
جَدَلِيَّةُ الألَمِ والأمَلِ في “بَحْرِ التَّبَابِ” (1)
دراسة تحليلية بلاغية
لقد عبَّر الشُّعراءُ السُّودانيون بوجدانِهم المُرهف لواقع الحرب الرَّاهنة وما صاحبها من دمارٍ؛ حيثُ تحوَّلتِ القصائدُ إلى سجل لتلك المآسي والأوجاع، وباتَ الشعرُ يوثقُ تلك اللَّحظات القاسية ويحتجُ على الواقعِ المريرِ، فالتَّعبير عن الألم يساعدُ الشَّاعر والقارئ على تفريغِ الشُّحنات السِّلبية وتحويل التَّجربة إلى عمل فنيٍّ يحملُ قيمة.
ونص (بحر التَّباب) للشَّاعر فتح الرحمن النور أبونعيمة يعكسُ بصدقٍ مرارةَ الواقعِ السُّوداني، ويُؤكِّد أنَّ الشِّعرَ لايزالُ هو الضَّمير الحي، والموثقُ الأمينُ لأوجاعِ الأمَّةِ، وقد صهر الشَّاعر شحوبَ الألم القاتم، ومزجه بـالأمل المشرق كبارقة تلوح في الأفق يحمل بشارة الفَرَج كـ “قميص يعقوب” ، وهذا النَّظم المتأرجح بين اللَّوعة والرَّجاء، وشَّحَهُ المبدع عبد العزيز ناصر بِلَحنٍ شجويٍّ أخَّاذ، ووقَّعه على أوتار الحنين بعَزفٍ طروبٍ ، وقد أكملت (الأبنوسة) فنانة السَّلام فدوى فريد المشهد الدراميّ بعبيرِ صوتها الرَّخيم، الذي احتضن هذا التَّناقض الجميل، واطلقت صرخة استغاثة للوطن الجريح، فكان للأغنية مذاقُ الشَّجن المكلَّل بالضِّياء.
فبدأ هذا النَّص بوصف مشاعر الألم والنَّدم:
” ما سئمنا من وجعة وعذاب
وشربنا كاساتِ النَّدم
وغرقنا في بحــــــــر التَّبـــــاب ”
فاستهلَّ الشَّاعر هذا المقطع بالجملة الخبرية المنفية؛ لأنَّها الأداة الأقوى في تقرير الحقيقة وتثبيت الواقع: “ما سئمنا من وجعة وعذاب”، وقد جاءت “ما” هنا نافية تنفي وقوع الفعل “سئمنا” في الماضي مع إيحاء قوي بالثبات والاستمرار وبذلك يكون المعنى:” لم نَمل ولم نضجر من الوجع والعذاب”، فالعبارة تضفي معنى التَّجلد والاستمرار في التَّحمل رغم الألم والمعاناة، فكأنَّ الشَّاعر أراد أن يبني لنا صورة “الصابر” الذي لا يملُّ طول الزمن مع فداحة المصاب، ولكي يبرز مرارة الشعور بالضياع.
استخدم الشَّاعر صورتين بيانيتين قويتين: الصُّورة الأولى في قوله: ” وشربنا كاسات الندم” أي ارتكبنا أخطاء جسيمة ومؤسفة أدَّت بنا إلى تجرعنا من كاسات النَّدم، فلجأ الشَّاعر هنا إلى استخدام الاستعارة المكنية حيث شبَّه النَّدم(وهو معنوي) بسائل يُحمل في كؤوس(وهو مادي)، بجامع قوَّة التَّأثير في كل فحذف المشبَّه به ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو “شربنا كاسات “، وسرُّ جمال الاستعارة هو تجسيد المعنوي بصورة الحسي حينما جعل النَّدم شرابًا ماديًا، أما الصُّورة الثانية: في قوله: “وغرقنا في بحر التباب” فالتَّباب هو مصدر الفعل “تَبَّ” الذي يعني هلك وخسر، وفي القرآن الكريم: “وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ” (أي ما كان كيد فرعون إلا في هلاك وضياع)، وكذلك منه استخدام الفعل “تَبَّ”: “تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ” (أي خَسِرَت وخَسِرَ)،فاستخدم الاستعارة المكنية حيث شبَّه (الهلاك) مشبَّه، بـ(البحر) الذي يغرق فيه الإنسان وهو المشبَّه به ، بجامع الإحاطة والشمول في كلٍّ، فحذف المشبَّه (الهلاك) وأبقى المشبَّه به (البحر) على سبيل الاستعارة التَّصريحية، فجعل الهلاك بحرًا واسعًا.
وفي المقطع الثاني يجسد الشَّاعر مرارة الدُّنيا وفُقدان الشَّباب:
” يا دنيا ما عندك أمان
ودرتي أحــلام الـــــشَّبـــاب
قطَّعتي جوف الأمهات
يوم شلتي عموري ودياب ”
فاستهلَّ هذا المقطع بالأسلوب الطلبي، وجعل أداته النداء، والنداء من الأساليب التي تثير الحيويَّة والحركة في النَّص الشعري، وتثير الخيال خاصة عند نداء (الدُّنيا)؛ حيث يوجِّه الشَّاعر عتابًا مباشرًا للدنيا فجسَّدها في صورة كائن غادر أو ماردٍ لا يُؤتمن قضى على كل الآمال، ولعل الشَّاعر استخدم اسما “عموري ودياب” كرمز للشباب الغالي الذي ذهب ضحيَّة لهذه الحرب مما سبب ألمًا عظيمًا للأمهات وللناس عمومًا.
