المشروع الوطني لليوم التالي: البرنامج الإسعافي لإعادة الإعمار والانتقال النهضوي

مقدمة
تشكل الحرب الأهلية الدائرة منذ ما يقارب ثلاث سنوات أكبر كارثة تواجه بلادنا في تاريخها الحديث؛ إذ لم تكتفِ بتقويض مؤسسات الدولة، بل مزّقت نسيج المجتمع، ودمّرت البنية التحتية، وأغرقت الاقتصاد في ركود عميق. وفي ظل هذا الدمار، يغدو الحديث عن برنامج إسعافي وإعادة الإعمار ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية لبقاء الدولة والمجتمع، واستعادة المسار المدني الديمقراطي النهضوي، وبناء سلام مستدام يُنهي “المتلازمة السودانية” الناتجة عن الفشل المزدوج في إدارة التنوع الهوياتي-الجهوي من جهة، وتحقيق الانتقال التنموي النهضوي من جهة أخرى، بما يعالج جذور التخلف والنزاعات وعدم الاستقرار السياسي.
في مقالنا السابق (الموسوم “دروس وعِبَر من تجربة الإصلاح الاقتصادي الانتقالي: نحو صياغة مشروع وطني للإصلاح بعد الحرب في السودان”) قدمنا تقييماً لتجربة الإصلاح الاقتصادي للحكومة الانتقالية عقب ثورة ديسمبر المجيدة، وأستعرضنا الدروس والعِبَر للبرنامج الإسعافى لإعادة الإعمار بعد الحرب. سنعرض في هذا المقال لملامح عامة لهذا البرنامج، وفي المقالات القادمة سنأخذ أهم مكوناته كلاً على حده بتفصيل أكثر.
أولاً: مكوّنات البرنامج الإسعافي لما بعد الحرب
1. استعادة الأمن و العون الإنساني:
لا يمكن لأي مشروع وازن لتقديم العون الإنساني وإعادة الإعمار أن يبدأ من دون وقف شامل للحرب وإطلاق عملية إعادة بناء القوات النظامية والمؤسسات العدلية بحسب المعايير الدولية تحت قيادة وإشراف السلطة المدنية الانتقالية.
تقديرات العون الإنساني العاجل: نحو 6 مليارات دولار سنوياً (4.2 مليار داخل السودان و1.8 مليار للاجئين)، موجّهة لمكافحة الجوع ودعم النازحين واللاجئين والخدمات الأساسية الطارئة.
ترميم المرافق الأساسية: يتطلب ما لا يقل عن 2-3 مليار دولار إضافية خلال الثلاث إلى خمس سنوات الأولى للتعافي المبكر.
(1) بحسب التقديرات الحديثة الصادرة من مكتبى الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية و المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
2. تعبئة الموارد الذاتية والدولية المجمّدة:
الأولوية الوطنية: تعبئة الإيرادات الوطنية، بدءاً بالشروع فوراً في إنشاء الجهاز القومي للإيرادات.
يهدف هذا الجهاز إلى إنهاء الازدواجية، وتعزيز الحوكمة المالية، وتفعيل التقسيم العادل للموارد، ومأسسة الرقمنة، وصولاً إلى رفع الحصيلة الضريبية إلى 20% من الناتج المحلي (3).
(2) القرار الوزاري رقم (23) بتاريخ 9/12/2019م بتشكيل لجنة برئاسة الأستاذ فتح الرحمن جاويش لوضع خطة إنشاء الجهاز القومي للإيرادات.
(3) الحد الأدنى للإيرادات الضريبية (15% من الناتج المحلي) لكي لا تُوصف الدولة بأنها “دولة رخوة” (fragile state) (النسبة لم تتعدى 6% في ظل النظام البائد).
الموارد الخارجية المجمّدة (تتجاوز 10.5 مليارات دولار): تظل متاحة في حال استعادة مسار التحول المدني.
منح ثنائية: 2.5 مليار دولار
تمويل من المؤسسة الدولية للتنمية (البنك الدولي): أكثر من 1.5 مليار دولار
موارد من صندوق النقد الدولي: 2.5 مليار دولار
تمويلات إنمائية أخرى: 1-2 مليار دولار
استثمارات أجنبية مباشرة محتملة: 1-4 مليار دولار في الزراعة واللوجستيات
3. تشغيل الشباب وبرامج “النقد مقابل العمل”:
يتطلب مشروع إعادة الإعمار إطلاق برامج واسعة لتشغيل الشباب في مجالات تشمل:
إدارة برامج العون الإنساني ومكافحة المجاعة.
