المسيّد من أزرق طيبة إلى طابت المحمود

بقلم: أبو زينب المهدي الشيخ أحمد الشيخ محمد توم
” نائب الأمين العام لمنظمة أمناء المسيد ”
الشيخ المهدي أبو زينب يكتب … ويوضح ما قام به رئيس السجادة القادرية وخليفة العركيين مولانا الشيخ الريح الشيخ عبد الله أزرق طيبة برئاسة الطريقة القادرية طيبة الشيخ عبد الباقي وما قام به الخليفة الشيخ محمد سرور الشيخ عبد المحمود الحفيان ب “كبانيه الطريقة السمانية بطابت الشيخ عبد المحمود
قادوا تجديد التصوف في السودان بتركيزهم على العلم والعمل. عملوا على تفعيل العلم داخل المسيد، واستجلاب العلماء، وتأسيس مؤسسات علمية. دعوا أهل التصوف إلى الاهتمام بالعلم والفقه لتجنب الانحراف. كما شجعوا على تعليم المرأة وتأهيلها علمياً وتربوياً.
❁✿❁
الحمد لله الذي رفع بالعلم أقواماً، وجعل العلماء ورثة الأنبياء، وأقام بهم ميزان الهداية في الأرض، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ، إمام العارفين، وقائد السالكين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إن التصوف الحق لم يكن يوماً طريقاً منفصلاً عن العلم، ولا مسلكاً قائماً على الذوق المجرد أو العاطفة المنفلتة، بل كان ولا يزال مدرسةً علمية تربوية، أساسها الكتاب والسنة، وضابطها الفقه، وروحها الإحسان. فهذه المدرسة قائمة على عقد الأشعري وفقه (مالك – أبو حنيفة النعمان – الشافعي – أحمد بن حنبل) وطريقة الجنيد السالك، وكلما ضعُف العلم في بيئة التصوف، تسللت الانحرافات، وكلما قُوِّي العلم، سلم المنهج واستقامت التربية.
ومن هنا تبرز النماذج المشرقة في واقعنا المعاصر، التي جسدت هذا الفهم العميق، وجعلت من المسيد والخلوة منارة علمٍ قبل أن تكون معْلماً عمرانياً.
وفي مقدمة هذه النماذج:
• *الخليفة الشيخ محمد سرور الشيخ عبد المحمود الحفيَان*
(خليفة طابت الشيخ عبد المحمود)
> • و *الخليفة الشيخ أحمد الريح الشيخ عبد الله أزرق طيبة،*
(خليفة طيبة الشيخ عبد الباقي)
رضي الله عنهما ونفع الله بهما.
العلم في طيبة الشيخ عبد الباقي: رؤية واضحة وممارسة عمليّة:
لقد جسّد الخليفة الشيخ أحمد الريح الشيخ عبد الله أزرق معنى الوقوف الصادق مع العلم والعلماء، فلم يكتفِ بالتأكيد النظري على أهمية العلم، بل ترجمه إلى عمل ميداني مؤسسي داخل طيبة الشيخ عبد الباقي.
فقد فتح أبواب المسيد لأهل التخصص، واستجلب العلماء الراسخين، أمثال:
o مسند السودان العلامة الشيخ عوض الكريم العقلي
o الدكتور الشيخ محمد نور محمد آدم
o الشيخ جلال محمد خالد
وهم اليوم ينهضون بمهمة تدريس العلوم الشرعية للطلاب والأحباب والمريدين من داخل طيبة، في صورة عملية تؤكد أن المسيد عنده مدرسة علمية متكاملة، تُبنى فيها العقول قبل تزكية النفوس ، ويُربّى فيها المريد على الفهم الصحيح قبل الذوق والسلوك.
وقد دلّ هذا النهج على وعيٍ عميق بأن الذكر لا يُغني عن الفقه، وأن التربية لا تستقيم بلا علمٍ، وأن العالم شريك أصيل في مشروع التصوف، لا ضيفاً عابراً .
