اسلام ما لا ينبغي

عبدالحافظ سعد الطيب
سقوط الأقنعة عن تنظيم الحركة الاسلامية وانفضاح غياب المفكرين والعقل والضمير الانسانى
✍مقال رأي – بقلم: عبدالحافظ سعد الطيب
(بتسأل وين الكيزان)
اعترافات الترابي ليست مجرد توثيق؛
إنها دليل اتهام دامغ من شاهد ملك ضد مشروعٍ بُني على التمكين، ودار بالقتل، وحكم بالفساد، وسقط بالكذب.
لم تكن أزمة تنظيم الحركة الإسلامية يومًا في خصومه، بل في داخله؛ في ذلك الفراغ الفكري القاتل الذي ظلّ يبتلع كل محاولة لولادة مفكر حقيقي. فمنذ أن احتكر التنظيم المعنى، صعد على أكتاف الشعارات وسقط من أعلى قمة العقل. لم يعرف يومًا مفكرين، بل موظّفين للعقيدة، ينسخون ويعيدون تدوير ذات المقولات البالية. وكل من حاول أن يفتح نافذة للنقد أو يزرع سؤالًا واحدًا داخل جدار الطاعة… جرى إسكاتُه، تشويهه، أو التخلص منه.
المفكرون داخل التنظيم كانوا دائمًا مشروع اغتيال مبكر؛ والترابي نفسه اعترف أنهم أخفوه وحاصروه لأنه يعرفهم أكثر مما يحتملون. واليوم يتكرر المشهد مع المحبوب عبدالسلام—آخر من حاول ترقيع جدارٍ مثقوب—فتنقضّ عليه الأنياب ذاتها، تُشيطنه وتطعن في نواياه، كأن مجرد التفكير جريمة، وكأن كل إصلاح هو خيانة. إنها حركة قتلت العقل، ثم تباهي بأنها تملك مشروعًا حضاريًا!
الأزمة العميقة لتنظيم الحركة الإسلامية ليست في فساد السلطة، ولا في ممارسات الحرب وحدها، بل في العقم الفكري الذي يحكم بنيته منذ تأسيسه. فهذا تنظيم لم ينتج مفكرًا واحدًا قادرًا على مساءلة النص أو مراجعة التجربة، بل أنتج جهازًا مافويا مغلقًا يقمع العقل ويقدّس الطاعة. ولهذا لم يَصمد أي صوت إصلاحي بداخله: فالترابي انتهى محاصرًا ومغدورًا سياسياً، والمحبوب عبدالسلام يتعرض اليوم لذات نمط الاغتيال المعنوي، فقط لأنه حاول أن يرقّع الخراب بمقاربات فكرية لم يحتملها التنظيم.
وهكذا يثبت التنظيم مرة أخرى أنه حركة بلا عقل، وجسد بلا فكر؛ يقتل المفكر حين يظهر، ويطرد كل محاولة نقد. فكيف تزعم قيادة مشروع حضاري وهي تعجز عن حماية مفكّر واحد داخل صفوفها؟ وكيف تُقيم دولة وهي تخاف من سؤال، وترتجف من رأي، وتهرب من المرآة؟
بركان الاعترافات: حين فضح الترابي التنظيم الذي صنعه
“لم تفشلوا لأنكم طبّقتم الإسلام، بل فشلتم لأنكم صادرتم الإسلام،واتضح انكم مجرد ساقطين اخلاقياً
ولأنكم قتلتم العقل الذي يحرّك النص، وعبدتم السلطة والمال والذهب لم تعبدوا الله ولم تخافوا منه
جعلتم الإسلام شعارًا سياسيًا، ففقدتم الروح والدولة معًا.”
لم يكن حسن عبدالله الترابي مجرّد قائد للحركة الإسلامية السودانية. كان عرّابها، منظّرها، واضع استراتيجياتها، والمرشّح الأقوى لقيادة التنظيم العالمي. كان الرجل الذي يخشاه الجميع داخل الحركة أكثر مما يخشون خصومهم. لذلك لم يكن مستغرباً أن تبقى فكرة أنهم اغتالوه حيّة في أذهان كثيرين، خاصة بعدما قال بصوته إنه كان يعلم أنهم سيقتلوه إن خرج من السجن ليكشف المستور.