بناء القواعد البيانية الرقمية وإكمال مشروع الرقم الوطني الموحد.
دعم عودة اللاجئين وإعادة توطين النازحين.
صيانة الطرق والمباني العامة، وإزالة الأنقاض، وإعادة بناء المرافق الخدمية.
إعادة تنفيذ مشروع دعم الأسر عبر الهاتف النقّال بعد إعادة تصميمه.
وقد أثبت نهج تدريب وتوظيف الشباب بعد الحروب والكوارث نجاحه في رواندا ولبنان وإثيوبيا.
4. إعادة بناء الخدمة المدنية عبر “التشبيب” والمصافحة الذهبية:
التشبيب: برنامج واسع لتدريب وتأهيل جيل أو جيلين من فئة الشباب المؤهل لقيادة مشروع التحول الرقمي وبناء حكومة إلكترونية.
المصافحة الذهبية: إنشاء صندوق للحماية الاجتماعية لتمويل “مصافحة ذهبية” للمسرحين (بالتراضى) من منسوبي الخدمة المدنية، إضافة إلى تمويل برنامج إعادة بناء القوات النظامية.
ثانياً: الأسس الاقتصادية لإعادة الإعمار
1. الانتقال من التقشف إلى النمو:
المطلوب هو تحفيز النمو من خلال زيادة الاستثمار العام، خصوصاً في الزراعة، والبنية التحتية، والطاقة، والتعليم، ورأس المال البشري.
هذا النهج يشبه ما قامت به كوريا الجنوبية في الستينيات وما نفّذته إثيوبيا خلال الفترة 2004-2015.
2. التحول الهيكلي في الزراعة وبناء ممرات النمو حول المدن المنتجة (development corridors):
استراتيجية التنمية الزراعية: استراتيجية متكاملة لتحويل الموارد الزراعية الكامنة إلى روافع للنمو الاقتصادي السريع والمستدام، كما في تجارب فيتنام والهند، عبر:
الاستثمار في بناء القاعدة الرأسمالية (البذور، البنية التحتية، الري، السلع الرأسمالية).
تمكين المجتمعات الزراعية (التعاونيات، اتحادات المزارعين، الخدمات الأساسية).
سياسات كلية داعمة للأسعار، وسعر صرف منافس، واستقرار مالي.
المدن المنتجة وممرات النمو: تبني رؤية “جعل الزراعة كالصناعة” باعتماد بناء “محاور النمو حول المدن المنتجة”، والربط اللوجستي بينها وبين الأرياف، على غرار نموذج الممرات التنموية في كينيا وإثيوبيا.
3. الصناديق الاجتماعية والتحويلات النقدية:
لضمان نجاح الإعمار، لا بد من بناء منظومة لتمويل إعادة بناء الخدمة المدنية والقوات النظامية والحماية الاجتماعية المستدامة:
إنشاء صندوق للحماية الاجتماعية الشاملة: لتمويل “المصافحة الذهبية” وبرنامج “إعادة بناء القوات النظامية” – يتطلب قرض طويل الأجل قد يتراوح بين 3.5-4.5 مليار دولار.
إنشاء صناديق مخصصة لتمويل قطاعي التعليم والصحة، إضافة إلى اعتمادات الموازنة الجارية.
إعادة إطلاق برنامج “دعم الأسر” عن طريق التحويلات النقدية بواسطة الهاتف النقال بإستخدام معلومات الرقم الوطني الموحد.
برنامج “Bolsa Família” البرازيلي قد لعب دوراً مركزياً في تخفيف الفقر بعد الأزمات ويمكن النظر في الاهتداء به.
ثالثاً: الأساس السياسي والمؤسسي لإعادة الإعمار والانتقال النهضوي
تأسيساً على خمس مرتكزات سياسية ومؤسسية (الشرعية الاقتصادية؛ النظام الرئاسي- البرلماني الهجين؛ الانتقال من نظام الولايات إلى الأقاليم والمحليات حول المدن الكبرى؛ حكومات الوحدة الوطنية؛ والسردية الوطنية الجامعة)، علينا تحديد البرامج القمينة بإنجاز مرحلة تعافي الاقتصاد وإعادة الإعمار وصولاً إلى آفاق الانتقال الاقتصادي النهضوي.
