
أفرزت الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 واقع سياسي وأخلاقي معقد، أعاد طرح الأسئلة الجوهرية حول دور الأحزاب السياسية وحدود الخطاب الأخلاقي في مواجهة العنف المنظم ، وقدرة الفاعلين المدنيين على التحول من مواقفهم الاحتجاجية إلى مشروعات دولة.
برز تحالف صمود بوصفه أحد الأجسام السياسية التي أعلنت موقف صريح مناهض للحرب، رافع شعار (لا للحرب)باعتباره موقف مبدئي وأخلاقي نعم
ولــكن هذا الموقف، على أهميته، يثير تساؤلات عميقة حول وضوح الرؤية السياسية، وتماسك البرنامج الفكري، وجدية الاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب من قبل هذا التحالف والأحزاب التي تحته
لا جدال في أن رفض الحرب يمثل حد أدنى من الإجماع الوطني، بل يكاد يكون موقف بديهي تتبناه قطاعات واسعة من المجتمع السوداني، من قوى سياسية، ولجان مقاومة، ومجتمع مدني، وحتى قطاعات غير مسيسة. غير أن الإشكال عزيزي القارئ لا يكمن في مبدأ الرفض، بل في كيفية تحويل هذا الرفض إلى رؤية سياسية متكاملة فالملاحظ على خطاب صمود أنه ظل في معظمه أسير لغة أخلاقية عامة ادانه الحرب، تحميل المسؤولية للفاعلين العسكر والجنرالات، الدعوة لوقف الحرب.
وهي مواقف في مجملها صحيحة من حيث المبدأ، لكنها لا ترقى إلى مستوى تحليل بنيوي لطبيعة الحرب بوصفها نتاج تاريخي لأزمة الدولة السودانية، ولا تقدم إجابة واضحة عن أسئلة مثل
هل الحرب نتيجة خلل في بنية الجيش مثلاً؟
أم هي انعكاس لفشل الانتقال المدني؟
أم هي صراع على موارد الدولة في ظل اقتصاد ريعي عسكري؟
غياب هذا التفكيك يجعل موقف صمود يبدو أقرب إلى خطاب احتجاجي منه إلى برنامج سياسي بديل وهى حقيقة لا يجادل فيها اثنان
ولتأكيد ما ذهبنا اليه اذا سئل اى من قيادات ( صمود ) هل رفض الحرب موقف سياسي أم معيار أخلاقي عام؟
في رايك ماذا سوف يتكون اجابته
ففي راي المتواضع ان رفض الحرب، موقف أخلاقي أكثر منه برنامج سياسي فالسياسة، بمعناها العميق، لا تكتفي بتحديد ما هو مرفوض، بل تقدم تصور لما هو ممكن، وما يجب بناؤه بدلــاً عنه
تكمن مشكلة أحزاب صمود في انها لم تتمكن الى الان في الانتقال من مربع ( نحن ضد الـحرب)
الى مربع ( نحن نـمتـلــك مشروع لإعادة بناء الدولة بعد الحرب)
فيا عزيزي رفض الحرب لا يحدد طبيعة النظام السياسي المنشود
شكل العلاقة المدنية والعسكرية، موقع المناطق المهمشة من حسابات السلطة والثروة ، وأكثر سؤال يمكن ان يطرح ما هو النموذج الاقتصادي البديل للاقتصاد العسكري الطفيلي
لهذا نقول ان خطاب القوي السياسية الان خطاب لزج وعرضة للتسييل السياسي، وقابل للاحتواء من قوى إقليمية ودولية تبحث فقط عن وقف القتال لا عن تفكيك جذور الأزمة وإعادة نفس المأساة منذ 56
في الحقيقة اراي ان ازمة صمود تتمحور حول الارضية الفكرية الذي ترتكز عليها البرامج السياسية وهى من أبرز نقاط الضعف البنيوية داخل تحالف صمود فغياب برنامج فكري لأغلب احزابها يحدد ماهية مرجعيات ذلـــك التحالف هل هو تحالف ليبرالي ديمقراطي ، أم هو تحالف اجتماعي ديمقراطي وماذا يفرق هذا التحالف عن تحالف قوي الحرية والتغيير ( ق.ح.ت)
وحتى لا ننعت هذا التحالف بانه جبهة واسعة بلا انسجام أيدولوجي ، الهدف من خلاله خوض انتخابات على انقاض الفوضى وبنفس الجذر والاساس القديم.