كأنَّ لسان حاله يقول: ” لقد فضح الزمانُ زيفَ عهودِك، وذريتِ بأحلام الشباب، وأدميتِ مُهجَ الأمهاتِ وخطفتِ من بين أيديهن فلذات أكبادهن”.
وفي المقطع الثالث يستخدم الشَّاعر الرَّمزية الدِّينيَّة في قصَّة (قابيل وهابيل) لتصوير الواقع الأليم:
” هابيل مجدوع في الطريق
ما وارى جسمانو الغراب
وقابيل رقــــــــــد مطروح فراش
لا لاقي حقــــنة ولا شراب ”
وهنا لجأ الشَّاعر لاستخدام الأسلوب الرمزي المجازي؛ فجمع بين (الضحية) هابيل الذي يمثل المظلوم وقد تُرِك مرميًا دون كرامة! حتَّى أنَّ الغراب لم يوارِ جسمانه! وبين (الجاني) قابيل الذي يمثل المذنب، وقد وجد هو الآخر أصنافًا من العذاب (مرض، وعجز وفقر في العلاج)، ولعلَّ الشَّاعر أراد من خلال استخدام هذا الرَّمز الدِّيني أن يرسل رسالتين: الأولى تأكيد لمبدأ العدالة الكونية وهي العقاب الدنيوي الفوري للجاني، والثانية رسالة أخلاقية الغرض منها التَّذكير بأنَّ الإثم عاقبته وخيمة، والمقطع كلُّه يُجسِّد مفهوم العذاب الشامل (للظالم والمظلوم).
وفي المقطع الرابع يرفع الشَّاعر من شأن المأساة؛ حيثُ جعل الطبيعة نفسها تشارك في الشعور بالوجع، فيقول:
” والنيل مياهو اتجرثمت
ولِغت إناهو لُسن كلاب
والأرض يُمَّة اتجرتقت
لبست زفــــاف الدَّم تياب ”
هنا يصور الشَّاعر تلوث مصادر الحياة ومآل الوطن إلى ساحة للموت، وهذه صورة استعارية قاسية حينما جعل الكلاب-ولعله يرمز بها إلى (القوة الغاشمة) – تفسد مياه النيل باعتباره شريان الحياة، فشبَّه مياه النيل بكائن حيٍّ يُصاب بالجرثمة، فحذف المشبَّه به:(الكائن الحيّ)، ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو” اتجرثمت” والقرينة اثبات الجرثمة للنيل، فالشَّاعر هنا يجسد التَّلوث والفساد في صورة كائن حيّ يصاب بالتَّلوث، والعبارة تنطوي على تقديم للمسند إليه (المبتدأ) وهو” النيل “: ” والنيل مياهو اتجرثمت” لعلَّ الغرض منه لفت انتباه المتلقي وإثارة الاهتمام، وقد بنى الشَّاعر الفعل”اتجرثمت” للمجهول -حسب طريقته في اللهجة العامية- وحُذف الفاعل؛ لأنَّ ذكره لا يضيف أي قيمة جديدة للمعنى؛ لأنَّ الشَّاعر لا يهتم بالجهة التي قامت بالتَّلوث ، بل جعل اهتمامه بالنتيجة ألا وهي تلوث مياه النيل، ولعلَّ بناء الفعل للمجهول في هذا المقطع يُشير إلى أنَّ التَّغير حدث قسرًا، أو بفعل قوة خارجية.
أمَّا في قوله: “والأرض يُمَّه اتجرتقت” فيجري عليها مثلما جرى في الجملة السابقة، استعارة مكنية حيثُ شبَّه الأرضَ بعروسٍ تزيَّنت وتجمَّلت “اتجرتقت”، فحذف المشبَّه به ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو اثبات التجرتق للأرض، كما استخدم الشَّاعر نداء الاستغاثة في قوله:” يُمَّه “أصلها ” يا أمي” وقد أضفى هذا النداء حميمية للمأساة فجعل الأرض كأمٍ تنادي محنتها، فهو نداء عفوي غير مصطنع؛ لأنَّه الرَّمز الفطري للحماية، وكذلك تنطوي العبارة على تقديم للمسند إليه (المبتدأ) وهو” الأرض”: “والأرض يُمَّه اتجرتقت ” لعلَّ الغرض منه لفت انتباه المتلقي وإثارة الاهتمام، وقد بنى الشَّاعر الفعل “اتجرتقت” للمجهول وحذف الفاعل؛ لعلَّه يريد أن يسلط الضوء على الأرض التي توشحت بـ” زفاف الدَّم تياب” بغض النظر عن الجهة التي قامت بذلك، ولعلَّ تقديم المسند إليه (المبتدأ) “الأرض” يفيد تخصيص الأرض بالتزين.
لقد نجح هذا الجزء في تأطير المشهد الأولي لـقصيدة “بحر التباب”؛ حيث أسَّس عمق الألم والضياع في القصيدة، وجعل هذا الألم في جوهره هو التمهيد الضروري لبروز قوة المقاومة والأمل المُنتظَر الذي سنغوص في تحليله تفصيلاً في الجزء الثاني، وحتى جديد اللقاء تقبلوا تحياتي.




منتهى الإبداع، أستاذ عماد ناقد كبير، غصت في تضاعيف النص، وتمكنت من استكناه مواطن االجمال وتقريبها للمتلقي