أخبار السودانتقارير استقصائية

السودان: رصاص في “أم درمان” وغضب في “لندن”.. تحقيق في خبايا معركة السيادة الضائعة

في التاسع عشر من ديسمبر 2025، وبينما كانت الخرطوم تلملم جراحها تحت وطأة حرب لا ترحم، لم يكن صوت الرصاص هو الوحيد الذي دوى في سماء السودان. ثمة معركة أخرى كانت تدور رحاها بصمت في أقبية المعتقلات، وبصخب في شوارع أوروبا، وبعنجهية في البيانات الدبلوماسية. هذا التحقيق يتتبع خيوط ثلاثة أيام هزت المشهد السوداني: قمع داخلي بصبغة انتقامية، وغطرسة دبلوماسية أشعلت أزمة “السيادة”، وانتفاضة مهاجرة كسرت حاجز الصمت.

أولاً: الداخل.. “قائمة سوداء” ورصاص حي

على الأرض، لم تكن ذكرى الثورة مجرد احتفال عابر، بل تحولت إلى “مصيدة” أمنية. تكشف المعلومات الميدانية التي حصلنا عليها أن السلطات الأمنية في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش نفذت حملة اعتقالات نوعية وممنهجة استبقت يوم الذكرى.

في الولاية الشمالية، وتحديداً في منطقة “مجاصر” قرب دنقلا، داهمت قوة أمنية منزل الناشط منيب عبد العزيز يوم الجمعة واعتقلته، لا لشيء سوى أنه ألقى خطاباً حماسياً يمجّد الثورة. المشهد تكرر في القضارف شرقي البلاد، حيث اختفى الصحفي والناشط عمر أبو عاقلة ليلة الخميس 18 ديسمبر، واقتيد إلى جهة مجهولة، في رسالة واضحة بأن “الصوت المدني” بات هدفاً مشروعاً كالمقاتل العسكري.

أما في أم درمان، فقد وثقت شهادات ميدانية لجوء الشرطة للعنف المفرط لتفريق موكب نظمته مجموعة “غاضبون بلا حدود”، حيث استخدمت الغاز المسيل للدموع والهراوات، مما أدى لوقوع إصابات واعتقالات. الأخطر من القمع الميداني هو الغطاء السياسي الذي وفره تيار “المؤتمر الوطني” (المحلول) وأنصاره، حيث رصدنا تصاعداً مخيفاً في خطاب الكراهية، وصل حد مطالبة منصات إعلامية محسوبة عليهم -مثل منصة “الانصرافي”- باستخدام “الرصاص الحي” بدلاً من الغاز ضد من أسموهم “الطابور الخامس”، وتخيير المعتقلين بين “الموت أو الجبهة”. 

ثانياً: القاهرة.. “الخطوط الحمراء” التي ألهبت الغضب

بينما كان الشارع السوداني يغلي، صبت القاهرة الزيت على النار. في 18 ديسمبر 2025، وتزامناً مع زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان لمصر، أصدرت الرئاسة المصرية بياناً وصفه مراقبون بـ “نقطة التحول” في العلاقة بين الشعبين. البيان لم يكتفِ بدعم الحل السياسي، بل تحدث بلغة صارمة عن “خطوط مصرية حمراء” لا يمكن تجاوزها في السودان، رابطاً أمن الخرطوم بالأمن القومي المصري بشكل اعتبره كثيرون “وصاية صريحة”.

مصادر دبلوماسية أشارت إلى أن البيان، الذي جاء مدعوماً برؤية أمريكية (إدارة ترامب)، كان يهدف لقطع الطريق أمام أي حكومة موازية قد تشكلها قوات الدعم السريع، لكن صياغته “الاستعلائية” -كما وصفها نشطاء- وحّدت الفرقاء السودانيين ضده. حتى القوى السياسية المتحالفة تقليدياً مع القاهرة، مثل أحزاب في “تقدم” والكتلة الديمقراطية، وجدت نفسها في حرج بالغ، مضطرة لإصدار بيانات تؤكد على “السيادة الوطنية” لامتصاص غضب الشارع.

ثالثاً: الشتات.. انتفاضة ضد “الوصاية”

الرد الحقيقي على بيان القاهرة لم يأتِ من الخرطوم المكبلة، بل من عواصم الشتات. في لندن، احتشد مئات السودانيين أمام مقر الحكومة البريطانية والسفارة المصرية، في مشهد نادر الحدوث. هتف المتظاهرون بشعارات حادة ومباشرة: “لا وصاية لا تبعية.. قرارنا سوداني مية المية”، ووجهوا انتقادات لاذعة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، متهمين القاهرة بمحاولة هندسة مستقبل السودان لخدمة مصالحها الأمنية فقط.

وفي باريس، تكرر المشهد بوقفات احتجاجية نددت بما وصفته بـ “التدخل السافر”، وربطت بين انتهاكات الداخل (القمع) والتدخلات الخارجية، معتبرة أن ضعف الدولة هو ما أغرى الجوار بفرض شروطه. اللافت في حراك لندن هو مشاركة أطياف كانت حتى الأمس القريب منقسمة، لكن “الكرامة الوطنية” جمعتها في خندق واحد ضد ما اعتبروه إهانة دبلوماسية.

الخلاصة: دولة في مهب الريح

يكشف هذا التحقيق أن السودان يعيش أخطر مراحله؛ فبينما يحاول “فلول” النظام السابق استغلال الحرب لتصفية الخصوم المدنيين جسدياً ومعنوياً تحت غطاء “الوطنية”، باتت السيادة السودانية ورقة تفاوض في أيدي العواصم الإقليمية. ما حدث في ديسمبر 2025 ليس مجرد ذكرى لثورة مضت، بل هو إنذار بأن المعركة القادمة لن تكون ضد الميليشيات فحسب، بل ضد محاولات “تدجين” السودان ووضعه تحت الوصاية الدولية والإقليمية.


المصادر: اعتمد هذا التحقيق على وثائق وبيانات ميدانية ، ورصد دقيق لتصريحات رسمية مصرية ، وشهادات من قلب التظاهرات في لندن وأم درمان.   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..