مقالات وآراء

حكاية الثورة الرومانية – ديسمبر 1989 – من الألف للياء… (5)

ترجمة د. عصام محجوب الماحي
نقلاً عن صحيفة (ليبرتاتيا) الرومانية واسِعة الانتشار حيث كتب دانييل دانتشيا:
(الحلقة الخامس)

19 ديسمبر 1989، يوم الإضراب العام في مصنع (إلبا) تيميشوارا والاستعدادات للحظة التاريخية – التحرُّر من الشيوعية

تستعرض صحيفة (ليبرتاتيا) في هذه الحلقة، أحداث يوم 19 ديسمبر، في تيميشوارا وأهمّها الإضراب العام للعاملين في مصنع “إلبا”. وتلا ذلك، في اليوم التالي، دخول جميع مصانع المدينة في إضرابٍ عام. وخرج عشرات الآلاف من العمال إلى الشوارع، وانحاز الجيش إلى جانب الشعب، وأعلنت تيميشوارا نفسها أوّل مدينة في رومانيا تحرّر من الشيوعية، وكان ذلك حدثاً محورياً في مسار الثورة الرومانية.

أصبح مصنع “إلبا” أوّل مؤسسة تُضرِب عن العمل. وبعد يوم الأحد 17 ديسمبر، والذي شهد مقتل أكثر من 60 شخصًا بالرصّاص وإصابة أكثر من 20 آخرين، ويوم الاثنين الذي استمرّت فيه المواجهات في تيميشوارا، مع المجزرة التي وقعت على درجات الكاتدرائية وإطلاق عملية “الوردة”، جاء يوم 19 ديسمبر الذي ساد فيه التوتُّر.

كانت عائلات الضحايا تحاوِل معرفة تفاصيل عن القتلى والجرحى، وفي المدينة كان الجميع يتحدّثون عمّا جرى في الأيام السابقة. كانت الأحداث قد اكتسبت زخمًا كبيرًا، مُتجاوِزةً بكثير اللحظة التي تجمّع فيها عدد قليل من الناس حول منزِل القِس توكيش في 15 و16 ديسمبر، وصعد أحدهم شجرة وهتف “حرية!”.

