
استعرضنا بإيجاز خلال المقال السابق التجارب الانقلابية للجيش على السلطة المدنية، بدءًا من العام 1957 وانتهاءً بانقلاب نميري في العام 1969، وكيف وأد الجيش التجارب الديمقراطية الناشئة؛ وهو أمر ليس بمستغرب من مؤسسة استعمارية أُنشئت لأجل حماية السلطة الاستعمارية شأنها شأن جميع المؤسسات، إلا أنها أصبحت تطلب السلطة ذاتها بقوة السلاح.
مع دخول عصر نظام النميري بدأ تسييس الجيش؛ فعلى ما يبدو أن الأحزاب السياسية لم تجد بدًا من إعادة التجربة الاستعمارية في وضع الجيش في خانة الدفاع عن السلطة لا الطالب لها. ومما زاد طين الجيش بلةً تغلغل التنظيم الإسلامي داخله منذ أواخر السبعينيات، مستفيداً من مناخ “مصالحة بورتسودان” وانفتاح النميري على الأحزاب في واحدة من تقلباته، حتى بلغ اليمين مداه بقوانين سبتمبر. تاهت خطى “مايو” وتخبطت فسقطت في هبة شعبية عرفت بثورة أبريل 1985، لكن متاهة النميري ولحظات سقوطه شكلت ميلاداً لتأسيس الجبهة الإسلامية القومية بذراع عسكري وآخر اقتصادي أطبقت بهما على خناق البلاد، فكان انقلاب العام 1989 وكانت الطامة الكبرى التي حاقت بالسودان؛ وعندها أصبحت القوات المسلحة حزباً إسلاموياً أو مليشيا افتقدت زمام أمرها وقوامها السابق على علاته.
بمجرد السيطرة على السلطة، ارتفعت نسبة المقبولين بالكلية الحربية من عناصر الحركة الإسلامية أو جماعة الإخوان المسلمين إلى 100٪، ورغم ذلك أعملت الحركة الإسلامية كل معاول الهدم في حائط الجيش حتى تم دكه دكاً.
كان تأسيس مليشيات “الدفاع الشعبي ” الخطوة الأولى في إضعاف الجيش الذي صار خاضعاً لسلطات قيادات الحركة الإسلامية؛ فلا تراتبية ولا هيكلة ولا أقدمية. وغير بعيد، يستذكر الناس حديث رئيس هيئة الأركان السابق هاشم عبد المطلب -الذي قاد محاولة انقلابية فاشلة- خلال تحقيق أجراه معه محمد حمدان دقلو قائد الدعم السريع؛ نعم، قائد الدعم السريع يحقق مع رئيس هيئة أركان الجيش! فهل من مستعجب أو مستغرب؟ ألم تحقق القيادية الإسلاموية سناء حمد مع من هم أكبر منه رتبة ومقاماً؟ ألم يكن قادة الجيش خاضعين لتعليمات (السواقين) منذ الانقلاب وحتى السقوط؟
تصرمت سنوات “الإنقاذ” وسقط “هبل” نظام الإخوان المسلمين عبر هبة شعبية ثالثة هي ثورة ديسمبر 2019. وكما الفئران المذعورة، ولّت عناصر الإخوان المسلمين الدبر وتمنوا لو أن الأرض انشقت وابتلعتهم إثر هدير الشوارع؛ لكن عناصرهم داخل الجيش -وما أكثرها- كانت “حصان طروادة” الذي عبره عاود أبالسة “الكيزان” التلاعب بالفترة الانتقالية حتى إسقاطها بانقلاب عسكري، ومن ثم إشعال الحرب لقطع الطريق أمام أي اتفاق سياسي من شأنه استيلاد نظام ديمقراطي وكسر شوكتهم.
بواسطة الفريق الإسلاموي عمر زين العابدين، تم إغراق المشهد السياسي بالكيانات الهلامية الإسلامية في أولى تكتيكات “الكيزان” لعرقلة الفترة الانتقالية، ومن ثم خنق حكومة حمدوك بإغلاق الموانئ البحرية، والتلاعب بأسعار الدولار، وتزييف العملة المحلية، وقبل ذلك تحريك شارع مضاد، وما بين ذلك نسج الأكاذيب وبث خطابات التضليل واستغلال منابر الدين.
ففي 13 ديسمبر 2019، تلقف الجيش دعوة مجهولة للخروج في موكب “الزحف الأخضر”، وسارع المتحدث الرسمي باسمه للتصريح متعهداً بحماية الموكب، وهو ما أدى إلى خروج المزيد من المواكب “المشتراة”، وأغرى “فئران الكيزان” بالظهور مرة أخرى بذات البضاعة الكاسدة وذات الألاعيب مع الله سبحانه وتعالى ثم مع الناس.
وفيما استطاع الشعب إسقاط نظام الإخوان المسلمين، منح الجيش “قبلة الحياة” للنظام الساقط -بصريح العبارة ومجازها- رغم ما ارتكبوه فيه من إضعاف وإذلال وإبعاد، حد أن جعلوه مجرد “رحم فاسد” لا يلد إلا المليشيات ولا يرعى إلا كل فاجر كفار.
امتطى “الكيزان” ظهر حصان الجيش الهزيل “الضبلان” العاجز عن حماية حدود البلاد، والأعجز عن خوض الحروب والمعتركات، فكانت حرب أبريل 2023، ومن ثم رفض كل محاولات إنهائها بدءاً من جدة وجيبوتي والمنامة وصولاً إلى سويسرا وواشنطن وعواصم أخرى.
مع كل حالة رفض، يفقد الجيش المزيد من المواقع والفرق والحاميات العسكرية. وبالطبع، فإن خسارة مئات الآلاف من الأنفس وتشريد الملايين وغيرها من مآسي الحرب لا تغشى عيون قادة الجيش الذين يبصرون من خلف عدسات الإسلامويين. ومن شواهد ذلك أنه في 12 سبتمبر من العام الجاري، قدمت دول الرباعية خارطة طريق لإنهاء الحرب السودانية خلال 9 أشهر، تبدأ بهدنة إنسانية وتنتهي بحوار سياسي شامل، غير أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان راوغ وتلاعب ثم رفض المقترح والهدنة، وكانت النتيجة فقدان الفاشر وبابنوسة وهجليج بحقولها النفطية؛ وكل تلك ليست مجرد مدن، بل فرق عسكرية بالغة الأهمية. ومع كل انسحاب، يرتفع صوت الجيش ومن خلفه “جوقة البلابسة” بالنواح على الأرواح المفقودة التي لم يبذل الجيش مقدار حبة من خردل للدفاع عنها أو الحيلولة دون وقوع المزيد من الضحايا، بل استُخدموا وقوداً للتكسب السياسي.
ما أكثر أزمات السودان حين تعدها، لكن أزمة جيشه تظل الأكبر والأخطر؛ ذلك أنه المحتكر للعنف والمجيّر له سياسياً. وللأسف، فحتى هذه الصفة افتقدها، فأصبح العنف مشاعاً كالهواء في أرض وسماء السودان. بيد أن ذلك كله لا يبرئ ساحة الأحزاب السياسية، حيث ظل النادي السياسي السوداني مستنقعاً للخلافات والتشظيات وتصفية الحسابات، وما ينطبق عليه ينطبق على بقية المؤسسات من ورثة المستعمر التي لم تجد الوطنية إليها طريقاً.

