تقرير استراتيجي: إعادة تأسيس الدولة السودانية – تشريح الفشل الانتقالي وخارطة طريق استعادة التحول المدني

مقدمة: جدلية الثورة والدولة العميقة في السياق السوداني
يمر السودان اليوم بمنعطف تاريخي وجودي يتجاوز في خطورته كافة الأزمات التي عصفت به منذ استقلاله في عام 1956. إن الحراك الثوري الذي انطلق في ديسمبر 2018 لم يكن مجرد احتجاجات عابرة، بل كان تتويجاً لتراكم نضالي طويل شاركت فيه “قوى عديدة وضعت يدها فوق أيدي بعض”، مشكلة تحالفاً اجتماعياً وسياسياً غير مسبوق. ضم هذا التحالف المهنيين الذين صاغوا “إعلان الحرية والتغيير”، والنساء اللواتي تصدرن المواكب “ككنداكات”، والشباب في لجان المقاومة الذين ابتدعوا أدوات تنظيمية أفقية، والصحفيين والناشطين الذين كسروا طوق التعتيم الإعلامي. هذه الكتلة التاريخية نجحت في إسقاط رأس النظام، عمر البشير، في أبريل 2019، في حدث وُصف بأنه “أعظم ثورة شهدها السودان”.
بيد أن السقوط السياسي للرأس لم يعنِ سقوط النظام. فقد اصطدمت الثورة بـ “نظام ذي جذور عميقة” في بنية الدولة، تمكن عبر ثلاثة عقود من التمكين (Tamkin) من صياغة عقيدة المؤسسات الأمنية والاقتصادية والعدلية لخدمة بقائه. هذا النظام العميق، ممثلاً في لجنته الأمنية وتحالفاته الاقتصادية الطفيلية، عمل حثيثاً على إضعاف حكومة الدكتور عبد الله حمدوك، مستغلاً التناقضات داخل الكتلة المدنية، ومعيقاً تشكيل مؤسسات الانتقال، وصولاً إلى شق القوى الثورية، وتنفيذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي دحرج كرة الثلج لتتحول إلى حرب 15 أبريل 2023 المدمرة.1
يقدم هذا التقرير البحثي، بصفتي خبيراً في دراسات الانتقال الديمقراطي وبناء الدولة ما بعد النزاع، قراءة تحليلية نقدية شاملة لتجربة الانتقال (2019-2021)، ليس بهدف التوثيق التاريخي فحسب، بل لتفكيك آليات “التقصير والقصور” التي شابت أداء القوى المدنية وحكومة حمدوك. وبناءً على هذا التشريح، يطرح التقرير خارطة طريق استراتيجية مفصلة للقوى المؤمنة بالتحول المدني الديمقراطي، تحدد الخطوات العملية لتجاوز أخطاء الماضي، وإنهاء الحرب، وتأسيس حكم مدني مستدام، مستفيداً من أحدث الأدبيات والنظريات السياسية وبيانات الواقع السوداني.
الجزء الأول: التشريح الجنائي للفترة الانتقالية (2019-2021): لماذا فشلت الشراكة؟
إن الفشل في استكمال مهام الفترة الانتقالية لم يكن قدراً محتوماً، بل كان نتاجاً لتفاعل معقد بين استراتيجيات “الثورة المضادة” وأخطاء “التصميم المؤسسي” والتقدير السياسي من قبل قوى الثورة. تشير الأدبيات إلى أن السودان شهد أربع فترات انتقالية سابقة فشلت جميعها في تحقيق التغيير المنشود، إلا أن الانتقال الخامس (2019) كان يحمل تعقيدات فريدة، أبرزها وجود ميليشيا موازية للجيش (الدعم السريع) وشراكة دستورية مع العسكر.1
1.1 فخ “الشراكة” واختلال توازن القوى
الخطيئة الأصلية التي أسست للفشل كانت قبول القوى المدنية (قوى الحرية والتغيير) بمبدأ “الشراكة” مع اللجنة الأمنية للنظام البائد كأمر واقع، بدلاً من التعامل معها كطرف يجب تحييده تدريجياً. الوثيقة الدستورية لعام 2019، التي أسست لتقاسم السلطة، كانت سابقة تاريخية حيث منحت الجيش دوراً دستورياً في الحكم، وهو ما يختلف عن النماذج التقليدية للانتقال الديمقراطي.2
