مقالات وآراء

3) حكاية الثورة الرومانية – ديسمبر 1989 – من الألف للياء…

ترجمة د. عصام محجوب الماحي
نقلاً عن صحيفة (ليبرتاتيا) الرومانية واسِعة الانتِشار حيث كتب دانييل دانتشيا:

(الحلقة الثالثة)

17 ديسمبر 1989 أحلك أيام ثورة تيميشوارا. شاوشيسكو مطالباً بتصفية المتظاهرين من أهالي تيميشوارا رمياً بالرصاص يصدر أمره: “…… انطلقوا إلى العمل بجديّة”!
في كل عام، في 17 ديسمبر، تحيي مدينة تيميشوارا ذكرى ضحايا الثورة. ويُعدّ هذا اليوم، يوم حداد في تيميشوارا لأنّه كان أحلك أيام ثورتها.

بعد اشتعال الشرارة الأولى مساء 15 ديسمبر، واندلاع الثورة في 16 ديسمبر، أرسل شاوشيسكو على وجه السرعة “فرقة من قيادة الحزب والجيش” من الجنرالات إلى تيميشوارا، وفي مؤتمر عبر الهاتِف في 17 ديسمبر 1989، أمر القادة هناك بتزويد الجيش بالذخيرة، ونشره في الشوارع، و”إعادة استتباب النظام”. وفي المؤتمر الهاتفي نفسه، انتقد شاوشيسكو الشُرطة لتساهلها المُفْرَط، في تقديره، مع المتظاهرين في 16 ديسمبر، و”لتسامحها معهم وكأنّها ادارت لهم الخد الثاني كالمسيح”.

تستعرض صحيفة (ليبرتاتيا) في حلقة اليوم، المُخصّصة لثورة تيميشوارا، المجزرة التي حدثت وكيف كانت.

* تسليم القوات ذخيرة حرب فورًا:
بدأ الاحتجاج في 15 ديسمبر1989في ساحة ماريا في تيميشوارا، عندما تجمّع عدد من المرتبطين بالكنيسة لمعارضة إخلاء القَس لازلو توكيش من مقر اقامته، وانضمّ إليهم عدد من سكان تيميشوارا، ثم تحوّل في اليوم التالي، 16 ديسمبر، إلى احتجاج مناهض للشيوعية، مُعلنًا بذلك بداية ثورة تيميشوارا.
بعد الاشتباكات التي دارت بين الثوار وقوّات القمع ليلة 16-17 ديسمبر، جرى إرسال سكرتير لجنة الحزب الشيوعي، إيون كومان، والجنرالات اشتيفان قوشا، وميهاي قيتساك، وفيكتور أتاناسي استانكوليسكو، على وجه السرعة إلى تيميشوارا “لإعادة استتباب النظام”.

وفي مؤتمر عبر الهاتف عُقد في 17 ديسمبر 1989، أمر نيكولاي شاوشيسكو صانعي ومنفِّذي القرار المُرسلين إلى تيميشوارا بإطلاق النار على السكان، قائلاً: “تُسلّم جميع القوات الذخيرة الحية الحربية فوراً”.
ويُظهر في تسجيل وقائع المؤتمر عبر الهاتف، استياء شاوشيسكو من التساهل الذي مارسته قوات القمع في ضرب واعتقال المتظاهرين ليلة 16-17 ديسمبر. ووبّخ شاوشيسكو السُلطات في تيميشوارا وقال للجنرالات الذين أُرسلهم للمدينة: “في تيميشوارا، تعرّض مقر الحزب في المُحافظة لهجوم، ولمْ يتصرّفوا بالشكلِ اللائق، بلْ تجاهلوا الأمر واداروا لهم الخد الثاني وكأنّهم المسيح”. وأضاف شاوشيسكو خلال المؤتمر الهاتفي الذي أشعل فتيل المجزرة في تيميشوارا: “ابتداءً من اليوم، ستَحْمِل جميع وحدات وزارة الداخلية، بما فيها الميليتسيا وقوات الأمن ووحدات حرس الحدود، أسلحة قتالية، بما فيها الذخيرة الحية، دون أيّ نقاش”.

