جذور المشكلة .. كاريكاتير عمر دفع الله

عثمان فضل الله
ربما حان الوقت — لا بوصفه مناورة سياسية بل كضرورة وطنية — أن يعيد الإسلامويون التموضع، وأن ينسحبوا طوعًا إلى المقاعد الخلفية. فالمشهد السوداني، المثقل بالدم والخذلان، لم يعد يحتمل ألغامًا جديدة تُزرع في طريقٍ هشّ بين العسكر والوطن.
في مثل هذه الأيام، مطلوب استعادة الهتاف المركزي لثورة ديسمبر ليدوّي كجرس إنذار لا كذكرى احتفالية:
«الجيش جيش السودان… الجيش ما جيش كيزان».
لم يكن ذاك الهتاف شتيمة، ولا رغبة في تحطيم المؤسسة العسكرية، بل كان محاولة لإنقاذها من الاختطاف، وفصلها عن تنظيمٍ سياسي أراد — ولا يزال — أن يذيب الدولة في الجماعة، والجيش في الحزب، والوطن في الأيديولوجيا.
يقف السودان اليوم عند حافة سردية خطرة: إما جيش وطني يعاد تعريفه بوصفه مؤسسة عامة خاضعة للإرادة المدنية، أو جيشٌ يُستدرج مرة أخرى إلى خنادق السياسة، ليقاتل نيابة عن مشروعٍ فقد شرعيته الشعبية والتاريخية.
في هذا الفراغ، يتحرّك الإسلامويون بمرونة تكتيكية: خطاب مزدوج، اصطفافات ضبابية، ومحاولات حثيثة لإعادة تقديم أنفسهم بوصفهم «حماة الدولة» في زمن الفوضى، بينما الحقيقة أنهم كانوا — في تجارب قريبة — أكبر منتجي الفوضى نفسها.
حين خرجت الجماهير في ديسمبر، لم تخرج ضد الجيش كمؤسسة، بل ضد تحويله إلى ذراع تنظيمية. كان الوعي الجمعي حادًا على نحوٍ لافت: المشكلة ليست في البزة العسكرية، بل في اليد التي تحرّكها من خلف الستار.
ومن هنا جاء الهتاف حاسمًا، قاطعًا لأي لبس: الجيش للسودان، لا للكيزان.
كان ذلك إعلان فصلٍ تاريخي، لم يكتمل جراء الالغام التي وضعت في طريقه، لكنه الان بات شرطًا لأي عبور آمن نحو دولة ما بعد الحرب.
أخطر ما يفعله الإسلامويون اليوم ليس ظهورهم الصريح، بل عملهم الصامت على تخريب أي محاولة لتجسير العلاقة بين العسكر والوطن. كل تقاربٍ محتمل يُقابَل بالتخويف، كل خطاب تهدئة يُغتال بالتحريض، وكل مبادرة لبناء الثقة تُلغّم بسرديات المؤامرة والعدو الخارجي.
إنها سياسة «إما نحن أو الخراب»، وهي سياسة جرّبها السودانيون بما يكفي ليدركوا كلفتها الباهظة.
المؤسسة العسكرية نفسها أمام اختبار وجودي:
إما أن تنحاز بوضوح إلى فكرة الدولة، وتقطع آخر خيوط الالتباس مع الإسلامويين،
أو أن تظل أسيرة مناطق رمادية، تُستنزف فيها سمعتها، ويُستدعى اسمها كلما احتاجت الجماعة إلى غطاء.
الانحياز هنا ليس بيانًا سياسيًا، بل مسارًا عمليًا: إعادة تعريف العقيدة العسكرية، قبول الرقابة المدنية، والاعتراف بأن ثورة ديسمبر لم تكن مؤامرة، بل صرخة شعب.
ليس مطلوبًا من الإسلامويين الاعتذار الآن، ولا كتابة مراجعات فكرية مطوّلة. المطلوب أبسط وأصعب في آن: خطوة إلى الوراء.
أن يتركوا المجال لعلاقة جديدة — شديدة الهشاشة — بين العسكر والوطن والثورة التي لازالت حية وإن ظنوها ماتت، علاقة إن كُتب لها أن تُفجَّر، فلن تُنقذهم من السقوط، بل ستسحب البلاد كلها إلى قاعٍ أعمق.
في لحظات التحوّل الكبرى، لا يُقاس الوزن السياسي بمن يرفع صوته أعلى، بل بمن يعرف متى يصمت، ومتى يتراجع، ومتى يقدّم الوطن على الجماعة.
وديسمبر… ما زالت تسأل الجميع السؤال ذاته.
هل الجيش جيش كيزان ام انه جيش السودان؟