لقد أثبتت الوقائع أن العسكريين لم ينظروا إلى هذه الشراكة كجسر للعبور نحو الديمقراطية، بل كفترة هدنة لإعادة تموضعهم. استغل المكون العسكري في مجلس السيادة “الغموض البناء” في الوثيقة الدستورية للتغول على الصلاحيات التنفيذية، خاصة في ملفات السياسة الخارجية (مثل ملف التطبيع مع إسرائيل) والاقتصاد والأمن. تشير التحليلات إلى أن الفشل في تلبية شروط الانتقال الديمقراطي، والمتمثلة في تحجيم دور العسكر، كان مقدمة حتمية لفشل الحكم الديمقراطي بأكمله.1 لقد عملت اللجنة الأمنية (الجيش والدعم السريع) كـ “دولة داخل الدولة”، محتفظة باحتكار العنف والموارد، بينما تُركت الحكومة المدنية لتواجه سخط الشارع جراء الأزمات الاقتصادية.3
1.2 الفراغ المؤسسي: غياب المجلس التشريعي والرقابة
أحد أكبر أوجه “التقصير” الاستراتيجي من جانب القوى المدنية كان التلكؤ غير المبرر في تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي. كان من المفترض أن يكون هذا المجلس هو “برلمان الثورة” الذي يراقب السلطة التنفيذية، ويحجم تغول مجلس السيادة، ويوفر الغطاء السياسي للقرارات الصعبة.4
لقد نصت الوثيقة الدستورية على منح قوى الحرية والتغيير 67% من مقاعد المجلس، إلا أن الصراعات الداخلية حول المحاصصة الحزبية، والمخاوف من إخلال المجلس بالتوازنات الهشة، أدت إلى تأجيل تشكيله مراراً وتكراراً.5 هذا الفراغ التشريعي كان قاتلاً؛ فقد آلت سلطة التشريع إلى “اجتماع مشترك” بين مجلسي السيادة والوزراء، مما منح العسكريين “فيتو” فعلياً على القوانين. بالإضافة إلى ذلك، فإن غياب المجلس التشريعي حرم حكومة حمدوك من منبر لمخاطبة الشعب بشفافية حول التحديات، وجعلها تبدو معزولة كنخبة تكنوقراطية في مواجهة شارع يغلي.56
1.3 الاقتصاد السياسي للثورة المضادة: معركة الموارد
واجهت حكومة حمدوك معضلة اقتصادية كلاسيكية تعرف بـ “معضلة الانتقال”: كيف يمكن الموازنة بين الإصلاحات الهيكلية طويلة الأمد الضرورية للنمو، وبين تلبية الاحتياجات المعيشية العاجلة للمواطنين؟
تلقى السودان وعوداً بمساعدات دولية ضخمة من “أصدقاء السودان”، إلا أن هذه المساعدات “بدأت تتضاءل بشكل كبير بمجرد تشكيل الحكومة”، مما فسرته قطاعات واسعة من السودانيين كمحاولة دولية لترويض الحكومة وخلق نظام يخدم أجندات خارجية.7
في الداخل، وجد وزير المالية نفسه أمام خيارات صعبة: هل يخصص الموارد المحدودة لدعم السلع (الخبز والوقود والدواء) أم للاستثمار في البنية التحتية؟ تبنى الوزير سياسة “رفع الدعم” كشرط للوصول إلى نقطة القرار في مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC). هذا التوجه خلق شرخاً داخل الحاضنة السياسية (قوى الحرية والتغيير)، حيث عارضت اللجنة الاقتصادية للتحالف هذه السياسات، معتبرة إياها وصفة لإفقار الشعب.7
الأخطر من ذلك، هو أن الحكومة المدنية كانت تدير “اقتصاداً ظاهرياً” يعتمد على الضرائب والرسوم، بينما كان “الاقتصاد الحقيقي” والعملة الصعبة (الذهب، الصادرات الحية، الاتصالات) تحت سيطرة الشركات المملوكة للمؤسسة العسكرية والأمنية والدعم السريع.8 المحاولات الخجولة لوزارة المالية لولاية المال العام اصطدمت بمقاومة شرسة، حيث اكتفى العسكر بتقديم قوائم لشركات خاسرة أو هامشية، واحتفظوا بالشركات الإيرادية الكبرى (مثل منظومة الصناعات الدفاعية وشركة الجنيد) خارج سيطرة الدولة، مما مكنهم من تمويل شبكات المحسوبية وشراء الولاءات القبلية والسياسية التي مهدت للانقلاب.9
الجزء الثاني: الدولة العميقة ولجنة التفكيك.. صراع الوجود والقانون
لقد كان تشكيل “لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 واسترداد الأموال العامة” (لجنة التمكين) أحد أهم إنجازات الثورة، ومطلب أساسي لـ “تفكيك دولة الحزب لصالح دولة الوطن”. لكن هذه اللجنة تحولت أيضاً إلى ساحة المعركة الرئيسية التي استخدمها النظام القديم للانقضاض على الفترة الانتقالية.