🔥في سلسلة حلقات “شاهد على العصر” التي سجّلتها الجزيرة عام 2010 وبُثّت بعد وفاته، نطق الترابي بما لم يتجرّأ أحد غيره على قوله. تحوّلت الحلقات إلى وثيقة إدانة للتنظيم الإسلامي، كتبها العقل الذي أسّس كل شيء، ثم وقف في النهاية شاهداً على انهيار المشروع من داخله.
هنا ليست رواية الخصوم.
هذه شهادة المفكر الأكبر للحركة…
والشاهد الأهم على جرائمها.
1. دولة الاختطاف: السيطرة على الجيش والشرطة والأمن
يقول الترابي بوضوح صادم:
«سيطرنا على الشرطة والجيش والأمن والمجتمع لتثبيت أركان الحكم»
هكذا، بكلمة واحدة، ينسف الرجل كذبة “الإنقاذ الوطنية”. لم تكن دولة، بل عملية اختطاف كاملة لجهاز الدولة وتحويله إلى ذراع تنظيم مغلق. كان ذلك هو الأساس الذي قامت عليه ثلاثون سنة من القمع، التمكين، وإسكات المجتمع.
2. الاغتيالات من داخل البيت: من أمر بتصفية إسلاميي محاولة مبارك؟
يقول الترابي:
«علي عثمان ونافع ومطرف صديق هم من اتخذ قرار تصفية الإسلاميين الذين شاركوا في محاولة اغتيال حسني مبارك»
لم يكن الحديث عن “تجاوزات فردية”. كان اغتيالاً بقرار سياسي من قادة الصف الأول. دماء الإسلاميين أنفسهم سالت على يد إخوتهم… باسم الحفاظ على التنظيم، لا الدولة.
3. السجن كوسيلة إسكات: شهادة مفزعة
يقول الترابي:
«قالوا أبقوه في السجن… انسوه… لأننا إذا ذهبنا به إلى المحكمة سوف يفضحنا… فنسوني 15 شهرا»
اعتراف لو صدر من أي شخص آخر لاتُّهِم بالتهويل. لكن الترابي نفسه يؤكد:
كانوا يخافون من لسانه أكثر من خوفهم من المعارضة والغرب والمجتمع الدولي.
هل هذه دولة؟
أم عصابة تحجز قائدها في سجن سري حتى يذبل وينكسر؟
4. جون قرنق… والرجل الذي فرض إطلاق سراح الترابي
يقول:
«تم إطلاق سراحي بعد أن اشترط جون قرنق ذلك لدخوله الخرطوم وتوقيع السلام»
أطلقه قائد الحركة الشعبية… لا أخوته الإسلاميون.
مفارقة تختصر انهيار “المشروع الحضاري” أمام سلطة الأمر الواقع.
5. الفساد: اعترافات بلا تجميل
كان أخطر ما قاله الترابي ليس فساد الأفراد… بل فساد المشروع نفسه.وفساد الدولة
«تسترنا على الفساد حتى لا تجد المعارضة فرصة للنيل منا فاستشرى وصار خطراً»
«قليل جداً من إخوتنا لم تفسدهم السلطة»
«الفساد تم تحت سمعي وبصري وعجزي»
«الفساد سرى حتى إلى القضاء»
هنا لا يتحدث الترابي عن انحراف طارئ.
بل عن وباء بنيوي صنعته الحركة نفسها، وعجزت – أو رفضت – إيقافه.
6. التمكين وطرد الكفاءات
قال بوضوح:
«تم إحلال الإسلاميين وغير المؤهلين في الخدمة المدنية وطرد الكفاءات الوطنية»
بهذه الجملة يلخص الترابي تدمير الدولة نفسها.
فما حدث لم يكن إصلاحاً… بل اجتثاثاً للكفاءات واستبدالها بشبكات الولاء.
7. دارفور: القصف المتعمّد… ومحاكمة الرافضين
يكشف الترابي:
«ضباط أرسلوا لقصف مناطق في دارفور فوجدوا أنها قُرى لا يوجد فيها متمرد واحد»
«والضباط الذين رفضوا قصف المدنيين حوكموا بتهمة الانقلاب»
هذه شهادة تُكتب بالدم.
