمعرفة السياسية.

في ذلك امتداد واضح لفكر ما بعد الاستعمار الذي رأى أن خلاص أفريقيا لا يأتي من استنساخ نموذج الشمال بل من مساءلته. وزهران، في ممارسته السياسية، يترجم هذا الموقف: الجنوب لا يحتاج أن يصبح شمالًا، بل أن يعيد تعريف الشمال من داخله.

ولأن السياسة عنده ليست حسابًا انتخابيًا بل فعل تحرّر، جاءت لغته أقرب إلى لغة الحركات الاجتماعية: كرامة، مأوى، مشاركة، حرية. الديمقراطية في رؤيته ليست صناديق اقتراع بل مساحة مشاركة حقيقية، كما قالت هانا آرنت: “الحرية لا تُعطى، بل تُمارس.” وهكذا، يمارس ممداني السياسة بوصفها تمرينًا على الحضور في الفضاء العام، حضور المهاجر الذي يرفض أن يكون ظلًّا أو رقمًا أو نخبويا.

غير أن جوهر تجربته لا يتوقف عند حدود “التمثيل المهاجر” بل يتجاوزها إلى طرح سؤال فلسفي: هل يمكن للسياسة أن تكون عابرة للهويات دون أن تُلغيها؟ هل يمكن للإنسان القادم من الجنوب أن يتحدث باسم الجميع دون أن يُتّهم بترك جذوره؟

يقدّم ممداني نموذجًا لما يمكن تسميته “الكونية من الأسفل” – كونية لا تنطلق من مراكز القوة، بل من هوامش العالم التي ذاقت القهر والهجرة، ولم تفقد رغم ذلك إيمانها بالعدالة. إنها كونية لا تلغي الخصوصية، بل تحتضنها بوصفها جزءًا من المعنى الإنساني المشترك.

في النهاية، لا يمكن قراءة فوز زهران ممداني كحكاية نجاح فردي، بل كعلامة على تحوّلٍ عميق في الوعي العالمي. إنه تذكير بأن الهويات ليست جدرانًا بل جسورًا، وأن الديمقراطية الحقيقية لا تقوم على الأصل بل على المشاركة. لقد بدأ من الجنوب، لكنه لم يهاجر إلى الشمال فقط؛ لقد جعل الشمال يستمع إلى الجنوب.

وفي عالمٍ تتآكل فيه اللغة المشتركة بين الشعوب، يبدو صوته كدعوة لأن نعيد التفكير: هل نحن أبناء أوطانٍ أم أبناء تجارب مشتركة؟ وهل الانتماء جغرافيا أم فعل أخلاقي؟

ربما يكون الجواب في تجربته ذاتها: أن تكون من الجنوب وتحكم في الشمال لا يعني أنك غادرت مكانك الأول؛ بل يعني أنك وسّعت معنى المكان ليسع الجميع. إنه سردية تحولٍ ودعوة لقراءة جديدة للهوية.

[email protected]

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..