2.1 الإطار القانوني مقابل الواقع السياسي
هدفت اللجنة إلى تفكيك الشبكات السياسية والاقتصادية لنظام الإنقاذ. ومع ذلك، واجهت اللجنة تحديات قانونية وسياسية جسيمة. الجهاز القضائي والنيابة العامة، اللذان تعرضا لعمليات تجريف وتمكين ممنهج طوال ثلاثين عاماً، عملا كحائط صد ضد قرارات اللجنة. في أكتوبر 2021، وقبيل الانقلاب بأيام، أصدرت الدائرة الإدارية بالمحكمة العليا حكماً بإلغاء قرارات اللجنة بفصل مئات القضاة ووكلاء النيابة، متذرعة بـ “عيوب إجرائية”.1011
2.2 القصور في الآليات
أحد أوجه القصور الرئيسية كان تأخر، بل وتعطيل، تشكيل “لجنة الاستئنافات” المنصوص عليها في القانون. هذا التعطيل جعل قرارات اللجنة نهائية بحكم الأمر الواقع، ولكنها معلقة قانونياً، مما منح المتضررين (رموز النظام السابق) ذريعة قوية للطعن في دستورية اللجنة ووصفها بأنها أداة “للشفّي السياسي” وانتهاك سيادة القانون، بدلاً من كونها أداة للعدالة الانتقالية.12
التحليل العميق يشير إلى أن لجنة التفكيك وقعت في فخ “الإجراءات الفوقية” دون بناء قاعدة قانونية صلبة. كان ينبغي أن تسبق عمليات التفكيك عملية إصلاح شاملة للمنظومة العدلية (مفوضية إصلاح المنظومة الحقوقية والعدلية)، لضمان أن القرارات تصدر من جهات قضائية مستقلة لا يمكن الطعن في حياديتها. استغلت الدولة العميقة هذا الثغرة لتصوير المعركة وكأنها بين “القانون” (الذي يمثله القضاة المفصولون) وبين “السياسة” (التي تمثلها اللجنة)، ونجحت في حشد الرأي العام وجزء من المنظومة الحقوقية ضد اللجنة.13
الجزء الثالث: معضلة القطاع الأمني.. الطريق إلى الحرب
لا يمكن فهم انهيار الانتقال، ومن ثم الحرب، دون تشريح الفشل الذريع في ملف إصلاح القطاع الأمني والعسكري (SSR). لقد تحول هذا الملف من قضية فنية إلى صراع وجودي بين الجيش وقوات الدعم السريع.
3.1 فخ “الدمج” والتوقيتات القاتلة
كان الخلاف الجوهري الذي فجر الحرب هو الجدول الزمني وآليات دمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة.