وتكفي – لو وُجدت العدالة – لإدانة دولة كاملة بجرائم حرب.
8. تزوير الانتخابات: من الداخل
قال الترابي صراحة:
«لا جدوى من الانتخابات مع هؤلاء… لأن كل الصناديق أُخذت وبدلت»
بهذا الاعتراف تسقط شرعية كل انتخابات أجرتها الحركة منذ 1989.
9. المؤامرة الكاملة: التخطيط للانقلاب منذ السبعينيات
يقول الترابي:
«حددنا 10 إلى 20 سنة للتخطيط لما حدث في يونيو 89»
«أعددت مذكرة سرية للوصول إلى السلطة»
«شاركنا النميري حتى نرتّب أوراقنا»
«خدعنا القوى الإقليمية والدولية بالانقلاب»
«كتبنا بياناً مبهماً على طريقة الانقلابات للتمويه»
لم تكن حركة دعوية.
كانت مشروعاً سرياً للوصول إلى الحكم بأي ثمن.
كانت تنظيماً يعمل بمنطق “الاستيلاء”، لا بمنطق السياسة.
10. جملة واحدة تلخص النهاية
يقول الترابي:
«الحركة الإسلامية الآن كلها فاسدة»
هذه ليست جملة غضب.
بل حصيلة رجل قضى نصف قرن في داخلها.
رجل يعرف الدفاتر السوداء… والأسماء… والعمليات… وكل الأسرار. الكبرى
الخاتمة: لايامل احد في إيقاف الحرب والتفجيرات انهم مرعوبون منهزمون يواجهون مصيرهم الحتمي
لأن هذا الكلام ليس من معارض…
ولا من يساري شيوعي
ولا من زلنطحي
بل من الرجل الذي كتب دستورهم، وأسس حزبهم، وخطط لانقلابهم، وقادهم لثلاثين عاماً.
إن اعترافات الترابي ليست مجرد توثيق؛
إنها وصية اتهام ضد مشروعٍ بُني على التمكين، ودار بالقتل، وحكم بالفساد، وسقط بالكذب.
هذه الوثيقة وحدها كافية — إن أراد السودانيون لتأسيس محكمة تاريخية تحاكم الحركة الإسلامية بأدواتها… وبصوت قائدها الأعلى نفسه.
لقد انهار المشروع من الداخل،
ولم تسقط الحركة إلا عندما قال صاحبها:
«كلها فاسدة».
.إليك خاتمة مقال قوية، نارية، محكمة الإيقاع وتصلح لإغلاق أي مقال سياسي أو نقدي حول الحركة الإسلامية ودورها في تشويه الدين:
✦ في الختام قوموا الي ثورتكم يرحمكم الله
لقد انكشف المستور وسقط القناع؛ فتنظيم الحركة الإسلامية لم يكن يومًا مشروعًا دينيًا، بل مشروع سلطة تتوشح بالدين لتُخفي خواءها الأخلاقي وفقرها الفكري. وما لحق بالإسلام من تشويه، ومن فقدان ثقة الناس في الخطاب الديني، لم يكن نتيجة عداء الخارج ولا هجوم الخصوم، بل نتيجة ممارسات هذا التنظيم الذي صادر الدين ووظّفه، وحوّله من رسالة إنسانية إلى خطاب كراهية وإقصاء وتمكين.
ولذلك، فإن معركة اليوم ليست معركة سياسية فحسب، بل معركة استرداد الإسلام نفسه من بين أيدي من جعلوه وسيلة لفرض الولاء، ومنع النقد، وإنتاج العنف. إن صمت المفكرين خيانة، وتردد العلماء تقصير، وتجاهل المصلحين جريمة بحق هذا الدين وبحق ملايين الناس الذين يبحثون عن إيمان نظيف لا تلوثه الأيديولوجيا.
إن واجبنا اليوم هو أن نقول بوضوح:
لن نسمح مرة أخرى لحركة سياسية أن تحتكر الإسلام أو تتحدث باسمه.
فالدين أوسع من جماعتهم، وأكبر من شعاراتهم، وأبقى من مشروعهم العابر.
وبهذا القول تبدأ الثورة من جديد ، وبهذه المواجهة ينتهي زمن الخداع.

