مقالات وآراء

إلى عبد الرحمن عمسيب: الجهل بثقافة وتراث غرب السودان هو إعادة إنتاج للاحتقار (الجزء الأول)

 

الصادق حمدين

مدخل تمهيدي:
من الصندل الشّقِيقْ إلى الجنزير التقيل، ومن أبا قال جوزوني بنية… إلى ليمون بارا، ومن أغاني رقصات الكرنق والكمبلا إلى أغنية الدمازينا، ومن أو لالوي إسكنانا إلى أغنية يادلي، ومن دوباي الجزيرة الخضراء إلى طنبور الشمال الحنين… يشكّل تراث السودان الفني لوحة واسعة تعكس الإنسان والبيئة والذاكرة.

هذا التنوع ليس مجرد أصوات متناثرة، بل سردٌ حيّ لحكايات الزمن، ومرآة لروح المكان. ولذلك، فإن اختزال الفن في كونه لهوًا أو مجونًا، أو الحكم عليه بمعايير لغوية ضيقة كما يفعل البعض، يُعدّ واحدًا من أكبر الإخفاقات الفكرية. فالفن، بطبيعته، أوسع من القوالب الضيقة، وأعمق من الأحكام المتعجلة؛ لأنه التعبير الأكثر صدقًا عن الوجدان الجمعي للبشر.

ومن هنا يصبح التهكم على الأغاني التراثية، خصوصًا أغاني غرب السودان، ليس نقصًا في الذوق فقط، بل جهلًا بطبيعة الفن واستخفافًا بهوية الآخرين وثقافتهم وتراثهم. وهذا ما ظهر في سخريات عبد الرحمن عمسيب من هذا التراث، حين وصفه بالسذاجة لبساطة لغته، دون أن يلتفت إلى أن بساطة المفردة ليست دليلًا على فقر المعنى، بل قد تكون جوهر قوته.

“العمق يكمن في السطح”، فالاستخفاف ببساطة هذه الأغاني لا يكشف قصورًا فيها، بل قصورًا في فهم من يتهكم عليها. فبساطة اللغة ليست دليلًا على ضحالة المضمون، وإنما هي شكل من أشكال القوة الفنية التي تُخفي كثافة المعنى خلف المفردة اليومية. ولو تأمل عمسيب قليلًا لأدرك أن قوة الفكرة تُقاس بقدرتها على الظهور في أبسط صياغة. فجوهر العمق، كما يشير هايدغر، لا يسكن الأعماق البعيدة بل يتجلّى على السطح لمن يحسن النظر إليه.

فالفن لا يولد في فراغ. إنه ابن بيئته: فهل يستطيع أحدٌ أن يشعر بعمق أغنية تتحدث عن الرهيد والوزين والهجير دون أن يعرف رائحة الدعاش، أو هدير وديان كردفان، أو سر أشجار التبلدي أو فك طلاسم كثبان رمالها؟ هنا يصبح المعنى مرتبطًا بالتجربة، والشعور متكئًا على الذاكرة. ولهذا قال الراحل الأستاذ المحامي عبد الحميد سليمان حامد: “للفن بيئته التي تتفاعل معه، وقد لا نجد ذلك التفاعل الوجداني في البيئات الأخرى بذات القدر.”

وحين يغني عبد القادر سالم:
“جيناكي زي وزين هجر الرهيد يوم جفا”،
فهو لا يخاطب فقط أهل الرهود والبطاح في القرى والبوادي والفرقان، بل يخاطب كل من يشترك في الإحساس بالحنين، ولو كان جالسًا في مقهى مكيف أو في قلب مدينة حديثة. فالفن، في النهاية، لغة إنسانية عابرة للمكان.

من هنا يبرز السؤال التقويمي أو الحكمي: من أعطى عبد الرحمن عمسيب سلطة تحديد ما هو فن راقٍ وما هو فن ساذج؟ وهل البساطة جرمٌ فني؟ ألم تُبْنَ أعظم الفنون الإنسانية على الصدق والعفوية؟ إن النصوص التي تُحرك الوجدان ليست تلك المثقلة بالزخارف والمحسنات اللغوية، بل تلك التي وُلدت من روح المكان وأهله، حتى لو خرجت من فم حكّامة في البوادي القصية أو من راعٍ بسيط لا يملك من أدوات المعرفة إلا فطرة الإنسانية ونقاء الروح.

