
في خزين ماضي الذاكرة الثقافية السودانية وتراثها الشعبي تمتلك الأمثال قدرة عجيبة على تلخيص التجارب الإنسانية، والسياسية، والمجتمعية في كلمات قليلة، ومن بينها المثل الدارج: “تاباها مملّحة تاكلها قروض” – وبكلمات موغلة في العاميّة وبحروف مغايرة كلمة “قروض”، تعني (قرقاش) – وهو مثل يُضرب لمن يرفض الحلول السهلة حين تكون متاحة أمامه، ثم يعود إليها منكسراً ومرغماً بعد أن تتضاعف تكلفتها، وقد ضاعت منه فرصٌ كان يمكن أن تغيّر مجرى الأحداث في حياته لو أنه قَبِلها في لحظتها وذات المثل ينطبق على “الجماعة”، في أي صورة كانت.
هذا المثل يلخّص بدقة، حال الفلول الكيزانية المدثرة “بكاكي”، الجيش في السودان اليوم، وهي تقف أمام مشهدٍ سياسيّ كان بالإمكان أن يكون أقل كلفة، وأكثر حكمة، لو أنها استمعت لصوت العقل حينما أتاح لها المجتمع الدولي والإقليمي مخارج متعددة، ابتداءً بمنبر جدة، مروراً بمسارات المنامة وسويسرا، وصولاً إلى المبادرات التي تقدّمها الرباعية الآن. تلك الفرص لم تكن مجرد جلسات تفاوض، بل كانت محاولات لدرء الخراب، ورسم طريق يضمن الحدّ الأدنى من الاستقرار ويمنح الفاعلين السياسيين فرصة إعادة التموضع في مشهدٍ متغيّر.
لكن جماعة الشر المطلق، انطبق عليهم المثل، أبت أن تاكل الدسم “المملّح”، حين كان متاحاً، فاختارت المكابرة على حساب الواقع والحقيقة، فأكلت “القروض”، “القرقاش”. وظنّت أن الزمن سيعود إلى الوراء، وأن موازين القوى ستنقلب لصالحها لمجرد رغبتها المريضة في ذلك. تجاهلت التحذيرات، وضيّعت الفرص، وظلت تراهن على ما لم يعد ممكنا في واقعٍ يتبدل كل يوم. ولعل مفكرو “جماعة الشّر”، يجهلون أن الثابت الوحيد في السياسة هو المتغيّر، والنهر لا يجري في ذات النقطة مرتين.
ومع كل مبادرة مطروحة، كانت تتكرر ذات الصورة: العالم يمد يده، وهي تسحب يدها. المجتمع الدولي يبحث عن صيغة تبقي السودان قابلاً للحياة، وهي تبحث عن معادلة تعيد عقارب الساعة إلى ما قبل السقوط الداوي بأمر شباب ثورة ديسمبر المجيدة، حتى صارت المبادرات تتراكم كما تتراكم السحب الخُلّبْ التي ينتظرها الفلول عبثا أن تتنزل عليهم غيثاً مدرارا يروي ظمأهم واشواقهم للسلطة.
وبعد ان تشتد العاصفة ويدلهم الليل وتتكشف الحقائق، ستعود الجماعة تبحث عن ذات المخارج التي رفضتها، ولكن بعد أن يتغير المشهد السياسي والعسكري والاجتماعي جذرياً، وبعد أن أصبح الثمن أضعافاً مضاعفة؛ ثمناً إنسانياً وسياسياً ووطنياً. وكأن المثل الشعبي ينهض من بين صفحات ركام ماضي الذاكرة السودانية ليقول لهم بوضوح لا لبس فيه: لقد أكلتم القروض… ولكن بعد أن فات أوان المملح.
إن الحكمة ليست في قراءة الماضي فحسب، بل في التعلّم منه. وما يواجهه السودان اليوم ليس مجرد أزمة سياسية، بل اختبار حقيقي لقدرة القوى الفاعلة على إدراك التحولات واستيعاب لحظة التاريخ. وإن كان في إرادة الخروج من المأزق بقية حياة، فإن ذلك لن يتحقق إلا بقبول واقعيّ، وبتخلٍّ شجاع عن أوهام السيطرة، وبفهم أن العالم لا يظل منتظراً عند الباب ذاته مرتين.
فالمبادرات لن تبقى مفتوحة إلى الأبد، والفرص التي تُرفض اليوم لن تعود غداً بالشروط نفسها. ومن يصرّ على المكابرة سيجد نفسه مرة بعد أخرى يدفع أضعاف ثمن ما رفضه بالأمس، تمامًا كما يقول المثل السوداني: “تاباها مملّحة… تاكلها قروض”. وأخشى أن يكون “القروض” في “ليلة العشاء الأخير” غير مستساغ المذاق، عسير الهضم. وحينها ستترددون سراً وجهرا كمن به مسّ من جنون، وضاع حلم السلطة بصولجانها يا ولدي. انجُ سعد فقد هلك سعيد.




لقد اعجبني كثيرا اسلوبك في التعبير وضربك للامثال السودانيه الحبيبه
ولكن احب أن اطمئنك يا كاتب المقال هناك اتجاه جديد للبلابسه سوف يري النور قريبا وهو كلمة لا للسلام لا للحرب بدلا من كلمة بل بس
وتتلخص هذه الرؤية الجديدة علي احتفاظ الجنجويد بمناطق حواضنهم الاجتماعية والتي سيطروا عليها من قبل في غرب كردفان وجنوب وشرق دارفور وشمال دارفور فهي حلال عليهم ويجب عليهم أن يتوقفوا عندها ولا يتخطوها الي ما بعدها
كما يجب علي الجيش الاحتفاظ بالمناطق النيليه وشمال وجنوب كردفان والتي سيطر عليها من قبل ويجب تامينها والتوقف عندها وعدم تخطيها الي ما بعدها
وسوف يتم ترتيب الاتفاق بين الجيش والدعم السريع قريبا انشاء الله
لعل هذا الاتفاق ينجح في تجنيب المواطنين الأبرياء شر القتل والتشرد الي حين