الفهم الخاطئ للهامش والمهمشين

شوقي بدري
في بداية السنة الدراسية، بدأ ابني عثمان دراسته الإعدادية. وقد بلغ السادسة عشر. كان من قبل يتجنب أكل المدرسة بالرغم من أن الأكل جميل، ويقدم في شكل بوفيه. وللطالب الحق في أن يأخذ أي قدر من الخبز والزبدة والحليب. وعندما يأتي إلى المنزل يكون جائعاً وبشهية مفتوحة. والأكل في كل مدارس السويد مجاني. وبالسؤال يقول إنه قد أكل في مطاعم ماكدونالد أو البيتزا والكباب. وكنت أظن أن أمه تعطيه المال، ولكن عرفت أن المدرسة تعطيهم المال، ولكن في شكل كوبونات، حتى لا يُساء استغلالها.
وبعض أكل المدارس الإعدادية الكبيرة ينافس المطاعم، ويعد بواسطة طباخين ماهرين، وبعدة خيارات، وفي قاعات رائعة. ولأن مدرسة عثمان مدرسة صغيرة متخصصة في الكمبيوتر، فالمدرسة تقول إن الأحسن أن يأكل الطلاب ما يفضلونه بدلاً عن تقديم طعام يُترك كفضلات على الأطباق. ولكل طالب يسكن على مسافة أكثر من 1500 متر يمنح كرتاً للبص إلى المدرسة وداخل المدينة من الدولة. ويستلم كل طالب 9 دولارات للأكل. وإذا أراد أن يشتري شيئاً إضافياً فله مصروف من الدولة عبارة عن 160 دولاراً في الشهر. والطلاب يشتكون من بخل الدولة.
صحفية لبنانية كتبت قبل بضع سنوات أن صديقتها الكاتبة السويدية قد اشتكت من ظلم الحكومة السويدية لأن الكاتبة قد أصدرت كتابين، ولكن ما يصلها من الدولة ككاتبة يكفي فقط للإيجار والسيارة والهاتف والصحف والكتب والمجلات ومصاريفها الشخصية. وأنها تقدمت للدولة بطلب أن تتكفل الدولة السويدية بإقامتها في أمريكا لمدة سنتين، ولكن سُمح لها بسنة واحدة. والكاتبة السويدية كانت تقول للصحفية اللبنانية: “طبعاً دولتكم لا تعامل الكتاب بهذا السوء”. واللبنانية قالت إنه لم يكن يجدي أن تشرح للسويدية أن الحكومة في كثير من البلاد عندما لا تسجن وتعذب الكاتب فهذا كرم كبير.
قبل عشرين سنة اشترت ابنتي سابينا وزوجها منزلاً بالقرب من المطار. وكنت معهم لمعاينة المنزل فلقد صار لي خبرة. والمنزل كان من الحجر ومزوداً بكل الاحتياجات العصرية. والطابق العلوي من الخشب ككثير من منازل السويد. ولكن لاحظت أن للمنزل أربعة أبواب خارجية. والمنزل ليس بالضخامة التي يحتاج فيها لأربعة مخارج. المسكن كان تابعاً لأحد البارونات والذي لا تزال أسرته تسكن في قصر جميل، ولهم مزارع على مد البصر. والمسكن كان مسكناً لأربع من أسر الأقنان أو ما عُرف بعمال المزارع. وهؤلاء عرفوا في السويد باسم “ستاتارا”. وعرف المنزل في المنطقة بمسكن النساء المتشاجرات. فالسكن بتلك الطريقة وسط مجموعات من الأطفال، وقد يكون معهم الجد والجدة كذلك، يجعل الحياة تعسة. والسيد مالك العبيد يسعده أن عبيده في حالة شجار، فسيسهل عليه معرفة من يسرق ومن يفكر في الهرب.