طابت المحمود … حين يتحول المسيد إلى مؤسسة علمية
أما الخليفة الشيخ محمد سرور الشيخ عبد المحمود الحفيان، وهو القائل:
“يا أخوانا الطريق مو جِبة مو عكاز
ما بعرف الطريق إلا المنامو خزاز
اهجروا للنفوس بحديث الباز
واكربوا في الطريق زي كربة الأستاذ”
فقد قدّم نموذجاً متقدماً في الربط بين التصوف والتعليم المؤسسي المنظم، حتى أصبحت طابت المحمود مثالاً يُحتذى في تفعيل العلم داخل البيئة الصوفية.
فقد أحاط مسيده بالعلماء، وكان من أبرزهم :
o فضيلة مولانا الشيخ البدوي التجاني محمد نور رحمه الله،
o وفضيلة مولانا الشيخ محمد علي بيان،
o وفضيلة مولانا الشيخ عبد المحمود مدير معهد الأستاذ.
وهؤلاء الذين يقومون بـتدريس العلوم الشرعية من داخل مسيد الأستاذ بمدينة طابت المحمود، في تجسيد عملي لمعنى:” أن المسيد رسالة، وأن العلم هو قلب هذه الرسالة.”
ولم يقف عطاؤه عند هذا الحد، بل توسع في مشروعه العلمي توسعاً لافتاً، يعكس فهماً عميقاً لحاجات المجتمع وتحديات المرحلة.
وقد قام بإنجازات علمية رائدة ومؤثرة، ومن أبرز هذه الانجازات:
تخريج ثلاثة وخمسين (53) داعية من النساء، في خطوة رائدة تؤكد الإيمان بدور المرأة العالمة في الإصلاح والدعوة، وأن بناء المجتمع لا يكتمل دون تأهيلها علمياً وتربوياً .
إنشاء فرع لجامعة أم درمان الإسلامية من داخل المسيد، في سابقة تجمع بين التعليم الجامعي والبيئة التربوية الصوفية، وتكسر الحاجز الوهمي بين العلم الأكاديمي والمسيد.
إنشاء معهد الأستاذ داخل المسيد، ليكون مركزاً متخصصاً في تدريس العلوم الشرعية وتخريج طلاب علم يجمعون بين الفقه والسلوك.
كما امتدت هذه الجهود خارج طابت، بإنشاء فروع علمية في:
مدينة وادي شعير
مدينة الدويم خلوة اخونا شيخ الجيلي جاروت
قرية الجميلية بولاية الجزيرة
في رؤية دعوية شاملة تهدف إلى نشر العلم وتقريبه للناس في مواقعهم، وربط الأطراف بالمراكز العلمية، وتحقيق العدالة المعرفية بين المدن والقرى.
وهذه رسالتنا الى أهل التصوف:
وبعد هذا العرض المشرق، فإن الرسالة إلى أهل التصوف في هذا الزمان رسالة صادقة وواضحة:
“يا أهل الطرق، يا حَمَلة الأمانة، يا حملة الشريعة،
إن المرحلة لا تحتمل إهمال العلم، ولا تقبل الاكتفاء بالمظاهر:
فالعمران بلا علم أجوف،
والذكر بلا فقه معرض للزلل،
والطريقة بلا علماء مهددة بالانحراف.
فعّلوا حلقات العلم في مساجدكم،
وافتحوا صدوركم للفقهاء وطلبة العلم،
وقدّموا بناء الإنسان على توسعة البنيان.
وكما كان يردد أبونا وشيخنا الشيخ البدوي التجاني محمد نور رحمه الله تعالى:
*« العِبرة في المعاني … ما في المباني».*
فالمعاني هي التي تحفظ الدين، وهي التي تصنع الرجال، وهي التي تجعل التصوف حصناً للأمة لا عبئاً عليها. نسأل الله أن يجزي هؤلاء الخلفاء خير الجزاء، وأن يبارك في جهودهم، وأن يردّ التصوف إلى مكانته: علماً، وتزكية، وإصلاحاً للمجتمع.
اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