في هذا السياق نزمع إفراد عدة مقالات لمكونات المشروع الاقتصادي التالية:
تدريب وتوظيف الشباب لدعم العون الإنساني، إعادة الإعمار وإعادة بناء الخدمة المدنية والقوات النظامية.
تمويل “المصافحة الذهبية” وصناديق الحماية الاجتماعية.
النسخة الثانية من برنامج “دعم الأسر”.
التحول الهيكلي في القطاع الزراعي والانتقال التنموي النهضوي – مشروع المدن المنتجة وممرات النمو.
خاتمة
إن البرنامج الإسعافي وإعادة الإعمار الذي نقترحه ليس وصفة تقنية معزولة، بل هو جزء لا يتجزأ من مشروع وطني أشمل يهدف إلى إنقاذ الدولة السودانية من براثن الانهيار، واستعادة قدرتها على بسط الأمن، وتقديم الخدمات، وتعبئة الموارد، وتحريك عجلة النمو، وتعزيز رأس المال البشري، وفتح الطريق نحو الانتقال النهضوي المنشود.
إن السودان لا يمكن أن ينهض من جديد إلا عبر رؤية مدنية وطنية تعالج جذور أزماته البنيوية، وتُعيد تأسيس عقد اجتماعي جديد يقوم على الشرعية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، والحوكمة الرشيدة، وسيادة القانون.
يمثّل هذا البرنامج الإسعافي – بما يتضمنه من أولويات عاجلة في الأمن والعون الإنساني، وإعادة الخدمات العامة، وتشغيل الشباب، وإصلاح الخدمة المدنية، وتنمية القطاعات الإنتاجية، وتطوير شبكات الأمان الاجتماعي – الجسر الضروري الذي يربط بين حالة الطوارئ الإنسانية وبين آفاق التحول التنموي على المدى المتوسط والبعيد.
إن السودان يقف اليوم على مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن ينقاد إلى منطق الانهيار المُتسلسل، أو أن يختار – بإرادة جماعية – مسار شعار الثورة المجيدة – “حرية، سلام وعدالة” – المفضي إلى قيامة السودان ونهضته.
المراجع:
(1) أنظر الرابط: https://press.un.org/en/2025/sgsm22555.doc.htm?utm_source=https://www.google.com/search?q=chatgpt.com
(2) كوزير مالية فى الحكومة الانتقالية قد أصدرت القرار الوزاري رقم (23) بتاريخ 9/12/2019م بتشكيل لجنة برئاسة الأستاذ فتح الرحمن جاويش، الأمين العام الأسبق لديوان الضرائب بوضع خطة إنشاء الجهاز القومي للإيرادات في السودان وذلك استناداً على قرار مجلس الوزراء في الاجتماع رقم (10) بتاريخ 19/11/2019م.
(3) هناك توافقاً بين خبراء السياسة المالية العامة بأن الحد الأدنى للإيرادات الضريبية لكى تتمكن الدولة من الإيفاء بمسئولياتها المالية يقدر بحوالي 15% من الناتج المحلى الإجمالى، بينما الدولة التي لا تستطيع توفير هذا الحد الأدنى توصم بأنها دولة رخوة: fragile state – الجدير بالذكر أن هذه النسبة لم تتعدى 6% فى ظل نظام الإنقاذ البائد.




تحدث البروف و الوزير السابق للمالية عن أن الحد الأدنى لنسبة الإيرادات الضريبية من الناتج المحلي الاجمالي هو 15% لكى تتمكن الدولة من الإيفاء بمسئولياتها المالية
طبعا هذه النسبة العالية من الضرائب تم تحديدتها في الدول المتقدمة حيث تقوم الدولة بواجباتها و مسؤولياتها و تطبق القوانين و اللوائح من دون فساد أو محسوبيات أو أموال مفقودة رايحة و ما حد عارف مشت وين أما في السودان فكلكم يعرف الوضع و كلكم يعرف ان هناك مشاريع صغيرة تتم في شهور عند الدول ذات القيادات الرشيدة بينما تأخذ عندنا اكثر من عشر سنوات مثل كبري الدباسين و المطار الجديد و مشاريع كثيرة ربما كان بعضها سريا .
الوزير ذكر المغنم بالنسبة لوزارته و قال ان اعلى نسبة تم تحصيلها من الايرادات الضريبية كانت 6% بينما النسبة القياسية 15% و لم يذكر لنا نسبة ما صرف من هذه الايرادات على البنية التحتية و احتاجات المواطن المغلوب على أمره