مقالات وآراء

حكاية الثورة الرومانية – ديسمبر 1989 – من الألف للياء…(4)

ترجمة د. عصام محجوب الماحي

نقلاً عن صحيفة (ليبرتاتيا) الرومانية واسِعة الانتشار حيث كتب دانييل دانتشيا:

(الحلقة الرابعة)

18 ديسمبر 1989.. عملية “الوردة”، لإخفاء الجرائم التي ارتكبها النظام الشيوعي في تيميشوارا.. جُثث عشرات الأبطال، سُرقت ونُقِلت إلى محرقة “جِنّوشا – الرماد” ببوخارست، حيث يوصي بعض الناس أنْ تُحرق أجسادهم فيها بعد موتهم.

تواصِل صحيفة “ليبرتاتيا” سلسِلة حلقاتها المُخصّصة لأحداث تيميشوارا في ديسمبر 1989.

بعد أحلك أيام الثورة في المدينة، يوم 17 ديسمبر، تلتها ساعات عصيبة أخرى، وسقط عدد من الشباب رمياّ بالرصاص على درجات سلالم الكاتدرائية في وسط عاصمة إقليم بانات، مدينة الزهور تيميشوارا.

مئات الأشخاص فُقِدوا نتيجة للاعتقالات أو الجرائم التي ارتُكِبت في اليوم السابِق بأوامِر من نيكولاي شاوشيسكو، وحدثت مجزرة في المدينة.

في 18 ديسمبر، أي بعد يوم من إصداره الأمر بارتكاب مجزرة تيميشوارا، غادر شاوشيسكو في زيارة إلى إيران، وكان سكان تيميشوارا ينتظرون اندلاع ثورة في بقية مُدن رومانيا.

في ليلة 18 إلى 19 ديسمبر، نُفذت عملية “الوردة”، حيث نُقِلت بموجِبها سِرّاً إلى بوخارست، جُثث ما يقرب من 50 بطلاً استشهدوا رمياً بالرصاص في 17 ديسمبر، وأُحرِقت في محرقة “جِنّوشا – الرماد” ببوخارست، بهدف محو آثار مجزرة 17 ديسمبر 1989 في تيميشوارا.

في الصباح، أُعيد فتح المتاجِر واستُبدِلت النوافِذ والواجِهات الزجاجية للمحلات التجارية التي جرى تكسيرها.

اتّخذت السُلطات إجراءات لتنظيم القمع. تمّ وضع ثماني مركِبات قتالية في نقاط رئيسية لمنع المتظاهرين من التجمّع والتحرّك نحو وسط المدينة.

عُقدت اجتماعات مع العاملين في العديد من الشركات والمؤسّسات لترهيبهم، وإدانة احتجاجات اليوم السابق.

حُوصِر مستشفى المحافظة من قِبل جنود وأشخاص يرتدون ملابِس مدنية لِمنع الوصول إليه.

في مشرحة المستشفى، بدأت عمليات تحديد الهوية والفحص الجنائي، حيث عمل أطباء الطب الشرعي جنبًا إلى جنب مع المدعين العامين وعناصِر المليتسيا.

هذا هو الوصف لما حدث يوم 18 ديسمبر 1989، مكتوب على لوحة في نصب الثورة التذكاري في تيميشوارا.

وتُظهر الوثيقة نفسها أنّ “الجرحى في المستشفيات، حتّى الذين في حالة خطيرة، خضعوا للتحقيق من قبل عناصِر الأمن، المهتمين بتحديد هويّة المشاركين في الاحتجاجات وقادتهم”.

* تيميشوارا في حالة صدمة:

أرعبت أحداث 17 ديسمبر 1989، التي راح ضحيتها 63 شخصًا وأصيب فيها أكثر من 200، سكان تيميشوارا. وبينما كان الناس يحاولون العُثور على أقاربهم المفقودين أو المصابين، امتلأت شوارع المدينة بقوات قمعية منعت سكانها من التحرّك في مجموعات وحظرت التجمُّعات.