ومع ذلك، يصرّ عمسيب على وصف الأغاني والرقصات التراثية في غرب السودان مثل: “أبقزة” و”فرنقبية” و”إبرة ودرت”، على أنها أغانٍ ورقصات ليست جديرة بالمشاهدة والاستماع، ولا ينبغي عرضها على أسماع ومشاهد الآخرين. وهذا لا يعكس فقط ضيق أفق وفقدان تام لحاسة الذوق الفني، بل يكشف كما يبدو عن خوف غير معلن من الآخر المختلف ثقافةً ولغةً وتراثًا.

لكن، من قال إن الفن يُصنع لك وحدك؟ ولماذا يجب على شعبٍ كامل أن يخفي تراثه كي لا يزعج ذائقتك الشخصية المرهفة؟ إن هذا التفكير يعيدنا إلى عهود الإقصاء، حين كانت ثقافات الهوامش والأطراف تُحارب لأنها لا تشبه ثقافة المركز المهيمن.

ومع ذلك، فإن الفن الحقيقي ينتصر دائمًا. الأغنية التي سخروا منها بالأمس، تستحق الإعجاب اليوم، مثل “القمر بضوي” التي كتبها الأستاذ إبراهيم أبكر سعد، وسمعها جزء من العالم، أو “أندريا” التي أعادت تقديمها الأيقونة نانسي عجاج. وهو ذات السحر الذي جعل كلمات الراحلة شادن “حميرا هوي البارة دري” تهزّ الوجدان رغم صعوبة فهم بعض مفرداتها على من هم خارج بيئتها.

ولستُ أنا وحدي مَن تطربه نصوص لا يفهمها كاملة؛ فأغنيتا “كيرولي” و”أسمر اللونا” لوردي تبقى من أجمل ما يُسمع، رغم أن معانيها قد تستعصي على كثيرين وأنا منهم. هكذا هو التراث: يلمس الروح قبل أن يشرح نفسه للعقل.

والفن الذي يُقصى يموت، بينما الفن الذي يُحتضن يزدهر ويتجاوز محليته. انظر إلى أغنية الطنبور “يا مريسيل” لمحمد الحسن مسعود “ود المساعيد”. كلماتها عن الفقد والحنين تتجاوز حدود المكان والزمان لتلامس كل قلبٍ يوجعه الشوق، وهو حال شعبنا اليوم.

إن أردنا حقًا أن نفهم بعضنا كبشر، فالفن هو الطريق لذلك. والأغنية التي لا تفهم كلماتها قد تبكيك بلحنها، تحدثك عن شعبٍ لم تلتقه لكنك أحسسته.

ويا من سخرت من أغنية تراثية تحمل من المعاني خارج إدراكك المغلق والبسيط، وقلت بالحرف الواحد إنه “أسوأ يوم لك عند سماعك أغنية الجنزير التقيل” تُغنى وتُلحن في بيت العود بالخرطوم، أقول لك هامسًا: قد لا يطربك صوت الذين يؤدونها أو كلماتها أو لحنها أو حتى موسيقاها، ولكن ما لا تراه هو أن الجنزير في ثقافة من أنشدوها، ليس مجرد معدن ثقيل، بل هو رمز للالتزام، والدفء، والشهامة، والأخوّة، والكرم، والتضامن عند الشدائد. فمن لم يفهم عمق كلمات هذه الأغنية، فليس ذنب الأغنية أن تشرح نفسها، بل قصور في فهمه لأشياء قد لا يعرف قيمتها إلا بعد فوات أوانها.

