مقالات وآراء

بسامة… أغنية تتسع لوطن كامل

م. معاوية ماجد

ليست بسامة في هذا السياق اسمًا لامرأة عابرة في خيال الشعر، بل صورة مكثفة للوطن حين يتجلى في أجمل حالاته. وهذه قراءة أقدمها لكلمات الأغنية من موقع المتلقي المنحاز للجمال، لا من باب ادعاء المعنى النهائي، بل بوصفها محاولة تأويل ترى في بسامة وطناً متخيلاً، وحلماً جماعياً، حين يصبح الغناء لغة جامعة تتجاوز الانقسام وتعلو على الضجيج. ففي الأغنية، كما في الوجدان الجمعي، تتحول بسامة إلى وطن مبتسم، يفوح بالنسيم، وتستقر الريدة في القلوب بوصفها معرفةً وجدانيةً لا تحتاج إلى برهان. هكذا يفعل الفن حين يلامس جوهر الأشياء، لا يصف الوطن بوصفه جغرافيا جامدة، بل يقدمه ككائن حي، يُحب ويُفتقد ويُنادى بالسلام.
الفن، في جوهره، ليس ترفاً جمالياً ولا زينةً لغويةً، بل قوةً رمزيةً ناعمةً قادرةً على إعادة تشكيل الوعي الجمعي. حين غنى عبد القادر سالم لبسامة، لم يكن الصوت موجهاً إلى فردٍ بعينه، بل كان ممتداً نحو وطنٍ كامل، محملاً بحنين الأرض وثقل التاريخ وتوق الإنسان إلى الطمأنينة. في هذا الامتداد، غدت بسامة مرآةً للسودان ذاته، بتنوعه الإنساني، وثرائه الثقافي، وجراحه المفتوحة التي لم تفقد قدرتها على الحلم.

ويكتمل هذا المعنى الإنساني حين التقطت الفنانة راحيلا هذه الأغنية، وهي فنانة تقيم في لندن ومهتمة بالغناء السوداني، فأدتها بدافع إيمانها العميق بقيمة السلام، وبجمال هذا التراث الغنائي بوصفه خطاباً جمالياً يتجاوز الجغرافيا والمناطقية، ليخاطب الإنسان في جوهره. في هذا العبور، لم تعد بسامة ملكاً لفضاء ثقافي بعينه، بل صارت رسالةً مفتوحةً تؤكد أن الفن الصادق قادر على تجاوز الحدود، وأن الأغنية حين تحمل قيمةً إنسانيةً خالصةً، تصبح جسراً بين الشعوب لا مجرد أداء صوتي.
إن التقاء الشاعر التجاني حاج موسى، والفنان عبد القادر سالم، والفنانة راحيلا، يشكل لوحةً رمزيةً عالية الدلالة، تجسد المعنى الكبير لجمال الغناء حين يقترن بالسلام. فالتجاني حاج موسى سكب عصير إبداعه في كلمات قد تبدو بسيطةً في شكلها، لكنها عميقةٌ في معناها، كلمات تنظر إلى الوطن لا بوصفه ساحةً صراع، بل فضاءً للإنسان، ولم شمل أهله، وتكريس قيمة السلام باعتبارها جوهر الاجتماع البشري. أما صوت عبد القادر سالم، فقد منح هذه الكلمات روحها الممتدة، وجعلها قادرةً على البقاء، وعلى العبور من جيلٍ إلى جيل، ومن مكانٍ إلى مكان.
ومن منظور أكثر أكاديمية، يمكن النظر إلى هذه الأغنية بوصفها نموذجاً لدور الفن في إنتاج خطابٍ وحدوي، حيث تتراجع الهويات الضيقة أمام القيم المشتركة، ويتحول الجمال إلى أداةٍ لتفكيك ناعمةٍ للعنف الرمزي. فالأغنية لا تطرح السلام كشعارٍ سياسيٍ مباشر، بل كحاجةٍ إنسانيةٍ، وكشرطٍ أخلاقيٍ لاستمرار الحياة المشتركة، وهو ما يمنحها قدرةً استثنائيةً على لم الشمل حين تعجز اللغة الصدامية عن ذلك.

وحين يقول النص إن الدنيا معدودة أيامًا، فإنه لا يستدعي الزهد بمعناه السلبي، بل يستحضر حكمة الفناء بوصفها حافزاً على التلاقي لا على التناحر، وعلى البناء لا على الهدم. فالوطن، مثل بسامة، لا يحتمل أن يكون رهينةً للصراعات الطويلة، بل يستحق أن يُرى في ضوء جماله، وفي قدرته على احتواء اختلافاته العقدية والانثروبولوجية دون أن يفقد وحدته الداخلية.
وفي نهاية هذا المسار، لا يمكن استحضار هذه التجربة دون الوقوف بخشوع أمام إرث الفنان الراحل عبد القادر سالم، الذي لم يكن مجرد مؤدٍ للأغنية، بل كان حاملاً لرسالتها على أكثر من مستوى. فقد جمع بين كونه فناناً ومربياً، مارس مهنة التعليم بإيمانٍ عميقٍ بدور المعرفة في بناء الإنسان، تماماً كما مارس الغناء بوصفه فعلاً تربوياً موازياً، يعلّم الذائقة، ويهذب الوجدان، ويزرع قيمةً الجمال في النفوس. ومن خلال رحلاته إلى عواصم العالم، حمل الفن السوداني إلى فضاءاتٍ أوسع، مقدماً صورةً لوطنٍ غني بثقافته، عميق بتنوعه، وقادر على مخاطبة العالم بلغته الخاصة دون استعلاءٍ أو انغلاق.
رحم الله عبد القادر سالم رحمةً واسعةً، وجعل فنه باقياً في الذاكرة بوصفه شهادةً على أن الغناء، حين يكون منحازاً للإنسان، يصبح شكلاً من أشكال السلام، ووسيلةً من وسائل التمسك بالوطن، والانتماء إليه، ولمّ الشمل بين أبنائه، لأن الرحلة قصيرة، والأيام معدودة، وما يبقى حقاً ليس ضجيج الصراعات، بل ما نزرعه من جمال، وما نتركه من أثرٍ إنسانيٍ يليق بوطنٍ يتسع للجميع.

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..