والستاتارا كانوا أقرب إلى العبيد، ولم يكونوا يتلقون أجراً بل كان لهم الحق في شراء كل شيء من متجر المالك. ولهم الحق في جوال واحد من البطاطس يقومون بزراعته ويخزنون البطاطس لكل الشتاء لأكلهم. وقد تقضي الآفات على المحصول. وفي نهاية العام، يكون عمال الأرض مديونين. وبعض الدين يكون عبارة عن خمور يشتريها عمال الأرض لنسيان تعاستهم. ولهذا صار بيع الخمور في السويد والنرويج في يد الدولة ولا يزال. ومثل روسيا، تعاني السويد من مشكلة الخمور إلى الآن. فالأقنان في روسيا قديماً كانوا يباعون مع الأرض. وكان الكولاك أو كبار ملاك الأراضي يعاملونهم مثل الحيوانات. وكانت الفودكا من أهم أدوات السيطرة عليهم.
المنزل كان بمساحة 10 آلاف متر مربع وفيه بحيرة صغيرة. كان لسكانه قديماً إمكانية السباحة في الصيف والاغتسال. وعندما أرادت والدة أبنائي اقتطاع قطعة من الأرض لبناء مسكن لها، اكتشفنا أن سبب رخص الأرض في تلك المنطقة يرجع إلى أنه ممنوع منذ نصف قرن بناء أي شيء إضافي في تلك المنطقة. لأن المنطقة كانت قد حُددت لبناء المطار الحديث الذي بُني في السبعينات. ويخططون لأن تكون المنطقة بعد 100 سنة امتداداً للمطار وفنادق ومنشآت تابعة للمطار وكلية طيران… إلخ. ونحن في السودان نخطط منذ 60 سنة لنقل مطار الخرطوم.
المساكن كانت بدون ماء جارٍ بل بئر في الخارج بمضخة يدوية. والسكن عبارة عن غرفة واحدة ومطبخ في أغلب الأحيان. وليس هنالك حمام، بل كابينة خارج المبنى لقضاء الحاجة. والاستحمام ليس من النشاطات اليومية، وقد يحدث في يوم الأحد قبل الذهاب إلى الكنيسة. والسويديون لم يُعرف عنهم التمسك بالذهاب إلى الكنيسة. والاستحمام يحدث في حوض كبير من الزنك. وقد يستخدم ذاك لغير الحمام. ويُغلى الماء ويستحم الأب ثم الأم وبعدها الأطفال ولا يُغيَّر الماء. ومنذ نهاية السبعينات لم يعد في السويد منازل تفتقد التدفئة المركزية والماء الساخن وماكينات غسيل الملابس الحديثة.
المساكن كانت في أغلب الوقت من الألواح الخشبية. ولم تكن عملية العزل متكاملة، خاصة في الطابق الثاني. وقديماً كانت المنازل تُبنى من جذوع الأشجار. وكانت عملية العزل أجود. والفئران كانت جزءاً من المسكن مع الحشرات والصراصير. والقمل يتفشى بين السكان. وكان السل من الأمراض العادية. وكان الفقر والرطوبة والبرد من مشاكل عامل الزراعة. ومن العادة أن يكون لهم الكثير من الأطفال، لأن البعض يموت في سن الطفولة.
الستاتارا كانوا عادة متزوجين. وكانت سن الزواج متدنية. فصاحب الأرض يريد العامل المتزوج لأن زوجته تشارك في عملية حلب الأبقار. ويساعدها بناتها عندما يكبرن. وكان على المرأة أن تحلب 16 بقرة أو 150 لتراً من الحليب. وعملية الحلب تحدث مرتين في اليوم. وعلى النساء غسل الأوعية وكل مستلزمات الحلب. وتواصل المرأة الحامل عملها إلى أن تضع طفلها. ويحق لها بعد الوضع أن تستمتع براحة، وتُعفى من حلبة واحدة. فإذا وضعت في النهار تُعفى من حلبة المساء. وإذا وضعت في الليل تُعفى من حلبة الصباح. وكان مرتب المرأة 50 كرونة أو ما يعادل أعلى قليلاً من 3 جنيهات سودانية. وهذا الوضع لم يُلغَ رسمياً إلا بعد الحرب العالمية، ولكنه استمر بطريقة أبسط إلى بداية الخمسينات.
