مقالات وآراء

من خطاب الكراهية إلى ثقافة الاختلاف: نحو وعي وطني يعيد للإنسان قيمته وللوطن معناه

 

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتعبير وتبادل الأفكار، بل تحولت في كثير من الاحيان إلى مساحات صاخبة يعاد فيها انتاج العنف الرمزي، وتكريس ثقافة الإقصاء، وتطبيع الكراهية بوصفها شكلا من اشكال التفاعل اليومي. ما كان يفترض أن يكون فضاء للحوار العقلاني صار ميدانا للتجريح، والتشهير، ومحاكمات النوايا، لا للأسئلة ولا للاجتهادات الفكرية.
اللافت في هذه الظاهرة أنها لم تعد استثناء، بل صارت نمطا سائدا في سلوك جماعي واسع، يعكس تصدعات عميقة في البنية النفسية والاجتماعية، حيث بات الرأي المخالف يستقبل بوصفه تهديدا وجوديا، لا مجرد اختلاف طبيعي في زوايا النظر. وفي ظل هذا المناخ الملبد بالتوتر، تضيع القيم الاساسية للحوار، ويحل محلها خطاب خشن لا يميز بين الفكرة وصاحبها.
ولعل من أصدق ما يلخص جوهر الاخلأق التي افتقدناها في هذا الواقع قول النبي مُحمَّدﷺ : “أن تحب للناس ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك، وأن تقول خيرا أو تصمت”.حين ينشر أحدهم رأيا أو مقالا مسنودا بالبراهين، ويضعه أمام الناس للنقاش، فإن المنطق السليم يقتضي أن يواجه بالفكرة لا بالإهانة، وأن يناقش بالحجة لا بالشتيمة. غير أن ما يحدث في كثير من الفضاءات الرقمية هو العكس تماما، حيث تتدافع مجموعات من المتفاعلين في اتجاه الهجوم اللفظي، مستخدمة لغة جارحة، وتوصيفات قاسية، وأقسى مما عرف في عصور القسوة التاريخية.
هذا السلوك لا يمكن فهمه بوصفه مجرد انفلات لحظي، بل هو تعبير عن تراكمات من الحسد الاجتماعي، والاحتقان النفسي، والعجز عن تقبل الاختلاف. فالشتيمة ليست دليلا على القوة، بل علامة على هشاشة داخلية، وخوف من المواجهة الفكرية الحقيقية.
في هذا السياق، يأتي الحديث عن تجربة الحركة الاسلامية بوصفه موضوعا لا يمكن تناوله ببرود أو حياد زائف. بل إنني أرفع نبرة النقد في بعض مفاصل هذا الحديث، لا بدافع الخصومة، بل لأن الأمر جلل، ويمس عصب الحياة العامة، ويتصل مباشرة ببناء الوطن ومستقبله. فحين تكون القضايا بهذا الحجم، يصبح الصمت تواطؤا، ويغدو النقد واجبا أخلاقيا، لا ترفا فكريا.
الغرض من هذا الطرح ليس التشهير ولا الاستفزاز، بل فتح نافذة للوعي، وتحريض العقل الجمعي على التفكير، والتنبيه إلى خطورة ترك مصير البلاد في قبضة فئة مارقة تصادر الإرادة العامة، وتنهب المقدرات، وتصوغ الوعي بما يخدم مصالحها الضيقة. ومع ذلك، يقابل هذا النوع من النقد في كثير من الأحيان بردود لا تناقش الفكرة بل تطعن في النية، ولا تحاور الرأي بل تحاكم الشخص.
الأشد إيلاما أن هذه القسوة لا تأتي من فراغ، بل تعكس تناقضا قديما في الشخصية السودانية. فهي شخصية بالغة السخاء في الكرم، عظيمة في فزعة المحتاج، متقدمة في التكاتف وقت الشدائد، لكنها في الوقت نفسه سريعة الاشتعال بالحسد، مستعجلة في إطلاق الاحكام، مولعة بنقل الظنون وتتبع العثرات. وهذا التناقض هو ما يحرق كثيرا من الجمال الكامن في هذا المجتمع، ويبدد طاقته الاخلاقية، ويقوده رويدا نحو التفكك.
إن الأمم لا تبنى بالكراهية، ولا تستقر بالتخوين، ولا تنهض بالإقصاء. وما لم يتعلم الناس أن يضعوا أيديهم في أيدي بعض، وأن يروا في اختلافهم ثراء لا خطرا، فلن يستقيم لهذا البلد أمر، ولن يتقدم خطوة في طريق التعافي.
إن ما نحتاجه اليوم ليس مزيدا من الصخب، بل قدرا أكبر من الحكمة. نحتاج إلى ثقافة جديدة تجعل من الحوار جسرا لا خندقا، ومن الاختلاف فرصة للفهم لا ذريعة للعداء. فالوطن لا يبنيه المتشاتمون، بل يصنعه المختلفون بوعي، المتحاورون باحترام، المتفقون على أن كرامة الإنسان فوق كل الخلافات.
ازرعوا الحب بينكم لتعمّروا أوطانكم، واجعلوا الحوار هادفًا لا هدّامًا، صريحًا لا مؤذيًا. استروا عيوب بعضكم، واعذروا زلات بعضكم، ولتكن كلماتكم جسورًا لا سكاكين.
حين يتحول الوعي من الرغبة في الغلبة إلى الإرادة في الفهم، وحين يصبح الاختلاف سلوكا حضاريا لا معركة كسر عظام، يمكن لهذا الوطن أن يبدأ أولى خطواته نحو النهوض الحقيقي. فلا خلاص لبلاد تتناحر أرواح أهلها، ولا مستقبل لوطن لا يتعلم فيه الناس كيف يحب بعضهم بعضا بوعي ومسؤولية.

تعليق واحد

  1. كيف نتعايش او نحب الذى كل هدفه تدمير ونهب الشمال وقتل الشماليين ( الجلابة ) .. اطلب منك توضيح عدد مائة حركة دارفورية مسلحة هلةهدفها تحرير فلسطين ! ام اغلبها يكتب فى نهاية اسمها ( تحرير السودان ) !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..