ويتذكّر توديريكا بيلوق، الذي انهمرت دموعه وهو يتحدّث عن ذلك اليوم المشؤوم، حين جرى إطلاق النار على صديق له بجواره، ويقول: “كنت في منطقة ترايان. كان الناس يتحدّثون. تجوّلت في وسط المدينة حوالي الظُهر. كان كل شيء مُدمّراً، كل شيء مُحترِقًا. كان المشهد كما لو كان بعد حرب. وذهبت حتّى ساحة ماريا، وكانت هناك خراطيم المياه التي استعملتها سيارات الإطفاء”.

من جانبه، يتذكّر الثوري بيتريشور مورار، ويقول لصحيفة (ليبرتاتيا): “كانت تيميشوارا يوم 18 ديسمبر في حالة صدمة. وكان الوصول إلى بعض المناطِق، مثل ميدان اونيري – الوحدة -، أكثر صعوبة. وصباح اليوم الذي ذهبت فيه إلى العمل وجدت قوات مكافحة الشغب من حاملي الدروع منتشرين في الطرق والشوارع. نزلتُ بالقُرب من جسر ديجيبال، وكانوا أيضًا أمام الكاتدرائية. الأمر الغريب هو أنّ عناصر الأمن دخلوا المصانع وطلبوا من أمناء لجان الحزب وقادة النقابات ليخبرونا أنّ ما حدث كان في الواقع عمليةً تخريب قام بها متطرفون مجريين ومشاغبون متخاصمين مع القانون والنظام العام”.

* رئيس عمال في مصنع يكشف عن اعتقال ابنيه:

يتذكر الثوري، الذي كان يعمل آنذاك في صناعة ملبوسات من الصوف (ILSA) في تيميشوارا، كيف واجه أحد المشرفين في المصنع، أمين الحزب الذي أُرْسِل لإبلاغ العمال بأن المشاغبين دمّروا المدينة. ويقول بيتريشور مورار: “رئيس العمال، كوستين، كان لديه ابنين مقبوض عليهما. كان رجلاً مُهاباً وطيّبا، مسؤولاً عن بين 100 الى 200 امرأة عاملة في المصنع. قال لسكرتير لجنة الحزب في المصنع (كيف تجرؤون على اتهام أطفالي بالسرقة والبلطجة؟)، وأثار هذا الرد غضباً عارماً، وكان قد أُلقي القبض على آخرين من العاملين في المصنع. كنتَ تعلم أنّهم زملاؤك، ثمّ جاؤوا ليخبروك بأنْ الأمر مختلف تماماً عمّا كنتَ تظنّ”.

* إيلينا شاوشيسكو: اضربوا الكاتدرائية بالمدافع لإنهاء الأمر!:

نُقلت تلك الرسالة إلى العاملين عبر مدراء وسكرتيري لجان الحزب في الشركات والمؤسسات والمصانع بالمدينة، الذين دُعوا إلى اجتماع مع لجنة الحزب بالمحافظة. ورغم حالة الطوارئ المُعلنة في تيميشوارا، تجمّع عدد من الشباب على درجات الكاتدرائية الكبرى. وبعد سفر شاوشيسكو إلى إيران، أبلغ إيون كومان، السكرتير الأول للحزب الشيوعي في تيميش، إيلينا شاوشيسكو بهذا الاحتجاج الجديد. ويُزعم أن “الرفيقة ايلينا” أصيبت بانهيار عصبي وأمرت قائلة: “أطلقوا المدافع على الكاتدرائية، وأنهوا الأمر!”.

وثّق مقطع فيديو مُصوّر من مبنى في وسط تيميشوارالحظة إطلاق النار على مجموعة من الثوار على درجات الكاتدرائية، حيث قُتل ثلاثة شبان حينها: سورينيل دينيلليا (23 عامًا)، وإيوان ماريوتاك (20 عامًا)، وفاسيليماريوس نيمتسوك (19 عامًا).

عقِب المجزرة التي وقعت على درجات الكاتدرائية، جرى اتهام مُمثِّلي الكنيسة، بمَن فيهم السيناتور والوزير لاحِقاً إيلي سيربو، الذي كان آنذاك كاهنًا ومستشاراً، بإغلاق أبواب الكاتدرائية لمنع الشباب من الاحتماء.

