حين يتحول القرار التربوي إلى أداة إقصاء: فوضى التعليم ومأساته في محلية الحصاحيصا
حسن عبد الرضي

تتوالى، بلا انقطاع، فصول المأساة التعليمية في ولاية الجزيرة، وتحديدًا في محلية الحصاحيصا، حيث لم يعد الخلل مجرد نقص في المعلمين أو شُحّ في الموارد، بل أصبح أزمة إدارة، وانحراف قرار، وانتهاكًا صريحًا لأبسط قواعد العدالة المهنية والتربوية.
ففي واحدة من أكثر الوقائع فداحة، أقدم مدير التعليم الابتدائي بمحلية الحصاحيصا على إعفاء الموجهين التربويين القدامى، متذرعًا بقرار صادر عن المدير العام للتعليم بالولاية، بدعوى “سد النقص في المدارس”. غير أن الحقيقة، كما تكشفها الوقائع، أن قرار المدير العام لم يكن إعفاءً نهائيًا، ولا إقصاءً إداريًا، بل إجراءً مؤقتًا يهدف إلى سد العجز مع الإبقاء على الموجهين في مهامهم التخصصية، باعتبارهم ركيزة أساسية في العملية التعليمية وضمانة جودتها.
لكن مدير التعليم بالمحلية تلقّف القرار “بردًا وسلامًا”، لا بوصفه مسؤولًا تربويًا، بل كفرصة سانحة لتصفية حسابات، وإعادة ترتيب المشهد الإداري وفق معايير لا تمت للتعليم بصلة. فتم إبعاد الموجهين إبعادًا كاملًا، لا مؤقتًا، ولا إداريًا، وإنما إقصاءً فعليًا، أُفرغ فيه القرار من روحه، وحُرّف عن غايته.
والأخطر من ذلك، أن عملية الاستبدال لم تتم على أساس الكفاءة أو الخبرة أو الأقدمية، بل وفق معايير الولاء السياسي، والدفع النقدي، والمحسوبية الصريحة. فحُلّ محل موجهين من الدرجة الأولى، أفنوا أعمارهم في التعليم، ولم يتبقّ لهم سوى أشهر قليلة على المعاش، معلمون أقل خبرة، وأدنى درجة، معظمهم من الدرجة الثالثة، بلا تأهيل كافٍ، ولا تجربة تراكمية تؤهلهم للقيام بمهام التوجيه، وهي من أدق وأخطر مفاصل العملية التعليمية.
هكذا، ببساطة فاجعة، يُكافأ الإخلاص بالإقصاء، وتُعاقب الخبرة بالتهميش، ويُفتح الباب واسعًا أمام الرداءة، في وقتٍ يعاني فيه التعليم أصلًا من الانهيار، والطلاب من الفاقد التربوي، والمعلمون من الإحباط وانعدام الأمان الوظيفي.
إن ما جرى في محلية الحصاحيصا ليس حادثة معزولة، بل نموذج فجّ لكيف تُدار مؤسسات التعليم حين تُختطف من أهلها، وتُسلم لذهنية ترى في التعليم غنيمة، وفي القرار الإداري أداة تمكين سياسي، لا مسؤولية وطنية. وهو أيضًا دليل إضافي على أن أزمة التعليم في السودان ليست أزمة مناهج فقط، ولا مبانٍ فقط، بل أزمة ضمير إداري، وعدالة مهنية غائبة.
إن استمرار هذا العبث لا يهدد الموجهين وحدهم، ولا المعلمين وحدهم، بل يضرب في الصميم حق التلاميذ من تعليمٍ سليم، ويقوض ما تبقى من ثقة في مؤسسات الدولة التعليمية. وعليه، فإن مساءلة ما حدث، ومراجعة هذه القرارات، وإعادة الاعتبار للكفاءة والخبرة، ليست مطلبًا فئويًا، بل واجبًا وطنيًا، إن كان لهذا التعليم أن ينهض، أو حتى أن يبقى على قيد الحياة.



