من رئاسة مجلس الأمن إلى الغياب الدولي: كيف انهارت المكانة الدبلوماسية للسودان؟

لم تكن الدبلوماسية السودانية يومًا مجرد جهاز إداري لإدارة العلاقات الخارجية، بل كانت – في مراحلها الذهبية – إحدى أدوات القوة الناعمة للدولة، وواجهة السودان الحضارية في المحافل الإقليمية والدولية. وقد استطاعت، بفضل كفاءات رفيعة التأهيل وعميقة الثقافة، أن تضع السودان في موقع يفوق أحيانًا وزنه الاقتصادي والعسكري، ويمنحه احترامًا وتأثيرًا مستحقين.
غير أن هذه المكانة لم تكن قدرًا ثابتًا، بل كانت نتاج مؤسسة مهنية، سرعان ما تآكلت حين ضُربت معايير الاختيار، وتقدَّمت الولاءات الأيديولوجية على الكفاءة، فكانت النتيجة ما نراه اليوم: سودانٌ غائبٌ أو مُغيَّبٌ عن منظمات دولية وإقليمية، وصوتٌ باهتٌ في المحافل التي كان يومًا يُصغي إليه العالم باحترام.
في سبعينيات القرن الماضي، لم يكن من المستغرب أن يترأس السودان مجلس الأمن الدولي، وأن يقود سفيره واحدة من أخطر لجانه (لجنة العقوبات)، وأن تُنتظر مواقفه قبل التصويت على قرارات مصيرية. لم يكن ذلك محض صدفة، بل انعكاسًا لمستوى دبلوماسي رفيع مثّله رجال من طراز:
السفير فخر الدين محمد: أيقونة الدبلوماسية السودانية، ومهندس العلاقات السودانية–الصينية، وأحد أبرز العقول التي صاغت صورة السودان في الأمم المتحدة.
السفير رحمة الله عبد الله: أول سفير للسودان في الهند ونيجيريا، صديق نهرو وشوان لاي وديغول، ورئيس مجلس الأمن في العام 1972.
السفير إبراهيم طه أيوب: الدبلوماسي المثقف، وزير الخارجية بعد انتفاضة أبريل، وصوت السودان الأول الذي أعلن للعالم سقوط الدكتاتورية عام 1985.
كان هؤلاء سفراء دولة لا موظفين، يجيدون لغات العالم، ويفهمون ثقافاته، ويتواصلون مباشرة مع رؤساء الدول لا بوصفهم رسل تعليمات، بل شركاء حوار واحترام.
بدأ التدهور الحقيقي مع سياسات “الصالح العام” في عهد نظام الإنقاذ، حيث أُقصي عشرات السفراء المهنيين دون أسباب موضوعية، وحلّ محلهم عناصر لا يجمعها بالدبلوماسية سوى الموقع الوظيفي. تحوّلت وزارة الخارجية من مؤسسة مهنية إلى ساحة تمكين أيديولوجي، وغابت معايير اللغة، والخبرة، واللياقة الدبلوماسية، لصالح الانتماء والتنظيم.
لم يعد مستغربًا أن يختلط المشهد بين دبلوماسي محترف وواعظ ديني، أو بين سفير دولة وشيخ زاوية. والنتيجة:
تراجع التمثيل السوداني في منظمات أممية وقارية.
فقدان السودان قدرته على التأثير في القرارات الدولية.
تآكل صورة الدولة، لا بسبب ضعف قضيتها، بل ضعف من يتحدث باسمها.
لقد وصلني – كما وصل غيري – تسجيل مصوَّر لتقديم أحد السفراء أوراق اعتماده، وكانت الصدمة حقيقية: لغة إنجليزية متعثرة، خطاب مرتبك، وأداء لا يليق بتمثيل دولة ذات تاريخ دبلوماسي عريق. ليست القضية هنا شخصًا بعينه، بل رمزية المشهد: كيف تُختزل هيبة الدولة في دقائق، حين يُرسل من لا يمتلك أدوات الخطاب ولا لغة العصر لتمثيل شعب بأكمله.
الدبلوماسية ليست شعارات، ولا حسن نية، بل كفاءة صارمة، لأن الخطأ فيها لا يُحسب على صاحبه وحده، بل على الدولة التي يمثلها. كان سفير السودان في الماضي بحجم رئيس دولة: ثقافة، حضورًا، لغة، واتصالًا مباشرًا بمراكز القرار. أما اليوم، فقد انحدر الدور – في كثير من الحالات – إلى مجرد وظيفة شكلية، بلا رؤية ولا استراتيجية.
ولعل ما قاله السفير إبراهيم طه أيوب مؤخرًا يلخص الأزمة بدقة: السياسة الخارجية السودانية باتت موزعة بين جهات متعددة، بلا استراتيجية واضحة، وبمصالح متضاربة.
إن استعادة مكانة السودان الدبلوماسية لا تبدأ بتغيير الوجوه، بل بإعادة بناء المؤسسة:
إعادة الاعتبار لمبدأ الكفاءة لا الولاء.
الاستثمار في التأهيل اللغوي والثقافي.
الاستعانة بجيل الدبلوماسيين المخضرمين في التدريب والنصح.
توحيد القرار الخارجي تحت سلطة مدنية شرعية ذات رؤية وطنية.
فالدبلوماسية ليست ترفًا، بل خط الدفاع الأول عن الدولة. وإذا كان السودان قد فقد موقعه في العالم، فليس ذلك لأن قضيته ضعيفة، بل لأن من حملها إلى العالم لم يكن على قدرها.
مداميك




هههه ههههه ههههه في عهد الوجوه المضئئه كان هناك اتهام في الصين ان سفارتنا يعمل ممثليها في مثلث تهريب المخدرات !!!!!!!اما في امريكا بتاع الدقارات في ملهي ليلي و… و…. و….الحمد لله عشنا وشفنا.وفيهم من قال ان our country is dry no wine !!!!