مقالات وآراء

قرار مجلس حقوق الانسان وعودة دارفور للجنائية الدولية مجدداً

 

السر العجمي

أن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت في الفاشر تجاه المدنيين فهى جرائم ممنهجة وجرائم كلها تدخل في نطاق الجرائم التي نص عليها نظام روما الاساسى لعام 1998، وبالرغم من أن الانتهاكات الممنهجة لحقوق الانسان تجاه المدنيين العزل من قبل أطراف الصراع بدأت منذ نشوب حرب أبريل، إلا أن ما حدث في الفاشر كان أشد وحشة وبربرية حيث يعتبر ما حدث في الفاشر أكبر كارثة إنسانية في تاريخ البشرية. وقد شاهدها كل العالم من خلال الفيديوهات المنتشرة في الميديا. لذلك ظل كل العالم يراقب جلسة مجلس حقوق الانسان وما سوف يتخذه من إجراءات تجاه العنف المتزايد تجاه المدنيين وعدم تقيد أطراف الصراع بقواعد القانون الدولى الإنسانى واتفاقيات جنيف، خاصة أن المجتمع الدولى ومجلس الامن فشلا في اتخاذ إجراءات وقرارات جادة لحماية المدنيين. فضلاً عن ذلك فشل كل الجهود المبذولة لحسم الحرب ووقف الصراع حيث أضحت الحرب السودانية في حالة اللاحسم.

وفى الجمعة الرابع عشر من نوفمبر 2025، انعقدت بجنيف جلسة أعضاء مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة وأصدر المجلس وبالإجماع قرارًا ينص على تشكيل بعثة مستقلة لتقصى الحقائق من أجل التحقيق في عمليات القتل الجماعى التي ارتكبت في الفاشر بالسودان. وطالب القرار من بعثة تقصى الحقائق إجراء تحقيق عادل، بما يتوافق مع ولايتها بشأن الانتهاكات المزعومة للقانون الدولى لحقوق الانسان والقانون الدولى الإنسانى المرتكبة في الفاشر وحولها، كما يطالب بعثة تقصى الحقائق تحديد جميع الأشخاص الذين تتوفر ضدهم أسباب معقولة للاعتقاد بأنهم مسؤولون عن الانتهاكات والتجاوزات المزعومة، ودعم الجهود الرامية الى ضمان مساءلة مرتكبي تلك الانتهاكات.

وأدان القرار “بشدة” ما وصفه بـتصاعد العنف والانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع والقوات المرتبطة بها في الفاشر وما حولها، بما في ذلك عمليات القتل ذات الدوافع العرقية، والتعذيب، والإعدامات الميدانية، والتجنيد القسري، والاعتقال التعسفي، والاغتصاب والعنف الجنسي كسلاح حرب. وأعرب القرار عن “القلق العميق” إزاء العواقب الإنسانية الكارثية في الفاشر والمناطق القريبة، حيث يواجه آلاف المدنيين، بينهم أطفال، خطر الهجمات والنزوح وانعدام المياه والغذاء والرعاية الطبية. وحث القرار “جميع الأطراف” على “السماح بالوصول الفوري والآمن للمساعدات الإنسانية، بما في ذلك التوسع في إيصال المساعدات عبر الحدود”، كما دعا كلاً من “الدعم السريع” والجيش إلى “السماح بوصول الإغاثة إلى المتضررين في الفاشر”.

ومن خلال قراءة القرار من الناحية القانونية نلاحظ أن قرار مجلس حقوق الانسان بتشكيل بعثة تقصى الحقائق في الفاشر، دون غيرها من الانتهاكات التي ارتكبت في الجزيرة وسوبا وسنار وغيرها من المدن، مما يثير في الذهن السؤال التالى: لماذا حُصر عمل بعثة تقصى الحقائق في الفاشر فقط؟

