
هناك وجوه تمرّ على الحياة مرور النسائم، لا تثير ضجيجاً ولا تحتاج إلى إعلان؛ يكفي أن تقترب منها حتى تشعر أنّ العالم صار أخفّ، وأنّ اللغة حين تجلس قربها تستقيم وتزدهر. ومن بين هذه الوجوه تأتي دكتورة/ إشراقة مصطفى… امرأة تخرج من كوستي مثل شجرة نمت على ضفة النيل الأبيض، تعرف الماء كما تعرف الجرح، وتعرف الضوء كما تعرف المنفى، وتعرف أنّ الحياة ليست سوى محاولة مستمرة لقول الحقيقة بلا خوف.
ولدت في كوستي عام 1961، في مدينة تتنفس الحنين وتربّي أبناءها على الصبر، وعلى قدرة نادرة في تحويل الألم إلى جمال. ومنذ خطواتها الأولى أدركت إشراقة أنّ العالم أوسع من غرفه الصغيرة، وأنّ الحرية ليست حلماً يُنتظر، بل باباً يجب أن يُفتح. انتقلت إلى أم درمان لتكمل دراستها في الإعلام، ثم إلى جامعة الخرطوم، حيث بدأت علاقتها الأولى بجمهورية اللغة، تلك الجمهورية التي ستظلّ تعود إليها في كل كتابة، وكل محاضرة، وكل وقوف أمام الظلم.
تحكي إشراقة عن أيامها الأولى في أم درمان حين استأجرت مع أختها منزلاً صغيراً، وتقول بجملة تختصر روحها كلها:
“البيت ملاذ ودفء بعد رهق اليوم، أحب أن أكون على طبيعتي وأمارس جنوني. أحياناً أشتهي أن أصرخ بأعلى صوتي، لأتحرر وأحس بأنني أحلّق في الأعالي بمتعة لا تُضاهى.”
تلك الصرخة لم تكن فعلاً عابراً؛ كانت نواة لثورة داخلية، ورغبة في عيش حياة لا يشبهها فيها أحد.
ومثل كل الذين يكبرون على ضفاف النهر، حملت إشراقة معها هدير الماء حين غادرت الوطن واستقرّت في النمسا منذ التسعينيات. لكنها لم تغادر مهمومة بالحنين وحده؛ ذهبت وهي تعرف أنّ ما تحمله أكبر من حقيبة مهاجرة، وأثقل من لغة جديدة. في فيينا درست، واشتغلت، وأكملت الماجستير، ثم الدكتوراه في العلوم السياسية، وأدركت أنّ الهجرة قد تكون سجناً إذا استسلمت لها، وقد تتحول إلى منصة إذا واجهتها. اختارت المنصة، وصعدت عليها بكل ما تمتلكه من عناد وشغف وشعر.
في هذه الرحلة بين الهجرة والنضال، تفجّرت في روح إشراقة أسطورة مندي. منذ الطفولة كانت تستمع إلى قصص الأميرة مندي بنت السلطان عجبنا – ذاك الرمز النسائي الشجاع في التاريخ السوداني – وترى فيها مرآة لشجاعتها الخاصة. هذه العلاقة الروحية بين إشراقة ومندي تعمّقت مع الوقت، حتى أصبحت مندي رمزاً للإلهام، ليس في طفولتها فحسب، بل في مشروعها النضالي أيضاً. استلهمت إشراقة من مندي حكاية السلم والمقاومة، فتأسست على يديها منظمة مندي لثقافة السلام وإدارة التنوع في فيينا، لتكون مندي ليست فقط قصة من الماضي، بل حاضراً حيّاً في نشاطات المرأة المهاجرة، في الثقافة، في السلام، في النشر. تشغل إشراقة منصب رئيسة المنظمة، وتعمل من خلالها على تمكين النساء، وتوثيق تجاربهن، وبناء جسور الأمل بين السودان وأوروبا.
عملت محاضِرة وباحثة في جامعات فيينا وسالزبورغ وسيغموند فرويد. ولم تكن مجرد أكاديمية؛ كانت امرأة تضع يدها على الجرح مباشرة. درست قضايا النساء في الحروب، التمييز ضد المرأة المسلمة، أوضاع المهاجرات والأفريقيات، الصحة الإنجابية، ثقافة السلام، وحماية ضحايا الاتجار بالبشر. شاركت في وضع برامج حماية، وفي حملات سياسية مهمة، وفي لجان بحث تمنحها أوروبا ثقتها بصفتها صوتاً يفهم التفاصيل الدقيقة لحياة المهاجرات. كانت تمشي في الشوارع الأوروبية كأنها تحمل معها قرى السودان كلها، وتجلس في قاعات البحث كأنها تكتب تقريراً باسم امرأة مجهولة في قرية بعيدة.
وحين جاء وقت الأمومة، لم تختر إشراقة أسماء أبنائها اعتباطاً. اختارت لابنها اسم واصل، ولابنتها اسم مرافيء؛ أسماء ليست مجرد ألقاب عائلية، بل بيانٌ شعريّ في معنى الحركة، واستمرار الرحلة، وحق الإنسان في الوصول، والرسو، والطمأنينة. كأنها تقول: حياتي امتداد، وأولادي امتداد، ولغتي امتداد. فالمرأة التي كتبت أنثى الأنهار لا يمكن أن تختار أسماءً عادية؛ هي تعرف أنّ الاسم بداية النص، وبذرة الطريق.