في 18 ديسمبر، عُقدت اجتماعات مع العمال في المصانِع والشركات لترهيبهم، وفي 19 ديسمبر، انخفضت حدّة المواجهات في الشوارع. ومع ذلك، كانت المصانِع والمصالِح والمؤسّسات في تيميشوارا تغلي.
في 19 ديسمبر، سُجّلت حالتا وفاة، كلاهما في منطقة يوسيفين. كما كان عدد المصابين أقلّ من الأيام السابقة. وكانت اللحظة المُهِمّة في ذلك اليوم، هي تلك التي جرت في مصنع إلبا. كان الجنرال قُوشا حاضِرًا، وشهد المصنع توتُّرات وحوادث، كما يوضح ماريوس ميوك، أحد أهمّ الباحثين في أحداث ثورة تيميشوارا. ويؤكد أنّ اجتماعًا عُقِد بين الإدارة والعمال في المصنع، وحاولت السلطات، من خلال سكرتير الحزب في المحافظة رادو بالان، تدوين مطالب العمال، التي تضمّنت، من بين أمور أخرى، توفير المواد الغذائية الأساسية.
وإضافة إلى ذلك، جاء انسِحاب الجيش في 20 ديسمبر، عندما فقدت السلطات السيطرة على القوات، وكان هناك خطر حقيقي من تحالف الجيش مع المتظاهرين. كما خشيت الإدارة الشيوعية من أنْ تقع الأسلحة في أيدي الثوار.
* ثماني طائرات تقِلّ 300 مظلي أُرْسِلت إلى تيميشوارا:
يستعرض موقِع جمعية نصب الثورة التذكاري التسلسُل الزمني للأحداث في تيميشوارا، مُفصّلاً باليوم والساعة. وتُبيّن الوثيقة كيف تطوّرت الأمور في المدينة يوم 19 ديسمبر.
بعد منتصف ليل 18 ديسمبر، قام فريق من وزارة الداخلية بتحميل 43 جثة من المشرحة في شاحِنة مُبرّدة ونقلها إلى بوخارست لحرقها.
في الصباح، تصاعدت الاضطرابات في مؤسسات وشركات تيميشوارا. حاول القادة الإداريون وقادة الجيش حثّ العمال على استئناف العمل، لكن الوضع ظلّ مُضطرباً. أُعيد اطلاق الرصّاص، وسُجّلت المزيد من الإصابات. بدأ المتظاهرون بالتجمّع في نقاط متفرِّقة من المدينة والتحرُّك نحو مركزها. كانت قوات القمع، وخاصةً من الجيش، نشِطة للغاية، مُستخدِمةً الدبابات ومركبات النقل العسكرية. وانتشرت دعوات الإضراب العام بين الناس.
* التسلسل الزمني للأحداث في 19 ديسمبر 1989:
وفيما يلي بعض أهمّ أحداث ذلك اليوم، بالساعة والدقيقة، كما في الوثيقة التي أصبحت جزءًا من تاريخ وقصّة الثورة:
0.30 1.30-في تيميشوارا، عقد الجنرال اشتيفان قُوشا اجتماعًا آخر مع قادة الوحدات العسكرية وحدّد المهام المطلوب إنجازها. وفي نفس المناسبة، تقرّر تقليص عدد الأفراد العسكريين في المدينة واستبدالهم بدوريات. وبقيت الأجهزة الأمنية في منطقة مقرّ الحزب بالمحافظة لحراسته. وبعد إبلاغه باستِمرار محاولات اقتِحام مباني الوحدات العسكرية ومستودعات الأسلحة والذخيرة، طلب رئيس الأركان العامة في مثل هذه الحالات إصدار تحذير واطلاق الرصاص فوراً.
1:00 في محاولة لمحو آثار قمع مساء 17 ديسمبر، وبأوامر من صاحبة المكتب رقم 2 في هرم السلطة والنظام الشيوعي، إيلينا شاوشيسكو، بدأ في مشرحة مستشفى محافظة تيميشوارا تحميل 43 جُثّة في شاحنة تابعة لشركة كومتيم، كجزء من عملية “تراندافيرول – الوردة”، وجرى نقلها، بعد مناقشات عديدة بين القيادة الشيوعية المحلية ووزارة الداخلية (الجنرال نوتسا، والجنرال ميهاليا)، إلى محرقة الجُثث في بوخارست التي تعرف بـ “جِنّوشا – الرماد”.