يبدو ذلك حتى لا تُثار مسألة الاختصاص لاحقاً بشأن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وذلك بحكم أن الفاشر تقع في إقليم دارفور، بحكم أن ملف إقليم دارفور أحيل سابقاً للمحكمة الجنائية الدولية بموجب قرار مجلس الامن 1595 فى مارس 2005، الذى أحال الوضع في إقليم دارفور بالسودان الى المحكمة الجنائية الدولية وطالب السودان بالتعاون مع المحكمة. فالمحكمة الجنائية الدولية ولايتها تشمل كافة الأفعال والجرائم المنصوص عليها في المواد من (5) الى (8) من نظام روما الاساسى، وتشمل أيضاً الأشخاص المتورطين فيها بأى شكل من الأشكال. وما زالت ولايتها سارية، فضلاً عن ذلك تستطيع توسيع ولايتها طالما تلك الجرائم ذات صلة بالجرائم والوضع السابق في الإقليم. وبالتالي لم تكن المحكمة بحوجة مرة أخرى لقرار إحالة من مجلس الامن وتفويت فرصة الفيتو للأعضاء الدائمين بالمجلس، خاصة في ظل الانقسامات الدولية وتباين الآراء حول الحرب في السودان من قبل الأعضاء الدائمين بالمجلس، خاصة روسيا والصين.

فضلاً عن ذلك بمجرد إحالة وضع إقليم دارفور من قبل المجلس تكون المحكمة قد حصلت على اختصاص شامل في الجرائم السابقة واللاحقة والمعاصرة في ذات الإقليم (إقليم دارفور). بالإضافة إلى ذلك لا اعتبار فيما يثيره السودان بشأن الاختصاص، خاصة أن الإحالة تمت سابقاً من قبل المجلس، ومعلوم أن الإحالة من المجلس تجعل اختصاص المحكمة ممتد حتى للدول غير الأطراف في نظام روما.

فالقرار الصادر من مجلس حقوق الانسان بشأن تشكيل بعثة تقصى حقائق من الواضح أنه سوف يعيد دارفور للجنائية مجدداً، خاصة بعد أن تنتهى اللجنة من عملها الذى نتيجته واضحة للعيان من خلال الانتهاكات والجرائم الممنهجة ضد المدنيين المنتشرة في الميديا. فهذا القرار تظهر أهميته القانونية في أنه وضع المحكمة الجنائية الدولية أمام مسؤولية لمعاقبة مرتكبي تلك الجرائم وعدم إفلاتهم من العقاب.

وأخيرًا لابد من الإشارة الى الطبيعة القانونية للقرار، فقرار مجلس حقوق الانسان هو قرار غير ملزم بخلاف القرارات التي يصدرها مجلس الامن الدولى فهى ملزمة.

أما بالنظر الى قراءة القرار من الناحية السياسية، فقد لفت انتباه العالم والمجتمع الدولى لما يحدث من مجازر بالسودان، والمطالبة بإنهاء حالة الصمت واتخاذ إجراءات محاسبية من قبل مجلس الامن تجاه أطراف الصراع، وبذل الجهود لوقف الحرب، فضلاً عن ذلك الضغط على الطرف الذى يرفض الجهود التي تقوم بها الرباعية فيما يتعلق بخارطتها بشأن وقف الحرب والتوقيع على الهدنة الإنسانية.

وهنا أيضًا يثار السؤال التالى: هل يعيق أو يعرقل هذا القرار الذى يشير بصورة واضحة الى إحالة الملف الى المحكمة الجنائية الدولية الجهود المبذولة من قبل الرباعية في سبيل وقف الحرب والوصول الى اتفاق سلام؟

في اعتقادى أن ذلك لا يشكل أى عائق في التوصل الى السلام، وذلك لأنه بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لمجلس الامن سلطة سياسية مطلقة فيما يتعلق بالأمور التي تنطوى على حفظ واستعادة وبقاء السلام، ففي مفهوم سلطات مجلس الامن بموجب ميثاق الأمم المتحدة ووفقاً للمادة (16) من نظام روما الاساسى يجوز لمجلس الامن أن يطلب وقف الإجراءات أمام المحكمة الجنائية الدولية لمدة 12 شهر.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..