- موقف الجيش (SAF): أصرت قيادة الجيش على دمج سريع لقوات الدعم السريع (خلال عامين) لإنهاء ازدواجية القيادة العسكرية واستعادة احتكار العنف الشرعي.14
- موقف الدعم السريع (RSF): طالب قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بمدى زمني طويل (يصل إلى 10 سنوات أو أكثر)، مشترطاً إصلاح الجيش نفسه أولاً وتطهيره من عناصر النظام السابق قبل الدمج، لضمان عدم ذوبان قواته وفقدان نفوذه السياسي والعسكري.14
3.2 القصور المدني في الملف العسكري
يتحمل المكون المدني جزءاً من المسؤولية في هذا الملف. خلال الفترة الانتقالية، نأى المدنيون بأنفسهم عن الخوض في تفاصيل الإصلاح الأمني، تاركين الأمر للعسكريين باعتباره “شأناً فنياً”. حتى في “الاتفاق الإطاري” (ديسمبر 2022)، تم ترحيل قضية الإصلاح الأمني والدمج إلى “ورش عمل” لاحقة، مما ترك “القنبلة الموقوتة” تتكتك دون صمام أمان سياسي أو وساطة دولية فاعلة.15
علاوة على ذلك، فشل المدنيون في صياغة “استراتيجية أمن قومي” شاملة تحدد عقيدة الجيش الجديد، وتركوا الساحة لتجاذبات الجنرالات. تشير التقارير إلى أن الخلاف حول تبعية الدعم السريع (هل يتبع للقائد العام للجيش أم لرأس الدولة المدني؟) كان النقطة التي أشعلت الفتيل في ورشة الإصلاح الأمني الأخيرة قبل الحرب.1516
3.3 الإمبراطوريات الاقتصادية للعسكر
لم يكن الصراع عسكرياً فحسب، بل كان اقتصادياً بامتياز. يسيطر الجيش والدعم السريع على إمبراطوريات تجارية ضخمة (منظومة الصناعات الدفاعية، شركة زادنا، شركة الجنيد، الفاخر، بنك الخليج) تعمل في قطاعات مدنية بحتة (الذهب، الزراعة، البنوك، المقاولات).1718 هذه الشركات ظلت خارج ولاية وزارة المالية، وتتمتع بإعفاءات ضريبية وجمركية، مما أدى إلى تشوه الاقتصاد السوداني. محاولة حكومة حمدوك، وتحديداً وزير المالية، للسيطرة على هذه الشركات، جوبهت برفض قاطع وتحايل، حيث تم تحويل بعض الشركات شكلياً لوزارة المالية بينما بقيت الإدارة والسيطرة الفعلية للعسكر.89 هذا الاستقلال المالي هو الذي يمول آلة الحرب الحالية ويمنح أمراء الحرب القدرة على الاستمرار في القتال.
الجزء الرابع: خارطة الطريق الاستراتيجية (ما العمل؟)
بناءً على التحليل السابق، ولتجاوز “القصور والتقصير”، وكمفكر وخبير استراتيجي، أطرح الخطوات التالية كخارطة طريق للقوى المؤمنة بالتحول المدني الديمقراطي:
المسار الأول: إعادة هندسة الكتلة المدنية (من الانقسام إلى التكامل الوظيفي)
أكبر هدية قدمها المدنيون للعسكر كانت انقسامهم وتشظيهم. الانقسام الحالي بين تحالف “تقدم” (الذي يضم قوى الحرية والتغيير وتيارات مدنية) وبين “لجان المقاومة” والقوى الجذرية، خلق فراغاً ملأته القوى الانقلابية.
التحليل المقارن:
| وجه المقارنة | تحالف “تقدم” (القوى السياسية) | لجان المقاومة (القوى الجذرية) |
| المنهج | الحل السياسي التفاوضي، الدبلوماسية الدولية | التغيير الجذري، اللاءات الثلاث (لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية) |
| الوثائق | الرؤية السياسية لإنهاء الحرب، إعلان أديس أبابا | الميثاق الثوري لسلطة الشعب 19، ميثاق تأسيس سلطة الشعب 20 |
| نقاط القوة | العلاقات الدولية، الخبرة السياسية والإدارية | الشرعية الثورية، التواجد القاعدي، التنظيم الأفقي |
| نقاط الضعف | اتهامات بالنخبوية والبعد عن الشارع | غياب الرؤية الدبلوماسية الواقعية، التشرذم |
الخطوات العملية لتجاوز الانقسام:
- بناء “الجبهة المدنية العريضة” بتكامل الأدوار: بدلاً من محاولة دمج الجميع في هيكل واحد، يجب التوافق على “تكامل وظيفي”. تتولى القوى السياسية (تقدم وغيرها) ملف العلاقات الخارجية والتفاوض الدولي لإنهاء الحرب، بينما تتولى لجان المقاومة والنقابات ملف البناء القاعدي، الحكم المحلي، والمجلس التشريعي.