4:30 استدعى الجنرال اشتيفان قُوشا قادة الوحدات إلى اجتماع عمل.
7:00 أفاد الرائد بيريش بوقوع إطلاق نار في مصنع 6 مارس. صدرت الأوامر باستخدام الغاز المسيل للدموع. وكان سبب الحادث، تعرُّض الجنود لهجوم بالحِجارة والسِهام من قِبل مجموعة من الشباب.
7:10 طلبت قيادة مصنع 6 مارس دعم لجنة الحزب في المحافظة. تعهد رئيس البلدية موتس بالتوجه إلى لتهدئة الأوضاع.
8:00 في كاليا بوزياشولوي، بدأ عمال مصنع إليكتروتيميش احتجاجات، متوقِّفين عن العمل. في مصنع إلبا، طُلب من قسم شؤون العاملين إعداد قوائم بأسماء المصابين والجرحى، لإرسالها إلى المُستوصف لتلقي الرعاية الطبية.
9:00 ظهرت شاحِنة تقل جنودًا مسلحين في حرم مصنع إلبا، مُهِمّتها اخذ أسلحة الحرس الوطني في الشركة. رفض العاملون تسليم الأسلحة خشية استخدامها ضد المتظاهرين في المدينة.
10:30 أُعلِن عن وصول الجنرال إيليا شاوشيسكو، نائب وزير الدفاع الوطني وسكرتير المجلس السياسي الأعلى إلى تيميشوارا.
10:30 توجّه رادو بالان، الذي أرسله إيون كومان، إلى مصنع إلكتروبانات ورافقه عمدة المدينة موتس وكونستانتين بوشا. أثار وجود الشاحنة العسكرية والجنود في الشركة غضب العمال. اندلعت احتجاجات في مؤسسة ميكانيكا تيميشوار. أُرْسِل كورنيل باكوستي وإيلي ماتي لتهدئة الوضع.
10:40 اطلاق رصاص بالقرب من مصنع إلبا، وإصابة عدد من الأشخاص.
11:00 أمر الجنرال اشتيفان قُوشا جنود وحدة الاستخبارات بالتحرُّك لجمع المعلومات من المصانِع.
11:30 في مؤسسة ايبروتيم، وخلال الاجتماع المُعدّ لإدانة المتظاهرين، احتجّ كلاوديو يورداكي، مُعاتباً القيادة قائلاً “لا يوجد مُثيرو شغب في الشوارِع، بلْ ممثِّلون للشعب”.
11:40 احتجاجات في مصنع إلبا. صدرت الأوامر بإرسال مجموعة من جنود.
11:50خلال اجتماع مع الجنرال قُوشا، أفاد النقيب دراقوش بأنّ أحد الجنود أصيب برصّاصة.
12:15 وصل الجنرال إيليا شاوشيسكو إلى تيميشوارا، برفقة: العقيد استان شوكالتو، والرائد إيلي بوبيسكو من قسم الدعاية “الخاصة”، والرائد قروسو (من المجلس السياسي لسلاح الطيران).
14:00 أمر إيون كومان الجنرال اشتيفان قُوشا بالتوجُّه فورًا إلى مصنع (إلبا) لإخراج السكرتير الأول رادو بالان منه.
14:30 دخل الجنرال إيلي شاوشيسكو قاعة الطعام في الثكنة العسكرية. انزعج بشدة من وجود 70 جنديًا جرى إحضارهم من مدينة لوقوج يتناولون الطعام مكتظّين على 11 طاولة طعام فقط، في شِبه ظلام (انعدام المصابيح)؛ وتحدّث إلى الجنود، ثًمّ زار وسط المدينة ومقر الحزب في المحافظة، ولاحظ أنّ المدينة هادئة و”مثيرو الشغب والفوضى تمّ القضاء عليهم تمامًا”.
15:00 في بوخارست، شعرت إيلينا شاوشيسكو بالريبة من استئناف المظاهرات في الوقت الذي كان يُعتقد فيه أنّ الأمور قد هدأت، وأيقنت أنّ الرئيس نيكولاي شاوشيسكو عندما يعود من ايران لنْ يجد أنّ كل شيء قد انتهى، فاتصلت بمرؤوسيها وقرّرت إرسال إميل بوبو سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الروماني ورئيس الوزراء كونستانتين داسكاليسكو إلى تيميشوارا لمعالجة الموقِف سريعًا.
