بين أوهام المجد العسكري وحقيقة ثورة الشعب

حامد عثمان محمد
في خضم المأساة السودانية الممتدة، يبرز خطابٌ غريب يتبنّاه بعض مؤيدي ما يُسمّى بالمؤسسة العسكرية التقليدية—خطابٌ يرفض الاعتراف بجوهر الأزمة، ويهرب من مواجهة الحقيقة الأكثر إيلامًا: أن السودان لم يسقط بسبب المدنيين، بل بسبب عقلية الهيمنة التي استوطنت المنظومة العسكرية لعقود، ورفضت أن ترى في الشعب شريكًا، أو في الثورة مسارًا، أو في الدولة قيمة تستحق الحماية.
إن ما يزيد المشهد تعقيدًا هو أن أغلب هؤلاء المؤيدين لا يقفون ضد قوات الدعم السريع باعتبارها مليشيا ارتكبت جرائم وتهجّرت على أثرها ملايين الأسر—بل يقفون فقط ضد القوى المدنية التي أنهت عهد امتيازات المؤسسة العسكرية قبل أن تُجهضه الانقلابات ومغامرات السلطة.
لقد انقلب ميزان الولاء، ثم اختلطت البوصلة:
فلم يعد العداء موجّهًا نحو من دمّر المدن واحتل البيوت… بل نحو من حلموا ببناء دولة القانون والمؤسسات.
والحقيقة المؤسفة أن كثيرًا من هذا الغضب ليس دفاعًا عن “وطن” كما يُقال، وإنما دفاعٌ عن نظام قديم كان يمنح مكانةً زائفة لمن يحمل البزة العسكرية فقط، ولو على حساب الدولة والشعب ودماء الأبرياء.
أما ثورة ديسمبر المجيدة—تلك الثورة التي أعادت تعريف الشرف الوطني—فقد أصبحت هدفًا للشيطنة لدى كل من فزع من فكرة أن تكون السلطة ملكًا للشعب لا للمؤسسة.
إن الفارق الجوهري بين الثورة ومن يعادونها هو أن الثورة كانت مشروعًا للتحرير… أما خصومها فمشروعهم كان استعادة الامتياز، لا استعادة الوطن.
ووسط هذا كله، يدفع المواطن الثمن:
قصف بالطائرات من طرف، وانتهاكات ممنهجة من الطرف الآخر، وصمتٌ دولي، وقيادات فقدت القدرة على الخجل قبل أن تفقد القدرة على اتخاذ القرار.
ومع ذلك، لا يزال البعض مشغولاً بمهاجمة المدنيين بدل مهاجمة الحرب ذاتها، أو بدل مساءلة من فجّرها، أو بدل المطالبة بقيادة وطنية لا تستمد شرعيتها من السلاح بل من الشعب.
إن ما يحتاجه السودان اليوم ليس “انتصارًا” لطرف على آخر، بل انتصارًا للحقيقة:
حقيقة أن السودان لن يُبنى بالعسكرة، ولن يُدار بمنطق الغنيمة، ولن يتعافى ما لم يدرك الجميع—خاصة من يرفعون راية الدفاع الأعمى عن الجيش—أن الدولة لا تُحكم بالشعارات، وأن الثورات لا تُهزم بالعناد، وأن الشعوب أقوى من أي مؤسسة مهما ادعَت.
لقد آن الأوان للعودة إلى سؤال بسيط يهرب منه الجميع:
هل نريد دولة، أم نريد مؤسسة فوق الدولة؟
وكل من يملك شجاعة الإجابة يعرف أن ثورة ديسمبر كانت، وستظل، الطريق الوحيد لإنقاذ السودان من هذا النفق الذي دخلناه يوم فضّل البعض حماية السلطة على حماية الوطن.