- تبني “الميثاق الثوري” كمرجعية للحكم المحلي: يجب أن تتبنى القوى السياسية مطالب لجان المقاومة الواردة في مواثيقها 1920، خاصة فيما يتعلق بلامركزية الحكم وتشكيل المجالس التشريعية من القواعد (الأحياء والمحليات) صعوداً إلى المركز، لضمان مشاركة حقيقية للشعب وتجاوز نخبوية الخرطوم.
- المجلس التشريعي الثوري: الاتفاق المسبق والموثق على تشكيل المجلس التشريعي فور توقف الحرب، بنسب تضمن هيمنة القوى الثورية ولجان المقاومة والنساء والشباب، ليكون هو السلطة العليا التي تعين وتحاسب الحكومة، قاطعاً الطريق أمام أي تغول عسكري مستقبلي.21
المسار الثاني: إنهاء الحرب دون مكافأة المعتدين (لا شراكة جديدة)
الدرس الأهم من تجربة حمدوك هو أن “الشراكة” مع الجنرالات مستحيلة لأنها شراكة بين نقيضين (مدنية الدولة vs عسكرة الدولة).
- مبدأ “الخروج الكامل”: أي عملية سياسية يجب أن تفضي بوضوح وبضمانات دولية إلى خروج المؤسسة العسكرية (الجيش والدعم السريع) كلياً من السلطة السياسية والاقتصادية. شعار “العسكر للثكنات والجنجويد ينحل” يجب أن يترجم إلى نصوص دستورية غير قابلة للتأويل.
- الفصل بين القيادة والمؤسسة: يجب التفريق بين “الجيش كمؤسسة” وطنية ضرورية، وبين “قيادته الحالية” المتورطة في الانقلاب والحرب. الحل يكمن في إبعاد القيادات الحالية من المشهد تماماً، لبناء الثقة وتمهيد الطريق لإصلاح المؤسسة.22
- تحييد العامل الخارجي: السودان أصبح ساحة حرب بالوكالة (مصر، الإمارات، روسيا/فاغنر).2324 يجب على القوى المدنية تبني سياسة “الحياد الإيجابي” الصارم، وفضح التدخلات الخارجية التي تغذي الحرب بالسلاح، واستخدام المنابر الدولية (مجلس الأمن) لفرض حظر توريد سلاح شامل، مع تقديم رؤية للدول الإقليمية بأن مصالحها (أمن البحر الأحمر، المياه، الاستثمار) محمية بشكل أفضل في ظل حكومة مدنية مستقرة وليس في ظل الفوضى الحالية.2526
المسار الثالث: الإصلاح الأمني والاقتصادي (تلازم المسارين)
لا يمكن إصلاح الأمن دون إصلاح الاقتصاد، والعكس صحيح.
- ولاية وزارة المالية: يجب أن يكون الشرط المسبق لأي حكومة قادمة هو النقل الفوري لملكية جميع الشركات العسكرية والأمنية (باستثناء الصناعات الدفاعية البحتة) إلى وزارة المالية، وتحويلها لشركات مساهمة عامة تخضع للمراجعة القانونية. هذا هو المدخل الوحيد لتجفيف منابع الانقلابات وتمويل الخدمات.827
- نموذج DDR و SSR متكامل: تبني خطة فنية وسياسية لدمج وتسريح القوات (DDR) بإشراف أممي. يجب أن تتضمن الخطة معايير صارمة للدمج (التأهيل، العقيدة، خلو السجل من الجرائم)، وجداول زمنية قصيرة (لا تتجاوز الفترة الانتقالية). الهدف هو جيش مهني واحد يعكس التنوع السوداني، وعقيدته حماية الدستور وليس الحكم.2829
- شبكة الحماية الاجتماعية: لتجاوز خطأ حكومة حمدوك، يجب أن يسبق أي إصلاح اقتصادي (مثل توحيد سعر الصرف) بناء شبكة حماية اجتماعية واسعة وممولة، لضمان عدم تأليب الشارع ضد الديمقراطية بسبب الفقر.7
المسار الرابع: العدالة الانتقالية المتوازنة (من الانتقام إلى التأسيس)
تجاوز قصور لجنة التفكيك يتطلب مقاربة قانونية ومجتمعية شاملة.