* ننفِّذ ما أمرتُم به، لقد بدأ إطلاق النار بالفعل:
ويُظهر نصّ المؤتمر الهاتفي الذي عُقد في 17 ديسمبر أنّ أوّل من رد على شاوشيسكو كان من بالان، سكرتير أول لجنة الحزب الشيوعي في محافظة تيميشوارا آنذاك. وبعد أنْ طمأن شاوشيسكو بأنّه “تم اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ الأمر”، أبلغ الديكتاتور بأنّه مع سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الروماني، إيون كومان. وجرى الحديث بين بوخارست وتيميشوار كالأتي:
– رادو بالان: احترامي ايها الرفيق الأمين العام، بالان على الهاتف. أنا مع الرفيق كومان. لقد تمّ اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ التعليمات، والأمر الذي أصدرته. انتهيت.
+ نيكولاي شاوشيسكو: سألتُ إن كان الضباط في الغرفة.
– إيون كومان: الرفيق شاوشيسكو، كومان على الهاتف. أفيد بأنّهم ليسوا في الغرفة، إنّهم في الفرقة، ونحن نُرتّب ما أمرتَ به. لقد بدأ إطلاق النار بالفعل.
+ شاوشيسكو: وفي غضون ساعة واحدة يجب استعادة استتباب النظام والامن الكامل في تيميشوارا. من فضلك اتصل بهم وأعطهم الأمر. وعندما يكونون معكم، دعني أتحدّث معهم على الهاتف، شيء كهذا غير مُمْكِن. هل هذا مفهوم؟
– كومان: أُبلغك أيها الرفيق شاوشيسكو، أن ثلاثة أرتال من القوات تدخل الآن تيميشوارا. لقد أرسلت هؤلاء الضباط إلى هناك لمقابلتهم وتوجيههم إلى مركز المدينة. أُبلغك مرة أخرى، لقد أمرت بفتح النار.
+ شاوشيسكو: أين قائد فرقة تيميشوارا؟ يا رفيق كومان، أين قائد فرقة تيميشوارا؟
– كومان: أُبلغك، قائد الفرقة موجود في الفرقة يا رفيق شاوشيسكو.
+ شاوشيسكو: فليأتِ فورًا برفقتك إلى مركز القيادة. ومركز القيادة هو اللجنة المحلية للحزب. هذا هو مركز القيادة.
– بالان: فهمت أيّها الرفيق الأمين العام.
+ نيكولاي شاوشيسكو: كومان، أين هم الجنرالات الذين قدموا من بوخارست، رئيس الأركان، نائب وزير الدفاع والآخرون، أين هم؟
– كومان: أبلغكم أنني تحدّثت معهم الآن بشأن الذهاب إلى الفرقة لمعاينة الأرتال الثلاثة. بعد ذلك، استدعيت رئيس جهاز الأمن، ورئيس الميليتسيا، وهما يجلسان بجانبي، ونحن ننظِّم الأمور كما أمرتُم.
+ شاوشيسكو: أطلب منكُم التصرُّف باسمي وتولي القيادة وإبلاغي كل 15 دقيقة بكيفية حلّ المشاكل. اتّصِل بهم جميعًا وأصدر لهم الأمر بالتنفيذ.
+ تشاوشيسكو: إنه انقلاب حقيقي على الدولة، يُزعم أنه سلمي. إنّه معادٍ للاشتراكية. هكذا يجِب أنْ يُنظر إليه. لقد قرّرنا عدم استقبال سياح أجانِب في الفترة المقبلة، ولا ينبغي أنْ يكون هناك ما يُسمى بحركة مرور حدودية صغيرة. نحن نعلقها، سنعود إليها لاحقًا، ليس لدينا وقت لحركة المرور الحدودية الصغيرة الآن، وعلى كل طرف أنْ يتعامِل مع مشاكله الخاصة. لا لحركة الحدود الصغيرة، يجِب ألّا نسمح بدخول أي شخص، سواء كان أجنبيًا أو من داخل البلاد، وإذا تم القبض على أي أحد يجِب معاقبتهم بلا رحمة. لا يوجد أي مبرّر على الإطلاق! أسأل مرّة أخرى، أيها الرفاق، هل لديكُم أي أسئلة أو استِفسار؟ لا؟ إذًا أيها الرفاق، بهذا أختتم المؤتمر عبر الهاتف، وارجوكم الشروع فورًا في اتّخاذ إجراءات حازِمة وحاسِمة في اتجاه ما قلته. هيا إلى العمل بجديّة!
(تابع في الرابط ادناه تسجيل صوتي للمؤتمر الهاتفي الذي عقده شاوشيسكو من بوخارست مع فريق قمع الثورة في تيمشوارا:

 

* بدأ اليوم الأكثر دموية في ثورة تيميشوارا بمسيرة عسكرية:

ماريوس ميوك، الذي شارك في الثورة وأصبح أحد أبرز الباحثين في ثورة تيميشوارا، ونشر العديد من الكُتب المُتعلِّقة بالأحداث خلال الفترة التي كانت فيها تيميشوارا وحيدة في مواجهة النظام الشيوعي، تحدّث لصحيفة (ليبرتاتيا) عن الأحداث المأساوية التي وقعت يوم 17 ديسمبر 1989 في تيميشوارا. وأوضح الباحث أنه في “محاكمة ثورة تيميشوارا”، ثبت أنّه بين 17 و22 ديسمبر 1989، سقط 73 قتيلاً و296 جريحاً، معظمهم، أي 63 قتيلاً، يوم 17 ديسمبر. وأضاف ميوك: “بعد 22 ديسمبر، وفي سياق المواجهات مع ما يسمى بالإرهابيين، سُجلت 20 حالة وفاة أخرى. وهذه الأرقام خاصة بمدينة تيميشوارا فقط”.

ونُشرت القائمة الكاملة للقتلى والجرحى في تيميشوارا، مُفصّلةً حسب اليوم الذي وقعت الحادثة، في كتاب أصدره ماريوس ميوك بعنوان “الثورة في تيميشوارا من خلال شهادة واعتراف المشاركين”.
ويذْكُر ميوك أنّ يوم الأحد، 17 ديسمبر 1989، بدأ بعرض عسكري كان الهدف منه ترهيب السكان. إلّا أنّ أهالي تيميشوارا لمْ يستسلموا للترهيب، واستهجنوا مشهد طوابير الجيش واستعراض قوته. ويضيف ميوك: “بحسب الرائد نيكولاي دورا، رفض الضابط يوجين جورجيو قيادة العرض، وتمّ استبداله. وكانت هذه إحدى أوّل مُبادرات الرفض داخل الجيش”.
وفي فترة ما بعد الظُهر، استؤنِفت المُظاهرات في تيميشوارا، وفي بوخارست عُقد اجتماع اللجنة السياسية التنفيذية للحزب الشيوعي الروماني، حيث حصل شاوشيسكو على موافقة إعلان حالة الطوارئ والحالة الاستثنائية.
ويوضح ماريوس ميوك، لصحيفة (ليبرتاتيا)، بعد مرور 36 عامًا على الثورة قائلاً: “يجِب التأكيد على أنّه لمْ يُنشر أي مرسوم بذلك في الجريدة الرسمية، ما يعني أنّ حالة الطوارئ هذه، من الناحية القانونية، لمْ تُعلن بشكلٍ صحيح. ومع ذلك، صدرت الأوامر لجميع الوحدات العسكرية بالاستعداد للمعركة، بعد إبلاغها بوجود خطر غزو من المجر”.
* أوّل شهداء ثورة تيميشوارا امرأتين:
أوّل شهيدة في ثورة تيميشوارا هي روزاليا بوبيسكو، امرأة تبلغ من العمر 55 عامًا، كانت ضِمن مجموعة من المتظاهرين الذين يحاولون الوصول من شارع بيستالوتزي إلى مقر لجنة الحزب في المحافظة، المقر الحالي لمجلس محافظة تيميش. توفيت روزاليا بوبيسكو بعد أن دهستها سيارة تابعة لفرقة الجيش من نوع (TAB)، ودخلت التاريخ كأول شهيدة لثورة تيميشوارا.
ويوضح ماريوس ميوك قائلاً: “لاحِقًا، قُتل معظم الضحايا رميًا بالرصاص. في ساحة ليبرتاتسي – الحرية، نُفِّذت عمليات إطلاق نار لأوّل مرّة وأسفرت عن سقوط ضحايا. قُتلت ليبا باربات رميًا بالرصاص، وأُصيب زوجها، فاسيلي باربات، بجروح خطيرة، بينما أُصيبت ابنتهما بجروح طفيفة. وأصبح فاسيلي باربات لاحِقًا عضوًا في البرلمان دورة 1990-1992. في هذه القضية، حُكم على الضابط فاسيلي جويتسويو مبدئيًا بالسجن 18 عامًا، لكن أُلغي الحُكم، وأُعيد الملف إلى النيابة العامة عُدّة مرّات لمزيد من التحقيقات. وبعد حوالي 20 عامًا، وبسبب تناقُض وتضارُب أقوال الشهود، تقرّر إسقاط التهمة الجنائية عنه”.
وفيما يتعلّق بفاسيلي جويتسويو، كشفت صحيفة ليبرتاتيا مؤخرًا أنّ ضابط مكافحة التجسّس صُنِّف كموظف في جهاز الأمن السابق (سيكوريتاتي) بعد 36 عامًا من الثورة.