 

 

‫4 تعليقات

  1. أشعر بالعطف على عمسيب واشباهه لأنه ببساطة لا يعرف السودان الا من مراته التى لا تعكس له الصورة كاملة عن السودان فان الذى يراه بسيطا وسطحيا فهو أعمق ما يترجم أحساس الانسان ووجدانه بانتمائه الى بيئته وبلده فهو الذى يرتيط بتراب امتداد السودان كله…من يزعم النقاء العرقى او الثقافى فيه واهم ومخادع لنفسه قبل غيره …. أغنية القممر بووبا التى شدا بها المرحوم وردى او أغنية المامبو السودانى للراحل سيد خليفة وحدتا الوجدان السودانى ومعظم مفرداتها اللغوية موغلة فى محليتها ولكن الايقاع الجميل الراقص يجعل الوقوف عند الالفاظ غير ذى جدوى.. عمسيب مسكين يبدو أنه لم يحظ بمقعد دراسى او سرير باحدى داخليات المدارس الشامخة فى كاتشا الوسطى أو حنتوب الثانوية او فى الجميلة ومستحيلة وارفة الظلال ….المنكفؤون مثل عمسيب وجودهم ضرورى لكشف زيف قناع النقاء العرقى وهم كثر عبر التاريخ البشرى لكنهم لم يكونوا سوى محطات توقف التطور البشرى فيها لاجالة النظر لالتقاط انفاسه والمضى فى سبيل أكثر استنارة ..عمسيب مسكين فمهما زعم من نقائه العرقى فهو يختزل متعمدا حضارة احتضنته عمرها الاف السنين قدمت للانسانية معارفها وخبراتها ولم تستنكف ان تسقبل القادمين الجدد لها بل وصهرتهم فى بوتقتها فحضارة مروى والبركل لم يشكلهما أمثال عمسيب بل هى حضارة لامست أبيسينيا واكسوم وحضارات الاسر الفرعوانية وممالكها فى شمال الوادى بمصر القديمة .. اين عمسيب من ذلك .؟ هل يعلم عمسيب ان هناك طريقا تجاريا سلكها القدماء ربطت بين دارفور ومنعرج النيل فى أقاصى شمال السودان.. وهل يعرف عمسيب ان زرااعة القمح فى جبل مرة بدارفور جاءت من وادى النيل فى عام اصاب القحط فيه شريط النيل فبحث القدماء عن منطقة تعوضهم نقص الغذاء فى عام رمادتهم تلك… الفن لا يقرا ولا يفهم بعيدا عن بيئته ومفرداته تستقى دائما منها ولكنها تقدم نموذجا للانسان المتفاعل والمنسجم مع تلك البيئة وما يحيط بها

  2. الأخ المحترم ضكران أبو الضكور لك التحية والاحترام على رد الرصين الذي اضاف إلى المقال كثيرا وأضاء زوايا كانت لتبدو مربكة للقاريء…..واسمح لي بهذا التعقيب لتعم الفائدة
    ولك الشكر مجددا.
    يبدو لي أن ما قيل سابقًا يلامس جوهر المسألة برفق العالم ووضوح المُتأمِّل؛ فالأغنية التراثية ليست كلمات متفرِّقة تُقاس بميزان الفصاحة وحده، بل هي تاريخ مُمَوْسَق، وذاكرة حيّة تجري في العروق كما يجري ماء النيل في مواسمه. إن بساطة مفرداتها ليست علامة ضعف، بل دليل قربها من القلب وصدقها في حمل وجدان الناس وأحلامهم وطقوسهم الأولى.

    ولعل من يظن أن التراث يُنتقص منه ببساطة لغته، قد غاب عنه أن هذا التراث نفسه وُلد من تلاقح حضارات عريقة، من مروي إلى البركل، ومن أقدم طرق القوافل بين دارفور وشمال الوادي. فما من حجر في هذه الأرض إلا ومرّ عليه العابرون يحملون لغاتهم وإيقاعاتهم، فيذوبون في بوتقتها ويضيفون إليها، لا ينتقصون منها. ولذلك بقي الغناء السوداني شامخًا، قادرًا على أن يوحِّد الوجدان كما فعلت القمَّر بوبا والمامبو السوداني؛ أغنيات خرجت من بيئات صغيرة في ظاهرها، واسعة في مداها، قادرة على لمس الروح حتى لدى من لا يعرف سياق مفرداتها.

    إن التراث، حين يُنظر إليه نظرة استعلاء، لا ينكمش ولا يبهت؛ بل يكشف محدودية البصيرة لدى من يستخف به، لأن الفن الأصيل لا ينهزم أمام الجهل به. وما يحسبه البعض «بساطة» هو في الحقيقة عمق لا يُدرك إلا لمن عرف أن اللغة ليست حروفًا تُرصّ، بل حياة تنبض في الأهازيج، وفي النَفَس الذي يخرج من صدور الناس حين يغنون معًا.