- مفوضية مكافحة الفساد المستقلة: بدلاً من “اللجان السياسية”، يجب تأسيس مفوضية مستقلة لمكافحة الفساد واسترداد الأموال، تستند إلى قانون 2021 (الذي لم يطبق)، وتتمتع بصلاحيات تحقيق واسعة وحصانة، وتعمل بمعايير دولية.30
- إصلاح المنظومة العدلية أولاً: يجب أن تبدأ الفترة الانتقالية بإصلاح جذري للسلطة القضائية والنيابة العامة، عبر مفوضية إصلاح العدالة، لضمان استقلال القضاء وتطهيره من عناصر التمكين، حتى تكون أحكامه نافذة ومحترمة.31
- العدالة الهجينة والتقليدية: نظراً لضعف القضاء واتساع نطاق الجرائم، يجب اعتماد نظام “المحاكم الهجينة” (قضاة سودانيين ودوليين) لجرائم الحرب، وتفعيل وتسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية. بالتوازي، يجب دمج آليات العدالة التقليدية (الجودية) في دارفور والمناطق المتأثرة بالحرب، لتعزيز المصالحات الأهلية وجبر الضرر على المستوى المحلي، مما يمنح العملية شرعية شعبية.3233
الخاتمة: نحو “تأسيس جديد” للدولة السودانية
إن الأزمة الحالية، رغم مأساويتها، تمثل فرصة تاريخية لإنهاء “دولة ما بعد الاستقلال” المشوهة، وبناء دولة المواطنة المتساوية. القصور الذي حدث في فترة حكومة حمدوك كان نتاجاً لمحاولة “ترقيع” النظام القديم بدلاً من تغييره، ومحاولة “مساكنة” العسكر بدلاً من إخضاعهم للسلطة المدنية.
الخطوات التي يجب اتباعها تتطلب شجاعة سياسية، وتسامياً فوق الصغائر الحزبية، وإيماناً بأن القوة الحقيقية تكمن في الوحدة المدنية. خارطة الطريق واضحة: وحدة قوى الثورة، لا شراكة مع العسكر، إصلاح أمني واقتصادي جذري، وعدالة شاملة. هذا هو الطريق الوحيد لكي لا تذهب دماء الشهداء هدراً، ولكي يتحقق شعار الثورة الخالد: “حرية، سلام، وعدالة”.
ملاحق وجداول بيانية
جدول 1: مقارنة تحليلية بين مواثيق لجان المقاومة والرؤية السياسية لـ “تقدم”
| المجال | الميثاق الثوري لسلطة الشعب (لجان المقاومة) | الرؤية السياسية (تقدم/قحت) | نقطة الالتقاء المقترحة |
| هيكل الحكم | قاعدي، يبدأ من المجالس المحلية صعوداً للمركز | مركزي، حكومة كفاءات وطنية ومجلس تشريعي | دمج النموذجين: مجلس تشريعي يُنتخب من القواعد، وحكومة مركزية رشيقة للملفات السيادية. |
| العلاقة مع العسكر | لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية | تفاوض لإنهاء الحرب، لا شراكة في السلطة | التفاوض محصور في الترتيبات الأمنية وإنهاء الحرب، مع استبعاد الشراكة السياسية. |
| الاقتصاد | اقتصاد تنموي، رفض روشتة البنك الدولي | انفتاح على المؤسسات الدولية، إصلاح هيكلي | اقتصاد مختلط يركز على استرداد الموارد المنهوبة أولاً قبل رفع الدعم، مع شبكة حماية اجتماعية. |
| السلام | سلام مجتمعي من الأسفل للأعلى | استكمال اتفاق جوبا ومراجعته | مراجعة اتفاق جوبا لإزالة المسارات المعيبة، والتركيز على مؤتمرات السلام القاعدية. |
جدول 2: آليات التعامل مع الشركات العسكرية (خارطة طريق)
| الشركة/الكيان | الوضع الحالي | الإجراء المقترح | الهدف الاستراتيجي |
| منظومة الصناعات الدفاعية | تتبع للجيش، تعمل في مجالات مدنية وعسكرية | فصل الشق المدني وضمه للمالية، بقاء الشق العسكري تحت إشراف وزارة الدفاع | إنهاء الاحتكار والمنافسة غير العادلة للقطاع الخاص. |
| شركة زادنا (الجيش) | استثمارات زراعية وعقارية ضخمة | تحويلها لشركة مساهمة عامة تتبع لوزارة المالية | توفير إيرادات للخزينة العامة لتمويل الخدمات. |
| شركة الجنيد (الدعم السريع) | تعدين الذهب، مقاولات | مصادرة لصالح الدولة وتصفية أعمالها المشبوهة | تجفيف منابع تمويل الميليشيا واسترداد الموارد الطبيعية. |
| الفاخر (الدعم السريع/واجهات) | تصدير الذهب والسلع الاستراتيجية | مراجعة قانونية ومحاسبة جنائية عن التهرب الضريبي | استعادة السيطرة على الصادرات وعائدات العملة الصعبة. |
Works cited
- The Dilemma of Political Transition in Sudan | International IDEA, accessed December 19, 2025, https://www.idea.int/publications/catalogue/dilemma-political-transition-sudan-analytical-approach