* تلك اللحظة، استحقّت أنْ تعيشها:
كانت كاليا جيروكولي بؤرة ساخنة لثورة تيميشوارا. أوقف مدنيون رتلاً من خمس دبابات أرسلتها الوحدة العسكرية في جيروكولي “لإعادة استتباب النظام”.
وحول ذلك وكيف حدث، نستعرض شهادة أحد سكان تيميشوارا، الذي أصيب برصاصة في ذراعه، لكنه لمْ يطلُب قط “شهادة ثوري” ولمْ يرغب حتى في ذكر اسمه مع الثوريين، لأنّه بحسب تصريحه “سيكون ذلك ظلماً للآخرين”. وبعد 25 عاماً من الثورة، روى ذلك الشخص الذي توفي لاحقًا، لصحيفة (أديفارول)، كيف ضحّى الناس بأنفُسهم أمام الدبابات، وقال: “مستغلين وجودنا موقع بناء في المنطقة، وبأيدينا العارية تضافرت جهودنا ووضعنا أمام الدبابات مولدًا كهربائيًا من موقع البناء وأخذنا حافلتين خفيفتين من مكان مُرتفِع ووضعناهما في الشارع، فتوقّفت الدبابة الأولى، فهرعنا إلى الأخيرة، وباستخدام قضبان خرسانية من موقع البناء، تمكّنا من سد مسارات الجنازير التي كانت تسير عليها الدبابات. وفي تلك اللحظة، علق رتل الدبابات”.
وأضاف الرجل، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه ليُعرّف باسم “كاليا مارتيريلور – طريق الأبطال الشهداء”، أنّهم بعد أنْ هدّدوا بإحراق الدبابة، خرج سائقها منها ويداه خلف ظهره.
وفي شهادته تلك بعد 25 عامًا من الثورة قال: “فوراً هتفنا (حرية، حرية)، ودون شكّ إنّ تلك اللحظة، استحقّت أنْ تعيشها، وقد خرج الجندي سائق الدبابة مصابا، ولمْ يُؤذَه أحد”.
وتابع الرجل، الذي زعم أنّه ومجموعة من الأشخاص حاصروا الدبابات بنية الاستيلاء عليها وقيادتها لمهاجمة مقر جهاز الأمن، لكن في خِضم الفوضى، تضرّرت الدبابات وتعطلت ولمْ تتحرّك. وواصل قائلاً: “بعد أنْ حاصر الثوار الدبابات، أرسل الجيش سرية من الجنود لاستعادة المركبات المدرعة. وتلقى الجنود أمر بإطلاق النار. لمْ يصدِّق الناس أنّ الجيش يطلق النار على أبناء شعبه، لكن جحيمًا اندلع في كاليا جيروكولوي، ووقعت مجزرة حقيقية. استمر إطلاق النار حتى الثالثة صباحًا لأنّ مَن لمْ يُصبْ كان يدافِع عن نفسه بالحجارة. كانت حربًا بالفعل. لا يمكِنك تخيّل ما يعنيه إطلاق النار بين الأحياء. في الثالثة صباحًا، بدأت عاصِفة رعدية قويّة، وهكذا انتهت معركة 17 ديسمبر ليلًا”.

