الحركة الإسلامية ..لم يتبقَّ لها سوى ذاكرة القمع

بعد المصالحة الوطنية عام 1977 بدأت الحركة الإسلامية في السودان تقترب فعلياً من دوائر السلطة والثروة وكان ذلك التحول نقطة فاصلة في مسارها الفكري والسلوكي. منذ تلك اللحظة تغير منطق العمل داخل التنظيم وانتقل من خطاب تعبوي يدعي الزهد إلى ممارسة تقوم على المال والنفوذ والسيطرة. لم يعد التنظيم يعتمد على الإقناع السياسي أو الحضور الجماهيري، وتقدّم بدلاً عن ذلك منطق القوة والتنظيم المغلق.
مع الوقت ترسخت أدوات القمع الداخلي بوصفها الوسيلة الأضمن لإدارة الخلاف وضبط الصف. ظهرت مكاتب الأمن التنظيمي وتوسّع ما عُرف بالعمل الخاص فصار الخوف بديلاً عن النقاش والطاعة تحل محل القناعة. في هذا المناخ نشأ جيل من الإسلاميين يرى المال غنيمة والسلطة حقاً مكتسباً وتحوّلت السرقة والنهب إلى ممارسات مبرَّرة تحت لافتات دينية جوفاء. أُقيمت المناسبات والفعاليات بميزانيات مفتوحة لا تخضع لمحاسبة وتراجعت القيم التي طالما رُفعت كشعارات.
اليوم، وهم جالسون في مفاصل سلطة بورتسودان يظهر العجز السياسي بوضوح. لم ينجحوا في تفعيل أدوات العمل الحزبي التقليدي لأنهم لم يتعلموا أصلًا كيف يخاطَب المجتمع خارج منطق الأمن. اعتادوا إدارة الواقع عبر الأجهزة والملفات السرية، ففقدوا القدرة على الفعل السياسي العلني وعلى بناء تحالفات أو تقديم خطاب مقنع.
لهذا أرعبتهم هتافات ثوار ديسمبر. الهتاف البسيط كشف هشاشتهم وعرّى فراغهم السياسي. لم يكن الخوف من الكلمات ذاتها بل من معناها، من شارع لا يخضع ومن وعي لا يمكن اعتقاله. أمام هذا المشهد لم يجدوا سوى الاختباء خلف الأزمات وصناعة الفوضى، ثم الخروج بلغة التهديد والوعيد.
في مواجهة صوت الشارع سقط رهانهم القديم. الهتاف هزمهم لأنه جاء من خارج حساباتهم ولأنه واجههم بلا سلاح سوى الحقيقة. وحين تعجز السلطة عن الكلام تلجأ إلى الصراخ. هكذا تتصرف حركة فقدت السياسة، ولم يتبقَّ لها سوى ذاكرة القمع.




👍