- Sudan’s Transitional National Security | African Arguments, accessed December 19, 2025, https://africanarguments.org/2021/01/sudans-transitional-national-security/
- Sudan: Toward a Reset for the Transition | International Crisis Group, accessed December 19, 2025, https://www.crisisgroup.org/africa/sudan/sudan-toward-reset-transition
- Without unity of purpose, Sudan faces another failed transition | ISS Africa, accessed December 19, 2025, https://issafrica.org/iss-today/without-unity-of-purpose-sudan-faces-another-failed-transition
- Sudan’s opposition agree power-sharing deal with military – Yahoo News Singapore, accessed December 19, 2025, https://sg.news.yahoo.com/sudan-military-council-opposition-reach-030304112.html
- Sudan’s FFC rejects negotiations with military component, accessed December 19, 2025, https://sudantribune.com/article/222670
- Sudan’s Transition: Challenges and Opportunities – The Washington Institute, accessed December 19, 2025, https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/sudans-transition-challenges-and-opportunities
- Sudan’s Military Companies Go Civilian: How the Recent Divestment Agreement Can Succeed | Carnegie Endowment for International Peace, accessed December 19, 2025, https://carnegieendowment.org/research/2021/04/sudans-military-companies-go-civilian-how-the-recent-divestment-agreement-can-succeed?lang=en
- Sudan’s prime minister reviews reforms of military business companies, accessed December 19, 2025, https://sudantribune.com/article/67363
- Sudan High Court overturns dismissal of jurists and prosecutors – Dabanga Radio TV Online, accessed December 19, 2025, https://www.dabangasudan.org/en/all-news/article/sudan-high-court-overturns-dismissal-of-jurists-and-prosecutors
- Sudan Empowerment Removal Committee protests court decision on judicians, accessed December 19, 2025, https://www.dabangasudan.org/en/all-news/article/sudan-empowerment-removal-committee-protests-court-decision-on-judicians
- A/HRC/48/46 – General Assembly – the United Nations, accessed December 19, 2025, https://docs.un.org/en/A/HRC/48/46
- Sudanese Empowerment Removal Committee: Injustice and Revenge – blnews, accessed December 19, 2025, https://blnews.net/2022/02/sudanese-empowerment-removal-committee-injustice-and-revenge/
- Sudanese civil war (2023–present) – Wikipedia, accessed December 19, 2025, https://en.wikipedia.org/wiki/Sudanese_civil_war_(2023%E2%80%93present)
- How to Engage Sudanese Civilians in Security Sector Reform Negotiations? | Wilson Center, accessed December 19, 2025, https://5g.wilsoncenter.org/publication/how-engage-sudanese-civilians-security-sector-reform-negotiations
- Sudan – SSR, DDR and Integration (June 2020) – PILPG Trainings, accessed December 19, 2025, https://pilpg-trainings.squarespace.com/s/PILPG-Sudan-SSR-DDR-and-Integration-June-2020.pdf
- Designating Entities in Sudan that Contribute to War Efforts – State Department, accessed December 19, 2025, https://2021-2025.state.gov/designating-entities-in-sudan-that-contribute-to-war-efforts/
- Treasury Sanctions Military-Affiliated Companies Fueling Both Sides of the Conflict in Sudan, accessed December 19, 2025, https://home.treasury.gov/news/press-releases/jy1514
- The Revolutionary Charter For Establishing People’s Power – Migration-Control.Info, accessed December 19, 2025, https://migration-control.info/documents/131/The_Revolutionary_Charter_For_January_2023.pdf