* أطلَقوا النار على سيارات الإسعاف التي كانت تحاول نقل الجرحى:
ويتذكّر الباحِث ماريوس ميوك أحداث تلك الأيام ويقول: “في المساء، صدر الأمر باستعادة الدبابات المُحاصرة في شارع كاليا جيروكولوي، ثم اندلع إطلاق نار كثيف، أسفر عن سقوط العديد من القتلى والجرحى. كما وقع إطلاق نار في شوارع كاليا بوزياشولوي، وكاليا ليبوفي، وبياتسا ليبرتاتي – ساحة الحرية -، وساحة 700، ومناطق أخرى. لمْ يقتصِر القمع على منطقة محدَدة، بلْ شمل المدينة بأكملها. وقعت مواجهتان عند الكاتدرائية، يومي 17 و18 ديسمبر، وفي كلا اليومين أُطلق النار على المتظاهرين”.
وهكذا انتهت أحلك أيام الثورة في تيميشوارا بالعديد من القتلى والجرحى. وهناك شهادات تُفيد بأنّ حتى سيارات الإسعاف التي كانت تُحاول نقل الجرحى قد أُصيبت بالرصاص. وعاد الناس إلى الشوارع بعد كل وابل من الرصاص، مُظهرين عزيمةً استثنائية. ويُوضح ماريوس، أنّه يرى أهم الشهادات هي التي قُدِّمت فور اندلاع الثورة.

* نجوتُ لأنّني كنتُ أرتدي معطفًا سميكًا خفّف من الإصابة بالرصاص:
أحد سكان تيميشوارا الذين كانوا في الشوارع منذ 15 ديسمبر، وأُصيب بالرصاص في 17 ديسمبر، وهو أدريان كالي، مُدرس التاريخ حاليًا في احدى ثانويات تيميشوار، روى لصحيفة (ليبرتاتيا) كيف أُصيب بالرصاص خلال الثورة.
كان أدريان كالي يستقِلّ حافِلة كهربائية – تُرولي بص – من وسط المدينة إلى منطقة محطة القطارات، حيث كان مكان عمله قريبا منها. ويقول: “كنتُ أغادِر في الصباح، وأعود إلى المنزل في المساء، وبعد بضع ساعات، أذهب إلى العمل. لمْ تكُنْ هناك مشاكل في المواصلات في البداية، كانت الحافلات تأتي. كنتُ أستقِلّ الحافِلة، ولاحظت أنّ اللوحات الدعائية التي تحمِل صور شاوشيسكو أُزيلت. لمْ يكُنْ هناك شيء غير عادي في الطريق حتّى محطة القطار، باستثناء إزالة تلك اللوحات التي كانت تُرى على طول الطريق”. يتذكّر كالي مضيفاً: “لمْ يكُن هناك أي عمل نقوم به، وفي تمام الساعة الثانية عشرة ظهرًا، أرسلونا إلى منازلنا”.
عند وصوله إلى ساحة ماريا، رأى أدريان كالي قوات الأمن مُنْتشِرة، وفي لحظة ما، عند زاوية شارع تيموتي شيباريو، رأى مركبتين مدرعتين، ويقول: “حينها أدركت أنّ شيئًا خطيرًا يحدُث. وبدلًا من العودة إلى المنزل، ذهبت إلى كاليا شاقولوي، إلى منزل ابن عمي. في ذلك الوقت، كانت تجري أحداث امام مجلس المحافظة، لمْ أشارِك فيها. حوالي الساعة الثالثة، جاء أحدهم وقال إنّ هناك إطلاق نار في وسط المدينة. فانطلقنا إلى هناك”.
ويواصِل مُضيفاً إنه عندما وصل إلى وسط المدينة، كانت المتاجِر قد اقتُحمت والكتب التي عليها صور شاوشيسكو تُحرق، وفي مرحلة ما، وصل والمجموعة التي كانت معه إلى جسر ديتشيبال، ويقول: “ظهرت مروحية فوقنا، تتتبّعنا بكشافاتها. ظننتُ أنّها تُطلق النار، وعندما رأيتُ لهبًا أزرق، وهو لهبٌ مُميّز لإطلاق النار، تأكدتُ من ذلك. كنتُ جنديًا في سلاح المدرعات والدبابات خلال أدائي الخدمة العسكرية الإجبارية في الجيش. سحبتُ كايوس وفلورين يوفانوفيتشي وتمدّدنا على الأرض. أطلقوا علينا وابلًا من الرصاص وبعد ثوانٍ أصبتُ في ظهري. صرختُ بهم أنْ يعتقلونا، لا أنْ يطلقوا النار علينا. رأيتُ فلورين يوفانوفيتشي يرفع رأسه، ومرّت الرصاصة الثانية، التي كانت موجهة إليه وتجاوزته وأصابتني”.
يعترف كالي بأنّه تمكّن من الركض إلى الزاوية حيث سقط أرضًا، فوُضِع في سيارة ونُقِل إلى مستشفى فيكتور بابيش. ويقول: “كنتُ في غرفة مع جندي أُصيب هو الآخر برصاص الجيش، وليس المدنيين. وفي 20 ديسمبر، خضعتُ لعملية جراحية لإزالة الرصاصة. نجوتُ لأنّني كنتُ أرتدي معطفًا سميكًا خفّف من الإصابة. كان الجرح كبيرًا، بطول ثلاثة أصابِع تقريبًا. عانيتُ من صعوبة في التنفس ونزيف، وبعد العملية تعافيت بسرعة نسبية، لكوني رياضيًا. حضر عناصر من جهاز الأمن إلى المستشفى، لكن الطاقم الطبي تولّى حمايتنا. وضعونا بين مرضى القلب ولمْ نتعرّض لأي مضايقات بعد ذلك”.

