المتاجرة بمآسي الشعب: بين الاقتصاد الإنساني وغياب الالتزام الأخلاقي (كلاب كَن داوسو بخت الأرنب)

م/ آدم مكرم
في زمن الحروب، تصبح الكوارث الإنسانية ساحة تتقاطع فيها السياسة بالاقتصاد، ويختلط فيها الواجب الأخلاقي بالمصلحة. ومع هذا التعقيد، برزت ظاهرة تثير الأسى والاستفهام في آن واحد: استثمار بعض المنظمات في معاناة الشعوب، وتحويل الأزمات إلى منصات لجذب التمويل بدل أن تكون دافعًا لوقف النزاعات.
لقد قدّمت حرب 15 أبريل مثالًا فجًّا على هذا الخلل. فبينما كان الناس يفرّون من بيوتهم، ويكابدون الجوع والخوف والضياع، انشغلت بعض المنظمات بكتابة مقترحات المشاريع وصياغة مبادرات ذات عناوين لامعة، لكنها خاوية من أي أثر فعلي. لم يصدر بيان ضغط واحد يطالب بوقف الحرب، ولم تُقدَّم مبادرة جادة تعالج جذور النزاع. بدا المشهد – في جانب منه – كما لو أنّ استمرار الحرب شرط ضمني لبقاء الدعم.
من منظور أكاديمي، يمكن قراءة هذا المشهد بوصفه تحوّلًا للعمل الإنساني إلى اقتصاد موازٍ تُختزل فيه المأساة إلى مؤشرات قابلة للتمويل. تُحوَّل حياة البشر إلى بيانات وتقارير، وتتبدّل أخلاقيات التدخل إلى لغة تقنية باردة. هذا ما يشير إليه باحثو التنمية والنزاع عند تناول ما يسمّى “صناعة الإغاثة”، وهي صناعة تستمد استمراريتها من بقاء الأزمات بدل انحسارها، وتنتج مشاريع قصيرة الأثر لكنها عالية العائد على المنفّذين.
أما من زاوية صحفية، فالمشهد يحمل مفارقة موجعة:
ناسٌ يموتون، وآخرون يكتبون تقارير.
شعب يفقد مدنه، ومنظمات تنشغل بملء النماذج وإقامة الورش داخل الفنادق.
يتقدّم الابتذال الأخلاقي، وتُكسر الإرادة، ويغيب الانحياز الصريح للضحايا. تتحوّل لغة التضامن إلى عبارات زخرفية لا تغادر الورق، بينما يتوارى الصوت الأخلاقي المطلوب في لحظة تتطلّب وضوحًا وشجاعة.
ويبقى السؤال المُلحّ:
إلى متى يستمر هذا الانزلاق؟
إلى متى تُختزل المأساة الإنسانية في “مشروع” يُقدَّم للمانحين؟
وأين يقع الضمير المؤسسي حين يصبح الألم فرصة، والحرب سياق عمل مستدام؟
ولا يمكن إعفاء المانحين كذلك؛ فآليات التمويل التي تفضّل المشاريع القصيرة والسريعة تُسهم في تكريس هذا النمط، بدل دعم مسارات تُطالب بإيقاف النزاعات ومعالجة جذورها. هكذا يتشكّل نظام كامل يعيد إنتاج الأزمة بدل تفكيكها.
نحو خطاب إنساني مسؤول
ما تحتاجه البلاد اليوم لا يقتصر على الإغاثة الطارئة، بل يتطلّب إعادة تعريف حقيقي لدور الفاعلين الإنسانيين. يجب أن يصبح الدفع نحو وقف الحرب جزءًا أصيلًا من رسالتهم، لا نشاطًا جانبيًا أو ترفًا مؤسسيًا. فغياب هذا الالتزام يضع الجميع أمام سؤال أخلاقي حاد:
هل الهدف هو تخفيف المعاناة فعلًا؟ أم تدويرها داخل دورة تمويل جديدة؟
في الختام، مآسي الشعوب ليست مادة أولية لاقتصاد إنساني مشوَّه، ولا ينبغي أن تكون الحرب فرصة مهنية لأي جهة. احترام إنسانية الضحايا يبدأ بالمطالبة الجادة بوقف النزاع، ويمتد إلى مساءلة كل من يحوّل الألم إلى ربح، والمعاناة إلى مشروع.
م/ آدم مكرم
كمبالا – ديسمبر 2025