ووفقًا لتيموبوليس، في كتابه “الثورة في تيميشوارا كما حدثت”، يذكُر الثوري ماريوس ميوك أنّه عندما هتف الحشد “أيها الجنود، اتّحدوا معنا!”، استقلّ جنود الجيش سيارات عسكرية وانطلقوا بها أمام المتظاهرين باتجاه محطة التراملتفريقهم. وبحسب المصدر المذكور، أفاد قليقوتسا أفرام، الذي كان آنذاك على درجات الكاتدرائية، قائلاً: “عندما مرّت القوات بالسيارة ماركة TAB أمامنا، أطلق عناصر الميليتسيا طلقات تحذيرية. تدافعنا للدخول إلى الكاتدرائية التي لها باب مُزدوج، ووسط الزحام، انغلق أحدهما. انحنينا، نحاول التسلُّل إلى الداخل. رفعنا أنا وشخصا آخر، عرفت لاحِقًا أنّه يُدعى سورين ليا، رأسينا لنرى ما يحدُث، عندها انطلق وابِل من الرصاص من الأسفل إلى الأعلى. أصيب سورين ليا في منتصف جبهته وأصابتني الرصاصة التي خرجت منه في قاعدة رقبتي، على الجانب الأيمن. شعرت بحرُقة، فوضعت رأسي داخل صندوق وانزلقت ببطء إلى الداخل. رأى بعض الشباب أنّ ليا قد أصيب بالرصاص فسحبوه إلى داخل الكاتدرائية. وعلى الرغم من إصابته في جبهته، لمْ يفقِد ليا الكثير من الدم وكان لا يزال يتنفّس، ولكن عندما لامس رأسه الإسمنت، تشكّلت فجأة بِركة من الدماء تحت رأسه”.

في ذلك اليوم، شهدت تيميشوارا بؤر توتر أخرى، حيث لقي ثمانية أشخاص حتفهم وأصيب 23 آخرون.

* عملية “الوردة”:

في محاولة لإخفاء الجرائم التي وقعت في تيميشوارا، نُقلت 43 جُثّة من مشرحة مستشفى محافظة تيميش إلى بوخارست مساء يوم 18 ديسمبر 1989، وأُحرِقت الجُثث بهدف طمس آثار مجزرة تيميشوارا.

وفي مقابلة أجريت بعد سبع سنوات من الثورة، روى لمشروع “تيميشوارا في الذاكرة”، الرئيس السابق لنصب تيميشوارا التذكاري للثورة، ترايان أوربان (المتوفى عام 2024)، كيف جرى تنظيم عملية “الوردة” التي هدفت إلى إخفاء مجزرة 17 ديسمبر.

قال أوربان في مقابلة مع أدريان أونيكا في 4 أبريل 1997: “في 18 ديسمبر، سُرقت وثائق مستشفى المحافظة المُتعلِّقة بالقتلى والجرحى في الثورة، وقد أخذ عناصر أمن الدولة السِجلّات وأوراق العِلاج والمُلاحظات لطمس الآثار. كانت المُستشفيات تحت حراسة أفراد من الميليتسياوالجيش بدءًا من لحظة وصول الجرحى وجرى منع دخول العائلات. سُرقت 43 جثة من مشرحة المقاطعة ليلة 18 إلى 19 ديسمبر ونُقلت إلى بوخارست، حيث أُحرِقت في المحرقة. أُلقي رماد جثث تيميشوارا “في مكان ما في حفرة، في منطقة تُلقى فيها نفايات بوخارست”.

ومُنذ ذلك الحين، يذهب ثوار من تيميشوارا كل عام إلى بوخارست لتكريم ذكرى الأبطال الذين أُحرِقت جثثهم في محرقة “جِنّوشا – الرماد”.

؛؛؛…؛؛؛

غداَ في الحلقة الخامسة، تستعرض صحيفة (ليبرتاتيا) أحداث يوم 19 ديسمبر، في تيميشوارا وأهمها: الإضراب العام للعاملين في مصنع (إلبا). وتلا ذلك، في اليوم التالي، دخول جميع مصانع المدينة في إضرابٍ عام. وخرج عشرات الآلاف من العمال إلى الشوارع، وانحاز الجيش إلى جانب الشعب، وأعلنت تيميشوارا نفسها أول مدينة تحرّرت من الشيوعية في رومانيا.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..