    وهكذا يبقى الغناء التراثي مرآة المكان وروحه، لا يحتاج إلى تزيين، ولا يطلب اعترافًا من أحد؛ فهو جزء من هوية لا يمحوها ادعاء النقاء، ولا تجرحها النظرة القاصرة. يكفي أنه يلمس قلوب الناس… وهذا وحده تاج لا يُنتزع.

  3. الكيزان بطبيعة الحال لا يتشاركون الوجدان السوداني مع بقية السودانيين ويلمون فقط بقشور ثقافتنا ولذلك تجدهم لا يقيمون للفن والثقافة وزنا ولا يعتدون بأي إرث حضاري سوداني وعمسيب ليس استثناءا هنا. ولعل مرد ذلك هو ان تنظيمات الاسلام السياسي تربي افرادها منذ نشأتهم انهم لا ينتمون الي مجتمعاتهم وانهم غرباء وان مجتمعاتهم كفار يجب إجتنابهم واجتناب ثقافتهم وفنهم وإبداعهم ولذلك قلما تجد كوزا يجيد الغناء السوداني او الرقص او فروسية ركوب الخيل والجمال والصراع والحداء وغيرها من الموروثات السودانيه والأندر من ذلك ان تجد كوزا يعرف إيقاع الكول البجاوي او تطربه وازا النيل الازرق او غناء الدينكا والمردوم والجراري والحسيس والبحاري والطمبور والدلوكة وطمبورها الكردفاني وغيرها من فنون شكلت معظم وجداننا السوداني، فتجد الدينكاوي يتغني بأغاني محمد وردي بالربابه والفنانين العظام امثال وردي واحمد المصطفي وابو داؤود والكابلي وحسن عطية وغيرهم يأخدون اغلب الحانهم من الريف السوداني شرقا وغربا وجنوبا وشمالا ووسطا وهناك منهم من يأخذ الاغنية متكامله كلمات ولحن من افواه بنات الارياف والحكامات في الحفلات او موارد المياه او المزارع ويضيف عليها فقط الموسيقي لتصبح من اعظم الالحان كما كان يفعل الراحل عبدالرحمن عبد الله وابراهيم موسي ابا و اللحو وقد برع الكابلي علي وجه الخصوص في اداء الالحان الريفيه الموغله في العاميه واغاني القعدات مثل براعته في ضروب الغناء الاخري …
    عمسيب لا يدري ان الكلمات هي من تجاري اللحن وليس العكس، فهناك العشرات من الالحان التي نحفظها عن ظهر قلب ولكننا لا نعرف عن كلماتها شيء وهذه هي روح الموسيقي حيث تجد الياباني يتفاعل مع الحان الزولو في افريقيا وتجد الماساي يتمايلون علي انغام الجاز والهنود الحمر يرقصون علي انغام الالحان الهندية وهكذا..
    اختم واقول ربما تكون عيارة (الإنسان عدو ما يجهل) هي العبارة المفسرة لسلوك الكيزان منذ مجيئهم في 1989م وحتي اليوم، فهم اعداء لكل ما جهلوا في السودان وعماوا عاب تحطيم كل ما جهلوا من تاريخنا وتراثنا وفننا وحضارتنا وحتي معالم مدننا واريافانا وشخوصها الوطنية.

  4. يا سلام عليك أيها الشاعر …. سلام دائم
    أودّ أن أتقدّم لك بالشكر الجزيل على ردّك القيّم الذي أضفى على المقال زاوية جديدة لم تكن مرئية من قبل. لقد أسهمت رؤيتك العميقة في توسيع دائرة النقاش حول الموسيقى والأغاني، وأضافت بعدًا ثريًّا يمزج بين فهم الكلمة وحسّ اللحن.

    إن إشادتك بالمحتوى مقرونة بتحليلك الدقيق تعكس اطّلاعًا واسعًا وخبرة واضحة في هذا المجال، وهو ما أثْرى الحوار وجعل إضافتك قيمة بقدر ما هي ممتعة. أشكرك على حسن قراءتك، وعلى ما قدمته من إضاءات تُغني الموضوع وتفتح آفاقًا أرحب للتأمل.

    دمتَ مبدعًا ومُلهِمًا.

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..