وبين الأمومة والمنفى والعمل العام، ظلّت إشراقة شاعرة قبل كل شيء. نظرتها إلى العالم نظرة من يكتب قبل أن يتكلم. أصدرت أربع مجموعات شعرية، أبرزها أحزان شاهقة وأنتِ المزامير، ثم وجوه الدانوب التي جمعت فيها بين ضفة سودانية وضفة أوروبية، ثم العمل الأعمق والأكثر التصاقاً بسيرتها: أنثى الأنهار… من سيرة الجرح والملح والعزيمة. كتاب ليس ترفاً أدبياً بل وثيقة حياة، كتبت فيه عن الجرح بلا تجميل، وعن العزيمة بلا ادّعاء.
ولم تكن إشراقة شاعرة فقط، بل مترجمة تُفتح على لغتين كما تُفتح نافذتان على نهارين مختلفين. ترجمت أعمالاً من الإمارات وسوريا والسودان، وفتحت الطريق للرواية السودانية كي تقرأها جامعات النمسا. ترجمت مخيّلة الخندريس لعبد العزيز بركة ساكن، ودرّست الرواية في المعاهد الثقافية كمن يضع حجراً آخر في بناء جسر طويل بين عالمين.
دافعت عن حقوق النساء بلا ارتباك، وكانت صوتاً قوياً في قضية نورا حسين، وفي ملفات التمييز ضد المرأة المسلمة في أوروبا. وقد اختيرت لتكون ممثلة الأدب العربي بالقلم النمساوي، اعترافاً بدورها في الساحة الأوروبية، واعترافاً بأن صوت المهاجرات لا يمرّ عبر بوابات الشفقة بل عبر بوابات الإبداع.
وكلما قرأت عن إشراقة أو استمعت إليها، تشعر أنّ هذه المرأة لا تمشي في العالم كفرد معزول. إنها تمشي كأنها تحمل معها قارة كاملة، تحمل ذاكرة بلد يتشظى، وأحلام نساء يخرجن من الظل، ولغة تحاول أن تجد مكانها بين ضوضاء المنفى.
إنها إشراقة… امرأة ليست مجرد سيرة ذاتية، بل فضاء من الضوء.
امرأة تُشبه الماء: إذا ضاقت بها مجاري الأرض، شقّت طريقاً آخر.
تُشبه الشجرة: إذا حاصرها الريح، ازداد جذعها قوة.
وتُشبه السودان نفسه: جرحٌ قديم، وابتسامة لا تموت.
وما إن نصل إلى آخر السطور، حتى ندرك أننا لا نكتب عن إشراقة لنؤرّخ لزمن مضى، بل لنحتفي بطاقةٍ حيّة تمشي بيننا. فهي من تلك الشخصيات التي تُشعرك بأن العالم — على اتساعه — يمكن أن يضيق على الفكرة المبتذلة، لكنه يتّسع لها كلما ظهرت، وكلما كتبت، وكلما تكلمت. إشراقة ليست ظلاً عالقاً في الذاكرة، بل حضورٌ دافق **كما يتجدد النسيم حين يعبر سنط كوستي، ويمازح سدرها الصامد، ويتدلّى من شعر المجنونة وهي تزهر بعناد يعرفه أهل النيل**، وكما تتجدد أم درمان كلما رفّ فيها صوتٌ منسيّ.
إنها امرأةٌ تصنع المعنى وهي تتحرّك، تفتحه كما يُفتح نافذة في بيتٍ خنقته الرطوبة، وتحرّض الروح على التذكّر لا لتعود إلى الوراء، بل لتكتشف ما تُهمله في زحمة الحياة. حضورها ليس مجرد معرفة، ولا مجرد تجربة، بل قدرة نادرة على تحويل المرئي إلى إحساس، واليوميّ إلى حالة، والسودان — بآلامه وأحلامه — إلى مشروع جمال قابل للنهوض مرة أخرى.
ولهذا، حين نكتب عنها، فنحن نكتب عن **قيمة مستمرة**، عن صوتٍ لا يزال يتحرك في فضائنا الثقافي، يوسّعه ويقلقه ويطعمه بالضوء. نكتب عن امرأةٍ تعرف أن الإبداع ليس زينة، بل ضرورة، وأن الحرية ليست شعاراً، بل نمط حياة، وأن الثقافة ليست تجميع أوراق، بل بناء إنسان قادر على أن يأخذ مكانه في الدنيا بكرامة وعلو.
وإشراقة — بما تحمله من رؤى، وبما تبذله من جهد، وبما تكتبه وتعلّمه وتُلهِم — تظل واحدة من العلامات المضيئة في مسارنا الثقافي، تذكّرنا بأن الجمال يمكن أن يكون موقفاً، وأن الإنسانية يمكن أن تكون مشروعاً، وأن السودان يمكن أن يلد دائماً أبناء وبنات يرفعون عنه غبار الألم.
وستظل إشراقة، ما دامت تكتب وتتحرّك وتفتح النوافذ المغلقة، جزءاً من مستقبلنا الثقافي، لا من ماضينا. ستظل لأنها هنا… ولأن الضوء حين يسكن إنساناً، لا ينطفئ.