* هل ما حدث كان ثورة أمْ انقلابًا؟:
في تقدير مُدرِّس التاريخ أدريان كالي إنّه في البداية لمْ تكُنْ هناك قيادة واضحة، وكان كل شيء يسير في فوضى عارمة. ويقول: “لاحِقًا، ظهر قادة ومُستغِلّون ومستفيدون، وجرى اختطاف الأحداث. المُستفيدون ليسوا فقط من يحملون (شهادات ثوري)، والمُستغِلون هم مّن يدّعون التواجُد في الساحات والشوارع التي شهدت الثورة ولمْ يكونوا فيها”.
وعندما سُئل، من وجهة نظره كثوري ودارِس ومُدرِّس تاريخ، عن الحل لحفظ تاريخ أحداث ديسمبر 1989 بشكل صحيح، قال كالي: “المطلوب بالضرورة سيطرة مؤسسية. وهناك مؤرخون يعملون دون رؤية واضحة تُحدِّد ما إذا كانوا على صواب أمْ لا. وهناك مشكلة أخرى، وهي أن الدولة الرومانية لا تملك سردية رسمية ولمْ تضعها ولا ينبغي للدولة أنْ تسمح بهذا. فهل كان الأمر ثورة أمْ انقلابًا؟ كان كل شهر يظهر أحد ما بتفسير ما. كُنْت في دورة تدريبية، وعلمتُ أنّ شخصًا ما، قال أنّه قام بطباعة صحيفة، وأشعل فتيل الثورة في رومانيا. وقفتُ وسألته عمّا فعله تحديدًا، لأنّني لمْ أسمع به قط في تيميشوارا”.
ويزعم أستاذ التاريخ أن “قافروش، رمز الثورة” ظهر بعد الثاني والعشرين من ديسمبر في بوخارست، لكنّه لمْ يفعل شيئًا في تيميشوارا. ويضيف: “دعونا نحدِّد هذه الأمور. إمّا أنّ الثورة بدأت في تيميشوارا، والمدينة رمزها مُنذ تلك اللحظة، أو نقول إنّ تيميشوارا لمْ يكُنْ لها دور، وأنّ السُذّج خرجوا إلى الشوارع وعانوا ما عانوه وقُتِلوا، وأنّ الثورة لمْ تبدأ إلّا عندما خرج الشعب في بوخارست في 21 و22 ديسمبر. وعندها نستبعد من المعادلة ما حدث في كلوج، وأراد، ولوقوج، وسيبيو أو براشوف، وقد خرج الناس فيها قبل هروب شاوشيسكو بالمروحية من اعلى مقر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الروماني بوسط بوخارست خوفاً من اقتحام الجماهير المبنى”.
ولخّلص أدريان كالي لصحيف (ليبرتاتيا) قراءته لما حدث بقوله: “الثورة بدأت عندما خرج الشعب مُعارِضاً ومًقاوِماً النظام، لا عندما كان الناس يلعنون شاوشيسكو في منازلهم. فتلك ليس ثورة”.
؛؛؛…؛؛؛
غداً حلقة جديدة رابعة تتناول أحداث 18 ديسمبر 1989، وعملية “الوردة”، لإخفاء جرايمة قمع ثورة تيميشوارا. جُثث عشرات الأبطال، سُرقت وجرى نقلها لبوخارست لمحرقة “جنّوشا – الرماد”.

[email protected]

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..