- Sudan Resistance Committee Draft Charters: Where they stand, and where they may go Hamid Khalafallah and Brooke Davies * * * – ConstitutionNet, accessed December 19, 2025, https://constitutionnet.org/sites/default/files/2022-09/Sudan%20Resistance%20Committee%20Draft%20Charters%20%5BCB%5D.pdf
- Navigating a Participatory Political Process in Sudan Amid a Military Coup, accessed December 19, 2025, https://timep.org/2022/07/06/navigating-a-participatory-political-process-in-sudan-amid-a-military-coup/
- Stopping the War in Sudan – Stiftung Wissenschaft und Politik, accessed December 19, 2025, https://www.swp-berlin.org/10.18449/2023C28/
- Foreign Influence is Fueling the War in Sudan, accessed December 19, 2025, https://www.fpri.org/article/2025/07/foreign-influence-is-fueling-the-war-in-sudan/
- Full article: Foreign Policy Instrument, Actor, or Infrastructure? Conceptualizing the Wagner Group in Sudan – Taylor & Francis Online, accessed December 19, 2025, https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/19392206.2025.2531319
- Sudan’s War: – Is there a solution? – the African Security Sector Network, accessed December 19, 2025, https://www.africansecuritynetwork.org/assn/wp-content/uploads/2024/11/Sudan-war-is-there-a-fix-EK.pdf
- Sudan’s Transition to War and the Limits of the UN’s Good Offices, accessed December 19, 2025, https://www.swp-berlin.org/10.18449/2024RP14/
- Sudan Struggles to Control Its Parastatals – The Sentry, accessed December 19, 2025, https://thesentry.org/wp-content/uploads/2021/05/SudanParastatals-TheSentry-May2021.pdf
- Adedeji Ebo, Heiner Hänggi (Eds.) The United Nations and Security Sector Reform, accessed December 19, 2025, https://www.un.org/ssr/sites/www.un.org.ssr/files/news_articles/un_ssr_final_full_book_april_2020.pdf
- As Sudan’s transition to democracy accelerates, reforming the security forces must be a top priority – Atlantic Council, accessed December 19, 2025, https://www.atlanticcouncil.org/blogs/africasource/as-sudans-transition-to-democracy-accelerates-reforming-the-security-forces-must-be-a-top-priority/
- Bringing down corruption in Sudan through law enforcement? Some international lessons learned., accessed December 19, 2025, https://www.u4.no/blog/bringing-down-corruption-in-sudan-through-law-enforcement-some-international-lessons-learned
- Transitional Justice and Security Sector Reform: Enabling Sustainable Peace Geneva, November 2006, accessed December 19, 2025, https://www.dcaf.ch/sites/default/files/publications/documents/OP13_Mobekk.pdf
- The Sudanese Indigenous Model for Conflict Resolution: A case study to examine the relevancy and the applicability of the Judiyy – NSUWorks, accessed December 19, 2025, https://nsuworks.nova.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1089&context=shss_dcar_etd
- From war to peace and reconciliation in Darfur, Sudan: Prospects for the Judiyya | ACCORD, accessed December 19, 2025, https://www.accord.org.za/wp-content/uploads/2024/06/Monograph-July-2012-From-war-to-peace-and-reconciliation-in-Darfur-Sudan-Prospects-for-the-Judiyya.pdf




جيعان ومشرد وبرضو بيطالب بالديمقراطية والتحول المدني
دي مصيبة شنو الوقعنا فيها دي يا جماعة الخير
حسبي الله ونعم الوكيل
الناس دي قاعده تفكر كيف!!
التحول المدنى معناها اعاده عملاء الامارات الى المشهد السياسى لتنفيذ الاجنده الاستعماريه لتدمير السودان. الدكتور امجد فريد مستشار كرازى(حمدوك) قال فى تغريدته ميدان الاعتصام كان يشرف عليه دحلان . ثم طلبت ابوظبى من القحاته تفكيك الجيش السودانى