وكان هذا الوضع سائداً في وسط وجنوب السويد حيث الكثافة السكانية. وجنوب السويد هو بمثابة سهول أركنساس في أمريكا أو سهول فويفودينا في يوغوسلافيا، سلة الغذاء. وأول من كتب عن مشكلة أقنان الأرض كان الكاتب العظيم إيفار لو يوهانسون. وكتابه الأول كان في بداية الثلاثينات تحت عنوان “ليلة سعيدة أيتها الأرض”. وأتبعه بكتاب آخر أكثر روعة في بداية الأربعينات، تحت اسم “بروليتارية الأرض”. وتلك الكتابات تذكر الإنسان بالرواية الصينية القديمة “الأرض الطيبة”.
من الأشياء التي تُحسب للملك السويدي أنه كثيراً ما وقف ضد البارونات لصالح الفلاحين. والسويديون بالرغم من الاشتراكية يحتفظون بالملكية. ولقد قال الملك غوستاف جد الملك الحالي: “إن الشعب السويدي لا يحتاج لملك”. والحكومات الاشتراكية عرفتها السويد منذ بداية القرن الماضي، وهي التي تسببت في العدالة الاجتماعية وتطور السويد السريع. ففي عقدين انتقلت السويد من العبودية إلى الرفاهية. والمحافظون في السويد اليوم يتبنون السياسة الاشتراكية. ووزير المالية المحافظ يطلق شعره إلى منتصف ظهره ويضع قرطاً على أذنه.
لقد قال رئيس الوزراء كارل بيلد، الذي هو اليوم وزير الخارجية، إن الأجور إلى الستينات كانت متدنية جداً في السويد. وذكر عدة دول كانت خيراً من السويد، أحدها السودان.
والد زوجتي النرويجية العم يونسون كان مهندساً في النرويج. وكان قد عمل لعشر سنوات قبل أن يحوز على عقد جميل في 1964 ليعمل في حوض السفن “كوكومس” في مالمو الذي كان أكبر حوض سفن في العالم، قبل أن يسيطر الكوريون على تلك الصناعة. المرتب كان ما يعادل 60 جنيهاً سودانياً، وكانت تلك طفرة بالنسبة لهم. ووقتها في السودان، المهندس الذي عمل لعشر سنوات يكون من مخصصاته مسكن كبير بحديقة وجنايني وسيارة وبنزين ومرتبه يفوق المئة جنيه. والمهندس يونسون سكن مع زوجته وبنتيه في شقة صغيرة وكانوا يغسلون ملابسهم بأيديهم. وعندما ينشرونها لتجف تصير كالخشب بسبب التجمد.
في سنة 1929 قام ملاك الأرض بطرد 100 من أقنان السويد خارج مدينة كالمار التي في الساحل الجنوبي الشرقي في السويد. وكان الستاتارا قد انضموا إلى اتحاد النقابات المركزي. وتضامن معهم 5 آلاف عامل ساروا في مسيرة وهم يحملون الأعلام واللافتات. وهددوا بمقاطعة منتجات أصحاب الأرض. وتراجع ملاك الأرض. والرأسمالية عادة توقع بين المزارع وأهل المدن، وتصور المزارع بالجشع الذي يبيع منتجاته بأسعار عالية. وهم السبب في جوع العامل. والمزارع يسمع أن العامل في المدينة هو الذي يعيش جيداً على عرقه.
وصار يوم 8 أغسطس 1929 معلماً وحقاً لعمال المزارع وكل قطاعات المجتمع في الانضمام إلى النقابات. وكانت تلك آخر معركة في حق التنظيم النقابي.
في سنة 2009 قام أصحاب الأرض في جنوب أفريقيا في “استلنيوش” بطرد العمال الأفارقة الذين يعملون في زراعة العنب وصناعة النبيذ. وقام السويديون بمناصرتهم. وحُولت إليهم مساعدات مالية من رصيد الدعم الدولي السويدي. وكانوا يمثلون حال العمال الأفارقة بالستاتارا قبل ثمانين عاماً. ويقولون إن وضع الأفارقة اليوم أسوأ من وضع الستاتارا قديماً. وبما أن الحكومة السويدية أكبر مشتري للنبيذ في العالم، لأنها المشتري الوحيد الذي يشتري لأمة كاملة، فلهم وضع مميز. ولقد لوحوا بعدم الشراء من تلك الشركات التي تسيء لعمالها. وتراجع أصحاب الأرض في جنوب أفريقيا.
