
يمثل الإسلام في السودان نموذجاً فريداً لتداخل الدين مع تشكيل الهوية وإدارة السلطة. لفهم هذا التداخل، يجب تفكيك الرواية الأحادية التي تقدم الإسلام ككيان متجانس، والكشف عن كيفية تحوله إلى حقل للصراع بين هوية عربية مهيمنة وهويات إثنية متعددة.
الإسلام العربي السوداني- العربوية كإطار سياسي وتأسيس للدولة
لم يكن انتشار الإسلام في السودان مجرد عملية تبشيرية سلمية، بل كان جزءاً من مشروع سياسي لبناء “دولة الإسلام العربية”. هذه “العربوية” (Arabism) – وهي أيديولوجية تجعل من العروبة معياراً للانتماء والحقوق – أصبحت الإطار الذي حُوكمت من خلاله الهوية والمواطنة.
التأسيس التاريخي- يشير الباحث عبد الغفار محمد أحمد في دراساته عن الدولة والمجتمع في السودان، إلى أن السلطنات الإسلامية مثل سلطنة الفور، رغم أنها كانت إفريقية المكون، إلا أنها تبنت الإسلام كلغة للحكم والشرعية، مما مهد الطريق لربط الإسلام بالسلطة المركزية. لكن التحول الأهم جاء مع الدولة المهدية (1885-1898) التي مثلت أول كيان سياسي يوحّد معظم أرجاء السودان الحالي تحت راية إسلامية، لكنها ربطت هذه الراية بشكل وثيق بالهوية العربية-السودانية، مما أدى إلى تهميش المجموعات غير العربية في دارفور وجنوب كوردفان والنيل الأزرق.
الدولة الوطنية والاستمرارية – بعد الاستقلال، واصلت النخب الحاكمة في الخرطوم هذا النهج. يوضح د. فرانسيس دينغ في كتابه “هوية السودان العربية – معضلة الهوية غير المسوية” أن النخبة الشمالية ذات الجذور العربية استخدمت الإسلام والعروبة كأداتين لشرعنة هيمنتها وبناء دولة مركزية، متجاهلة التعدد الثقافي واللغوي للسودان. وهكذا، تحول الإسلام من “دين” إلى “أيديولوجيا دولة” تكرس لتفوق مجموعة إثنية على أخرى.
التسلسل العرقي والإثني- التناقض بين المبدأ الديني والممارسة التاريخية
النص القرآني المؤسس (“يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”) يلغي أي تفاضل عرقي. لكن الممارسة في السودان أنشأت تسلسلاً هرمياً إثنياً-دينياً.
التمييز الهيكلي- يصف الباحث منصور خالد في كتابه “السودان – المسار إلى الهاوية” كيف أن سياسات الحكومات المتعاقبة، خاصة نظام الإنقاذ (1989-2019)، وظفت مؤسسات الدولة (التعليم، القضاء، الإعلام) لترسيخ ثقافة التفوق العربي-الإسلامي. فعملية “التعريب” لم تكن مجرد تعميم للغة العربية، بل كانت مشروعاً ثقافياً لإذابة الهويات غير العربية.
الإسلام “المركزي” والإسلام “الهامشي”- نشأت ثنائية حيث يُنظر إلى الإسلام كما يمارسه العرب السودانيون في الوسط والشمال على أنه الإسلام “الصحيح” أو “الراقي”، بينما يُوصف الإسلام كما يمارسه غير العرب (مثل الفور، النوبة، البجا) بأنه “مشوب بالخرافات” أو “هامشي”
هذه النظرة، كما يحلل عبد الوهاب الأفندي، تستخدم الدين لتبرير التهميش السياسي والاقتصادي للمناطق الطرفية.
الإسلام السياسي وصراع السلطة- توظيف الدين وتفكيك الروحانية
شهد القرن العشرون والواحد والعشرون صعود حركات الإسلام السياسي التي حولت الدين إلى أداة في الصراع على السلطة، مما عمق أزمة الهوية.
