مقالات وآراء

النُّجومُ المَفقودة: عبقريّةُ تشاندراسيخار والعُقولُ السُّودانيّةُ المُهَجَّرة

م. معاوية ماجد

في صيف 1930، شاب هادئ الملامح لا يتجاوز التاسعة عشرة عبر البحر العربي على متن سفينة بخارية متجهة من مدراس إلى إنجلترا. اسمه “سبرامانيان تشاندراسيخار”، أو «تشاندرا» كما يناديه أصدقاؤه. لم يحمل معه سوى حقيبة صغيرة، وعددٍ من الكتب، وعقلٍ لا يعرف السكون.
بينما كانوا على سطح السفينة يتسامرون تحت هواء البحر الرطب، كان تشاندرا في عزلة المحيط منكبًا على معادلات هايزنبرغ وشرودنغر، يعيد تأمل مصير النجوم بعد موتها. وهناك، وسط هدير المحرك، طرحتْ عليه أسئلةٌ لم تخطر على أحدٍ قبلُ: **هل هناك حدٌّ نهائي تستطيع النجوم تحمّله قبل أن تنهار إلى الأبد؟

بدأ الشاب الحسابات بقلم وورقة فقط. ومع كل خطوة رياضية كانت الصورة تتضح: هناك حدٌّ دقيق تبلغ عنده الأقزام البيضاء أقصى قدرتها على مقاومة الجاذبية. 1.44 ضعفَ كتلة الشمس — الذي صار لاحقًا يُعرَفُ بـ حدّ تشاندراسيخار — هو القانون الذي يفصل بين النجوم التي تستقرُّ كأقزامٍ بيضاء، وتلك التي تنهار إلى مستعراتٍ عظمى ونجومٍ نيوترونيةٍ وثقوبٍ سوداء.
وصل تشاندرا إلى كامبريدج متحمسًا لعرض اكتشافه على العقول الكبرى. لكنه فوجئ ببرود مشرفه، وبصوت أعلى منه بدرجات وقف السير آرثر إدنغتون — أشهر فلكي في زمانه — ليعلن أمام الجمعية الفلكية الملكية ساخرًا: «حدّ تشاندرا خرافة.» سقط الصمت في القاعة، وسقط معه شاب في التاسعة عشرة تعرّض لأقسى إهانة فكرية يمكن أن يلقاها عالم ناشئ.

ذلك الرفض لم يكن علميًا فحسب، بل اجتماعيًا وعنصريًا أيضًا. فقد كان تشاندرا في نظر المؤسسة العلمية البريطانية شابًا قادمًا من مستعمرة؛ غريبًا على مسارح الاكتشاف الكبرى، لا يليق — في تصورهم — أن يناقشهم في مصير النجوم. لم يجد الانتماء ولا الإنصاف. ومع ذلك، لم ينسحب. غادر إلى الولايات المتحدة عام 1937 ليلتحق بجامعة شيكاغو، وهناك واصل بحوثه بصمتٍ وثبات، بينما كان الكون — ببطء — يُعِدُّ اعترافه.

ومع تطور المراصد، بدأت النجوم المنهارة تُخبر الحقيقة: ظهرت النجوم النيوترونية، ثم الثقوب السوداء… وكلها تؤكد — واحدًا بعد الآخر — أن الشاب الذي سُخِر منه كان محقًا تمامًا. وبعد ثلاثةٍ وخمسين عامًا من تلك الرحلة البحرية، نال تشاندرا جائزة نوبل عام 1983 عن الحدّ الذي حسبه في التاسعة عشرة من عمره.

قصة تشاندراسيخار ليست مجرد انتصار علمي؛ إنها مرآة مريرة لواقعٍ تعرفه شعوب كثيرة، ومنها السودان. فمثلما وُوجه تشاندرا بالإقصاء، واجهت العقول السودانية — خصوصًا في عهد الحركة الإسلامية — تضييقًا وتهميشًا منهجيًا. عشرات العلماء والباحثين وأصحاب المواهب النادرة وجدوا أنفسهم في بيئة لا تحترم السؤال، ولا تحتضن المعرفة، ولا تؤمن بالعلم إلا شعارًا.
النتيجة كانت موجعة: هجرة فيزيائيين وأطباء ومهندسين وباحثين… كلٌّ منهم نجمٌ كان يمكن أن يضيء سماء السودان.
كلُّ عالمٍ سودانيٍّ هاجر…مشروعُ نهضةٍ ضائع… كل فكرة أُجهِضت هي قفزة علمية لم تتحقق، وكل عقل أُقصي هو خسارة وطنية لا تُعوّض. ولو احتضنت الحركة الإسلامية هؤلاء العلماء ومنحتهم بيئةً حرةً للبحث، لكان السودان اليوم قوة علمية حقيقية في إفريقيا والعالم العربي.
كما أثبت الكون صحة حدّ تشاندرا بعد نصف قرن، يثبت التاريخ أن الدول التي تُقصي علماءها تهوي، وتلك التي تحتضنهم تنهض. العلماء يشبهون النجوم: يولدون ويضيئون، وإذا طُمس نورهم خسر الكون إشعاعه. والسودان اليوم يعيش هذا الخسران: حربٌ غذّاها ضيق الأفق وغياب العقل وغياب احترام العلم.

ومع ذلك، يبقى الأمل واقفًا على قدميه. العقول السودانية التي هاجرت تحمل في داخلها وطنًا صغيرًا لا يخبو. سيعودون يومًا، بعد أن يُشفى الجرح، ليعيدوا البناء، ويضيئوا ما انطفأ، ويكتبوا فجرًا جديدًا لهذا البلد المرهَق بجراحه.
قصة تشاندراسيخار تعلّمنا أن العبقرية قد تولد في العزلة، وأن الحقيقة قد تُسخَر منها المؤسسات، لكنها لا تموت؛ بل تنتظر اللحظة المناسبة لتثبت ذاتها. وكما يخضع الكون لقوانين الفيزياء ولا يرضخ لغرور العقول، يخضع التاريخ لقانون أبسط: الأمم التي تحتضن عباقرتها تصنع مستقبلها، والأمم التي تطردهم تمضي نحو الظلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..