15:30: أفاد قائد الفوج 32 المتحرِّك بتجمُّع الناس في ساحة الأوّل من مايو. غادر الى هناك المُقدّم بيليا من الفوج 39 مع 70 جندي في ثلاث سيارات.
16:10: تلقّى المُقدّم بيليا مُهِمّة إغلاق الطريق إلى وسط المدينة.
16:15: غادرت سيارة أخرى تحمِل عبوات كيميائية – مع أمرٍ باستخدامها عند الضرورة لتفريق المتظاهرين.
16:30 تجمّع حشد في مقر شركة IAEM – العدادات، واتّجه نحو المركز. واستعدّ الفوج 44 للتدخُّل بثلاث شاحنات عسكرية، بالإضافة إلى ثلاث مركبات نقل ثقيلة. هبطت ثماني طائرات من طراز AN-24 في مطار تيميشوارا الدولي، ونزل منها مظليون (300 جندي) من كاراكال، بقيادة المُقدّم إيلي قوريسكي. في الوقت نفسه، هبط جنود من الفوج الميكانيكي 114 (فِنجو ماري)، التابع للفرقة الميكانيكية الثانية من مدينة كرايوفا. في شركة إلكتروتيميش، تجمّع عدد كبير من العمال في الساحة. على الرصيف المقابل في الدوار، خارج الشركة، بدأ الناس في تشكيل حشد وإغلاق طريق كاليا بوزياشولوي، عند مخرج المدينة. تمّ إغلاق الطرق أمام السيارات والترام.
16:45 أمر الرائد دِنكا ثلاث شاحنات وثلاث مركبات عسكرية تابعة للفوج 44 بالانطلاق من طريق كاليا بوزياشولوي لقطع طريق المتظاهرين إلى وسط المدينة. وأمر المركبات العسكرية والسيارة الرابطة في ساحة 1 مايو بالتجمُّع عند جسر ماريا، لقطع الطريق إلى المركز.
7:15: أطلقت المجموعة المسلحة التي ظهرت بالقرب من مصنع إلكتروتيميش وابِلًا من الرصاص في الهواء للترهيب. استهجن الحشد فعلهم وصرخوا فيهم وهتفوا بشعارات الثورة.
18:15 توقف قطار بوزياش أمام ثكنات الفوج 32 الآلي، والمتظاهرون استهجنوا بالصراخ ما حدث ورشقوا الثكنة العسكرية بالحجارة؛ والجنود أخذوا وضعية التأهُب لأطلاق الرصاص.
18:33 قام الفوج 44 بدورية على طريق جيروكولوي.
18:35أفاد الرائد بليدارو بأنّ النظام يسود طريق بوزياشولوي.
20:20دخل مدينة تيميشوارا قائد مفرزة بوزياش، المُقدّم فلوريا باركا، برفقة 60 جنديًا وثلاث سيارات، والنقيب نيقريا سبيريدون ومعه 28 جنديًا وست مركبات عسكرية.
21:00 عاد الجنرال إيلي شاوشيسكو إلى الفرقة الآلية 18.
21:50أوقف الجنرال اشتيفان قُوشا إطلاق النار على المدنيين.
22:00 أمر الجنرال قُوشا بتجميع قوات الرائد دِنكا في الوحدة.
23:30 بدأ اجتماع عمل إيلي شاوشيسكو مع قادة الوحدات. أبلغه الجنرال اشتيفان قُوشا أنّه تمّ استخدام القوة لأنّ “الأعداء” حاولوا شنّ حرب نفسية من خلال أعمال إرهابية واستفزازية، وأنّ هناك خطرًا من استِمرار تعرُّض الجنود لهجوم وسرقة أسلحتهم.
؛؛؛…؛؛؛
غدا في الحلقة السادسة تستعرض صحيفة (ليبرتاتيا) كيف حقّق الأضراب العام والعصيان المدني في تيميشوارا غرضه فانهارت السلطة تقريبا وبدأت تفاوض في المتظاهرين، بينما كان شاوشيسكو والأجهزة الأمنية القابِضة والعسكرية الضارِبة التي قمعت المظاهرات، لا زالوا على السُلطة في بوخارست. فهل تحرّرت بالفعل المدينة من الشيوعية؟ وهل دشّن ذلك بداية نهاية النظام بالفِعل، وتلقّى تلك الرِسالة جماعة في النظام نفسه وقرّروا أنْ ينحازوا للشعب ويضعوا حدّا لنظامهم نفسه؟
دعونا نتابع لنرى كيف حدث ذلك…

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..