إن الاكتفاء بالتوافق السياسي اللحظي دون تأسيس فكري واضح يعيد إنتاج أزمة الأحزاب السودانية التقليدية، التي طالما تحالفت ضد السلطة دون أن تمتلك تصور موحد حول الدولة نفسها ، فألى الان وبعد مضي الثلاث سنوات من حرب فوضوية لا يظهر في خطاب تحالف صمود نقاش جاد حول قضايا مثل مفهوم الدولة الدينية في بلد مثل السودان المتعدد نقاش حول مفهوم الهوية والعدالة الاجتماعية ، نقد مركزية الخرطوم والتي تعتبر في حد ذاتها ارث استعماري قديم ، وفى اعتقادي بانه يجب إعادة تعريف للعقد الاجتماعي بما يساعد على كبح افرازات الأنظمة المتعاقبة في السودان
غياب مثل تلك النقاشات يجعل التحالف هشً قابل للتفكك عند أول اختبار سياسي حقيقي كما حدث لكثير من التحالفات السياسية للأحزاب السودانية في فترات زمنية سابقة كان اخرها تحاف ( ق.ح.ت)
في اعتقادي ان أخطر ما يواجه خطاب صمود في الوقت الحالي على الأقل هو الفراغ البرنامجي المتعلق بمرحلة ما بعد الحرب، وهي مرحلة لا تقل خطورة عن الحرب نفسها
فلا توجد حتى الآن رؤية معلنة حول اولويات الاعمار الانسان ام البنية التحتية
والسؤال الأكثر الحاحاً ماهي مصادر التمويل لإعادة الاعمار (الديون؟ المنح؟ الاقتصاد المحلي؟)
وما هو دور الدولة مقابل القطاع الخاص ، وموقع الأقاليم او المناطق التي دمرتها الحرب من معادلة الاعمار هذه ، لا نتهم صمود بشكل مباشر في مفهوم الوطنية، ولكن على يقين ان خطاب صمود يغيب عنه تصور واضح للاقتصاد الوطني، وخصوصاً كيفية تفكيك اقتصاد الحرب
مصير الشركات العسكرية والأمنية، ماهية العدالة في توزيع الموارد ، حماية الفئات الهشة من صدمات ما بعد الحرب .
إن الحديث عن السلام دون برنامج اقتصادي واضح قد يقود إلى سلام نيو ليبرالي هش يعيد إنتاج أسباب الصراع
يُؤخذ على صمود أنها خاطبت في كثير من الأحيان المزاج العام الرافض للحرب، أكثر من مخاطبتها لتعقيدات الواقع السياسي. فبدا خطابها وكأنه ترضية أخلاقية للرأي العام، لا مشروع قيادي يقود المجتمع نحو أفق جديد، السياسة ليست ان تقول ما يريده الناس، بل أن تطرح عليهم ما يحتاجونه ، حتى وأن كان صعب او غير شعبي
لا اريد التقليل من أهمية موقف صمود المناهض للحرب، لكنه يظل موقفً غير كافٍ ما لم يُرفق برؤية فكرية واضحة، وبرنامج سياسي اقتصادي متكامل، وخريطة طريق لمرحلة ما بعد الحرب. فالسودان لا يحتاج فقط إلى إيقاف الحرب، بل إلى إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة، وهو امتحان لم تجتزْه صمود بعد.



