مقالات وآراء

مآسي التعليم في ولاية الجزيرة

حسن عبد الرضي الشيخ

حين تُدار التربية من المطبخ

يتردد في بعض وسائط التواصل الاجتماعي الحديث المثير عن عجائب ومساخر وزارة التربية بولاية الجزيرة التي لا تنفد، فكل يوم بلون، وكل آن بوجع جديد، حتى باتت وزارة التربية والتعليم وكأنها مسرح مفتوح للدهشة، لا يُغلق ستاره، ولا يملّ جمهوره من الصدمة.

وصلنا – من مصدر موثوق، ونحمد الله على موثوقية مصادرنا في زمن عزّ فيه الصدق – خبرٌ يكفي وحده ليُدرّس كمادة إضافية في مناهج “العبث الإداري”.
سيدة أربعينية، ولية أمر لتلميذ بالمرحلة المتوسطة، لم تقنعها أبواب المكاتب الصغرى، ولا طاولات الموظفين الوسطى، فقررت أن تشق طريق الشكوى حتى مكتب وزير التربية والتعليم نفسه. مشوار طويل، يفترض أنه ينتهي عند قمة الهرم، حيث تُحل المعضلات، وتُصان الهيبة، وتُحترم شكاوى المواطنين.

في المكتب كان المشهد رسميًا مكتمل الأركان: وزير، مدير إداري، مدير تنفيذي، موظفة كمبيوتر… كل شيء في مكانه، أو هكذا يُفترض. لكن فجأة، وبدون سابق إنذار، خرجت الطباخة من المطبخ. نعم، الطباخة. وضعت “المفراكة” جانبًا، كما توضع القوانين جانبًا في هذه الوزارة، ودخلت على خط النقاش، لا بصفة عابرة، بل كمحكّمٍ أعلى، لتتولى – وبحضور الجميع، ودون أدنى اعتراض من أحد – إدارة الحوار، وبحدّة، وبشدة، وكأنها صاحبة القرار، أو الناطقة الرسمية باسم التربية والتعليم.

ولي أمر التلميذ واقفة.
المسؤولون واقفون.
والطباخة… تتكلم. وهنا يفرض السؤال نفسه، لا حياء فيه ولا مجاملة: أين تكمن المشكلة؟ هل لأن المطبخ يفتح بابه مباشرة على المكاتب؟
أم أن الخلل تصميمي في المبنى، أم في العقول؟ أم أننا ببساطة لا نُعطي الأمور لاختصاصاتها، ولا نحترم المثل القائل:
«أعطِ الخبز خبازه ولو يأكل نصفه»؟ لكن يبدو – ويا للأسف – أن وزارة التربية والتعليم بولاية الجزيرة قررت تطوير هذا المثل، فأعطت القرار للطباخة، وسمحت لها أن تأكل الخبز كله، و”تحلي” معه، بتُحدّيد مصير الشكوى.

إلى أسر ولاية الجزيرة،
إلى أولياء الأمور الذين ينتظرون من وزارة التربية والتعليم حديثًا جادًا عن التربية، اعلموا – رحمكم الله – أن القرارات لا تُصاغ في مكاتب التخطيط، بل تُطبخ في المطبخ.
وأن ما يصدر عن الوزارة ليس سياسات، بل وصفات. وأن كل قرارٍ خرج إليكم، فقد خرج مطبوخًا، وعلى نارٍ مستعجلة.

ولذلك، لا غرابة أن تأتي قرارات الوزارة مرتجلة، متخبطة، بلا نَفَسٍ تربوي، تشبه تمامًا طبيخ “الرجلة”:
سريع، بلا تخطيط، ويكفي أن يكون “ساخنًا” ليُقدَّم.

وللتوضيح – حتى لا يُتهم المقال بالظلم – نحن لا نقلل من شأن الطباخين، فلكل مهنة شرفها، ولكل إنسان مؤهلاته التي يُسهم بها في بناء الوطن، ذلك الوطن الذي ما زلنا – رغم كل شيء – نتمنى له الخير. لكن الكارثة ليست في الطباخة، الكارثة في من صمتوا، في المدير الإداري، وفي المدير التنفيذي، وفي موظفة الكمبيوتر، الذين – ويا للعجب – كانوا في أشد حالات السعادة، وكأن ما يحدث أمرٌ طبيعي، أو جزء من لائحة العمل.

ما حدث ذاك اليوم ليس طرفة تُضحك، بل مشهد تدمع له العين، وتتأسف له النفس،
وينكسر له الخاطر. إنها مأساة تعليم، حين تفقد الوزارة هيبتها، وتضيع الشكوى بين “المكتب” و”المطبخ”، ويصبح السؤال الحقيقي ليس: كيف نُعلّم أبناءنا؟ بل: من يدير التعليم أصلًا؟

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..