مقالات وآراء

حرب بلا مشروع: لماذا يدفع السودانيون ثمن صراع البرهان وحميدتي والكيزان؟

 

كتبت: مروة كامل/صحفية مصرية
شهد السودان خلال العقدين الماضيين سلسلة من التحولات الدامية التي دفعت الدولة إلى واحدة من أعقد أزماتها منذ الاستقلال. الجوهر الحقيقي للأزمة يبدأ من إرث حكم الإخوان المسلمين، الذي امتد ثلاثة عقود وانتهى بتفكيك مؤسسات الدولة وخلق بيئة خصبة لصراع مسلح مفتوح.
بدأت القصة بانقلاب 30 يونيو 1989 الذي أطاح بالحكومة المنتخبة، وأعلن تعليق الدستور، وفتح الباب أمام سياسة التمكين، خلال سنوات قليلة تمت إعادة هندسة الدولة بالكامل، السيطرة على الجيش والأمن والقضاء والبنوك والإعلام، وفصل أكثر من مئة ألف موظف تحت مظلة “الصالح العام”.
تدهورت مؤسسات الدولة بالتدريج، واشتعلت الحروب في الجنوب حتى انتهت بانفصال جنوب السودان عام 2011 وخسارة 75% من النفط. ثم جاءت مأساة دارفور عام 2003، التي قُتل فيها ما لا يقل عن 300 ألف شخص ونزح أكثر من 2.5 مليون.
اقتصادياً انهار الجنيه، وتبخرت الاحتياطيات، وتمدد الفساد في الذهب والأراضي والبنوك. وفي الوقت نفسه تعرضت الصحافة لقمع ممنهج، بينما عاشت البلاد تحت عزلة دولية لأكثر من عشرين عاما بسبب سياسات متقلبة وتحالفات قصيرة المدى.
عقب سقوط النظام، دخل السودان مرحلة انتقالية سرعان ما تم الانقلاب عليها. اتفق البرهان (الجيش) وحميدتي (الدعم السريع) على إسقاط الحكم المدني، ثم تفجر الخلاف بينهما لاحقا عندما بدأ كل طرف يرى الآخر تهديداً مباشراً لنفوذه. تحول المشهد إلى صراع مسلح مفتوح بين قوتين كبيرتين، ومعهما ميليشيات أصغر تبحث عن نصيبها من السلطة.
في الخلفية، ظهر الكيزان مرة أخرى عبر محاولات منظمة لإفشال الانتقال المدني، مستخدمين نفوذهم داخل بعض مفاصل الدولة، وافتعال احتجاجات، وتمرير موالين داخل الصف المدني. ولهذا يرفض الإسلاميون أي هدنة أو اتفاق سياسي، لأن أي مسار عدالة حقيقي سيعيد فتح ملفات جرائم الحرب، ويضع قادتهم والبشير في مواجهة المحاسبة الدولية.
المحصلة النهائية واضحة: الصراع في السودان اليوم هو صراع سلطة وبقاء، لا مشروع وطني ولا رؤية دولة. وفيما تتقاتل الأطراف المسلحة، يدفع السودانيون الثمن الأكبر، دولة تتفتت، واقتصاد ينهار، وملايين من الجوعى والنازحين واللاجئين.
إنه وجع بلد أصبح رهينة لمعادلة السلاح؛ دولة تدار بالرصاص لا بالقانون، بينما يظل الشعب هو الضحية الوحيدة، يدفع الثمن من روحه ولقمته ومستقبله في صراع لا ناقة له فيه ولا جمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..