في السبعينات كانت المباني القديمة والأسواق وأبراج الدفاع ودواوين الدولة لا تزال موجودة. وفي ظرف سنوات اختفت كل تلك الأشياء. وعندما سألت لماذا؟ كان الرد أنها أشياء قديمة وبالية ويجب التخلص منها. في كل مدن السويد تجد المباني القديمة والمتاحف القديمة والجديدة. وسكن العمال والمزارعين والأثاث والمعدات تعرض كما هي، حتى يعرف الشباب كيف كانت الحياة قديماً. وفي الكويت وكثير من الدول يريد الناس أن ينسوا التعاسة التي عاشوها قديماً. والسويديون فخورون ببلدهم، ويذكرون أنفسهم بالماضي حتى لا يصيبهم الكبر. ونحن نركض إلى الكبر والتعالي.
الاشتراكية بوجه إنساني هي التي طورت السويد، زائداً الحرية والديمقراطية والإيمان بتداول السلطة. وعندما حارب الاتحاد السوفيتي والدول الشيوعية الطبقة الوسطى، نمّى الاسكندنافيون الطبقة الوسطى. لأنها الطبقة الخلاقة التي تطور الاقتصاد. والطبقة الوسطى لا تُحارب ولكن تُراقب وتُراجع حتى لا ينتشر الفساد. وليس من العيب أن تكون للفرد طموحات اقتصادية، ولكن على الفرد دفع دينه للمجتمع وخاصة ضرائب الدخل. والنظام التعاوني لا يزال يتعايش مع النظام الرأسمالي.
التعليم هو حجر الأساس في المجتمع. ولقد تطور السودان عندما كانت ميزانية التعليم والعلاج تساوي 25% من ميزانية الدولة. وكان التعليم والعلاج بدون مقابل في الأربعينات والخمسينات والستينات. وكان بعض طلاب الجامعة والثانويات يجدون دعماً نقدياً. والسويد جعلت كل التعليم حكومياً، وتدفق أبناء الفلاحين والعمال إلى الجامعات والمعاهد. والسويد صاحبة أعلى نسبة في العالم للاختراعات بنسبة عدد السكان.
وصارت الزراعة التي كانت تمثل كابوساً لأجدادهم تعني الرفاهية. فكل شيء ممكن. و3% فقط من الشعب يتعامل مع الزراعة وهم الأغنياء المحسودون. شاهدت قبل عشرين سنة مزارعاً يسوق تراكتوراً ضخماً ينثر السماد ويعمل عن طريق الأقمار الصناعية. وتحدد الأقمار المناطق التي تحتاج لكميات أوفر من السماد. والفلاحون الفرنسيون والإيطاليون كانوا يندهشون لمستوى السكن وتطور حال الفلاح السويدي. فالمزارع لا تُباع إلا لفلاح يحمل شهادة معهد زراعي، حتى لا يشتري أغنياء المدينة المزارع ويحولونها لسكن فاخر ويهملون الأرض.
ولقد أجبرت الإدارة البريطانية الأجانب من يونانيين وإيطاليين وأرمن بإرجاع أراضٍ اشتروها في توتي والبراري إلى أصحابها. كما أُجبر بابكر بدري وآخرون لإرجاع أراضٍ اشتروها في الجزيرة المروية لأنهم ليسوا من سكان المنطقة. ولم يُسمح لأصحاب المشاريع الزراعية الضخمة بامتلاك الأرض، بل استأجروها لفترة 25 سنة فقط، واحتفظوا بالأرض للشعب السوداني. والآن تعتبر الإنقاذ وهب التراب السوداني لكل غاشٍ نوعاً من الجهاد والشرف.
سأحاول إنزال صورة قصر بيرينقا، ومساكن بعض أقنان الأرض ممن خدموا سكان القصر، وظروف عملهم. والمسكن الذي صار يُعرف ببيت الأفارقة. وكان مسكناً لأربع أسر وأطفالهم العديدين. ولا يعرف الألم الذي عاناه بعض الأطفال في ذلك المنزل.