تجربة نظام الإنقاذ — يمثل نظام عمر البشير (1989-2019) النموذج الأبرز لتوظيف “العربوية الإسلامية”
فباسم تطبيق الشريعة، تم تمرير قوانين سبتمبر 1983، وتأسيس مؤسسات أمنية ودعوية (مثل “قوات الدفاع الشعبي” “المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي”) هدفها المعلن نشر الإسلام، والضمني ترسيخ هيمنة المركز العربي
يرى د. حسن مكي في كتابه “الإسلاموية في السودان” أن النظام حول الإسلام إلى أيديولوجيا قمعية، حيث تم تسويغ القمع الوحش للمعارضين في دارفور وجنوب السودان (قبل الانفصال) تحت ذريعة محاربة “التمرد” و”حماية الإسلام”.
تفتيت النسيج الاجتماعي- أدى هذا التوظيف السياسي إلى إفراغ الإسلام من مضامينه الروحانية والأخلاقية لدى قطاعات واسعة، خاصة من غير العرب. لم يعد الدين رابطاً جامعاً، بل أصبح علامة على الانقسام والاضطهاد.
مقارنة تجريبية- دروس من السنغال وماليزيا
مقارنة السودان بتجارب أخرى يكشف أن المشكلة ليست في الإسلام نفسه، بل في النموذج السياسي الذي يُطبق من خلاله.
السنغال – الإسلام الصوفي المتصالح مع الهوية الإفريقية
يهيمن على المشهد الديني في السنغال الطرق الصوفية (كالمريدية والتيجانية) هذه الطرق، كما يوثق د. خديجة محمدو، نجحت في دمج الإسلام مع الثقافة الولوفية المحلية، ولم تُقم تسلسلاً هرمياً عرقياً
القيادة الدينية هنا مبنية على الزهد والكرامة الروحية، لا على النسب العرقي
كما أن الدولة تبنت نموذجاً علمانياً يفصل بين الدين والسياسة، مما حمى الساحة الدينية من الصراع على السلطة.
ماليزيا – الإسلام في دولة متعددة الأعراق-
رغم أن المالايا المسلمين يحظون بامتيازات دستورية (بموجب “بوميبوترا”)، إلا أن الدولة تعترف رسمياً بالتعددية الدينية والإثنية. الإسلام هو “دين الاتحاد”، لكنه ليس مصدر التشريع الوحيد
هناك نظام قضائي مزدوج (شرعي ومدني) يحاول – رغم إشكالياته – تحقيق توازن. يشير الباحث فاريد زكريا إلى أن النجاح النسبي لماليزيا يعود إلى اعتراف الدولة بالتنوع كحقيقة قائمة، وعدم محاولة إذابة الهويات غير الملايوية في بوتقة عربية إسلامية أحادية.
المستقبل بين الصدام والتعايش – نحو إسلام سوداني تعددي
بعد ثورة ديسمبر 2019، التي هتفت بشعار “حرية، سلام، وعدالة”، يقف السودان عند مفترق تاريخي.
خيار الاستمرار- الإصرار على النموذج العربوي، حتى في صيغته المخففة، سيعني استمرار دورات الصراع. فالصراع في دارفور ومنطقتي النيل الأزرق وجنوب كوردفان لم يتوقف، وهو في جوهره صراع على الهوية والموارد وليس دينياً.
خيار إعادة البناء- المستقبل يكمن في فصل الإسلام كمصدر للقيم الروحية والأخلاقية الفردية والجماعية، عن الإسلام كأيديولوجيا دولة أحادية. هذا يتطلب
اعتماد نموذج دولة المواطنة- حيث تكون الحقوق متساوية بغض النظر عن الدين أو العرق أو الإثنية
*الاعتراف الدستوري بالتعددية- واعتبار التنوع الإثني والثقافي ثروة قومية، وليس نقمة
إحياء التصوف السوداني والتقاليد المحلية- التي تمتاز بالمرونة والتسامح، كمورد لبناء نموذج إسلامي سوداني شامل، بعيداً عن هيمنة الخطاب الأيديولوجي.
*المراجع المعاصرة الداعمة:
الأفندي، عبد الوهاب. (2019). السودان: من الدولة الدينية إلى دولة القانون.
دينغ، فرانسيس. (2010). هوية السودان العربية: معضلة الهوية غير المسوية.
خالد، منصور. (2003). السودان: المسار إلى الهاوية.
مكي، حسن. (2012). الإسلاموية في السودان: من الدولة الثورية إلى المشروع الحضاري.
Mohamed, K. (2018). Sufism and Society in Senegal. Oxford University Press.
Zakaria, F. (2003). The Future of Freedom: Illiberal Democracy at Home and Abroad. W.W. Norton & Company.



