بين “تأسيس” و”صمود”

طلعت محمد الطيب
منذ قيام ثورة ديسمبر وحتى اندلاع الحرب السودانية اللعينة، كنت أدعو وبكل إخلاص إلى السلام وكنت أدعم ق ح ط، وبعد اندلاع الحرب وقفت في خندق واحد مع “لا للحرب” أملاً في إنهائها سريعاً قبل أن تستفحل. لكنني صرت على يقين بأن ذلك الشعار غير واقعي على الإطلاق لأن الكيزان لن يتركونا في سلام.
أصبح الحياد تجاه الكيزان في تقديري بمثابة “حياد المثقف المأساوي تجاه الشرور” خاصة بعد الدمار الكامل الذي أصاب البلاد والعباد. أرى أن الوطن والأسرة شيء واحد مع اختلاف خصائص كل منهما، فإذا اعتدت على منازلكم عصابة فرضت عليكم كل شيء من كيفية دخول الحمام إلى طول فستان بناتكم وزوجاتكم وظلت تفسد وتنهب في موارد الأسرة، فإن مواجهتها أمر حتمي لكل شريف. فإذا تصدى لهم آخرون من أبناء الحي، فالواجب علينا أن نناصرهم على الأقل، وذلك دون تحفظ باعتبار أنها معركة بقاء.
يمكن هنا استدعاء الخطاب التاريخي لوينستون تشرشل، المراسل الحربي الشاب الذي شهد معركة كرري وأصبح رئيس وزراء بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية. في صيف عام ١٩٤١، وبعد ساعات من غزو هتلر للاتحاد السوفيتي، قدم الرجل خطاباً تاريخياً أذيع من خلال البي بي سي في السادسة من مساء ٢٢ يونيو ١٩٤١م، أعلن فيه تضامنه وتعاطفه مع الشعب الروسي وأعلن دعم بريطانيا للمجهود الحربي دفاعاً عن روسيا رغم خلافه مع ستالين والشيوعية، لأن المعركة مع النازية صارت معركة بقاء (survival)، وليست معركة تتوفر فيها الخيارات بناءً على الأفكار والسياسات والمبادئ.
وتجلت حكمة موقفه والبعد الاستراتيجي له في فكاهة أطلقها تشرشل أثناء الخطاب حتى يكون قادراً على التواصل مع الشعب البريطاني، وذلك حينما قال:
“If Hitler invaded hell, I will make at least a favorable reference to the devil in the House of Commons.”
أي: “إذا قام هتلر بغزو الجحيم، فإنني لن أتردد أمام مجلس العموم البريطاني في تزكية الشيطان الذي يسكنه.”
إذا استطاع أحدكم يا سادتي القراء والقارئات إقناعي بأن الحركة الإسلامية أقل خطراً من النازية، فأنا كلي استعداد لتبديل موقفي الذي تحول إلى مساندة قوات تأسيس.
تهمني هنا مواقف “صمود”، ورغم احترامي لقياداتها وتقديري لمجهوداتهم لاحتواء كارثة الحرب وسفك الدماء، إلا أنني أرى أن اتخاذهم لموقف الحياد بين الفريقين المتقاتلين قد دفعهم إلى تبني خطاب يخدم بروباقاندا الفلول. وقد ظهر ذلك جلياً خلال أحداث الجزيرة والفاشر، حيث ساهم العديد منهم في تضخيم انتهاكات مزعومة للدعم السريع ومن بعدها قوات تأسيس، وانجروا وراء أكاذيب الكيزان، لا لشيء إلا لأن ذلك يخدم موقفهم “الحيادي” ويؤكد “صحته”.
كذلك نجد أن تأسيس تحاول تضخيم تأثيرها مثل “دورها في تحجيم التدخلات المصرية” وغير ذلك من محاولات احتكار المبادرات كممارسة تعويضية. أنا لا أزعم أنها تفعل ذلك، ولكنني فقط أنبه إلى خطورة “الحياد” ومآلاته السالبة على المشهد السياسي المحترق.
كذلك أرى أن قيادات صمود تتحدث بتفاؤل كبير حول مبادرات الرباعية، بعد أن وضعوا كل بيضهم في سلة المجتمع الدولي، رغم أن التعامل مع الرباعية يتطلب تفاؤلاً يشوبه الحذر لاعتبارات عديدة لا يسع المجال لذكرها.




“فأنا كلي استعداد لتبديل موقفي الذي تحول إلى مساندة قوات تأسيس”
موقف شجاع … ولكن
وكالعادة لم تشرح لنا بالضبط لماذا تحولت الى دعم “قوات تأسيس”
اليس من الغريب أن يساند مدني ضالع في السياسة السودانية منذ زمن بعيد ويصرح بدعمه “للجانب العسكري” لجهة سياسية
ولا يتكلم عن دعمه للجانب لسياسي والمدني لذلك التجمع.
ربما لأن تأسيس (المدنية) لا تملك اي طرح سياسي مقبول يمكن للأستاذ طلعت ان يتفلسف في مشروعه فذهب لتأييد الجانب العسكري بل ويريد ان يستعمل قلمه لتبرئته من مسؤلية ارتكاب المجازر .
نعم صحيح هنالك تلفيق لبعض الحوادث فيما حدث في الفاشر ولكن هنالك ايضا حوادث ثابتة حتى الدعم السريع نفسه اعترف بها .
وهي لم تبدأ بالفاشر بل لها تاريخ دموي معروف منذ 2003
ياخي مافي مانع أن تؤيد من تشاء ولكن لا تدع الحماس يخليك تنزلق الى دعم إجرام المجرمين.