مذكرة السودانيين- لماذا الآن؟

في السودان اليوم، لم تعد الحرب مفهوماً نظرياً يحتاج إلى شرح، بل هي واقع يومي يفرض نفسه في تفاصيل الحياة:
في انقطاع الماء، وارتفاع أسعار الخبز،
وفي الخوف الذي يرافق كل تنقل،
وفي البيوت التي خلت من سكانها إما نزوحاً أو موتاً.
الحرب لا تدمر البنى التحتية فحسب،
بل تدمر فكرة الدولة نفسها،
وتقنع الناس أن لا مفر من منطق القوة
من قلب هذه المأساة،
تبرز مذكرة السودانيين للمطالبة بوقف الحرب وبناء حكم مدني حقيقي
ليست هذه المذكرة مجرد ورقة عابرة،
بل هي إعلان واضح يرفض فكرة أن الحرب قدر محتوم،
وأن الحكم المدني حلم بعيد.
إنها إعادة لخلق الأمل والبديل
لماذا تقول المذكرة؟
في بساطتها ووضوحها،
تتلخص مطالب المذكرة في ثلاث نقاط جوهرية يفهمها كل مواطن سوداني
وقف الحرب و إنهاء النزاع المسلح الذي يلتهم البلاد
الحكم المدني و إدارة الدولة بالدستور والقانون،
لا بالسلاح والمنطق العسكري
رفض عسكرة الحياة و استعادة الفضاءات المدنية
من المدارس إلى المستشفيات
وحماية المجتمع من ثقافة السلاح
هذه ليست شعارات سياسية،
بل هي شروط الحد الأدنى لحياة كريمة وآمنة
لماذا هذه المذكرة مختلفة؟
تتميز هذه الوثيقة عن غيرها في عدة أمهات
صادرة من المجتمع ولا تُكتب من أبراج النخب السياسية،
بل تنبثق من رحم المعاناة الشعبية،
مخاطبةً المجتمع قبل مخاطبة المتحاربين،
وتسائله عن مستقبل يريدونه لأبنائهم
تخاطب الضمير العالمي ولا تنتظر المنقذ الخارجي،
بل تستدعي العالم بوصفه شاهداً أخلاقياً على حرب تُرتكب أمام أعين الجميع،
محاولةً كسر العزلة الدولية المفروضة على القضية السودانية.
تحاول بناء الكتلة المدنية:
في لحظة انهيار الأحزاب وغياب السياسة،
تهدف المذكرة إلى إعادة تجميع الإرادة المدنية المشتركة
حول قيم السلام والدولة المدنية
هل تكفي المذكرة لوقف الحرب؟
الواقعية تقتضي الاعتراف:
لا توقف الورقة وحدها رصاصة.
لكن التاريخ يثبت أن المذكرات المؤثرة
لا تنهي الصراع عسكرياً
بل تؤثر عليه أخلاقياً وسياسياً.
فهذه المذكرة يمكن أن
تنزع الشرعية عن الحرب ومنطقها
توحّد الصوت المدني
وتخلق سقفاً للمطالب لا يمكن تجاوزه
تعيد ترتيب الأولويات
وتفتح طريقاً للمفاوضات بعيداً عن لغة السلاح
هي إذن ليست حلّاً سحرياً،
بل هي أداة لخلق بيئة يمكن أن يولد فيها الحل السياسي
ما المطلوب منا؟
المسؤولية لا تقع على السياسيين وحدهم.
يمكن لكل فرد أن يكون جزءاً من هذا التحول من خلال
الإعلان عن موقف واضح ضد الحرب ورفض تبريرها
دعم فكرة الحكم المدني
والحفاظ عليها من اليأس والسخرية
المشاركة في نشر المذكرة والتوقيع عليها،
لتحويلها من وثيقة إلى إرادة شعبية جام
مذكرة السودانيين هي أكثر من كلمات على ورق؛
إنها اختبار لإرادة شعب في اختيار مصيره.
هي محاولة لإعادة كتابة السردية السودانية بعيداً عن المأساة،
ونحو أفق الدولة المدنية الديمقراطية.
قد لا توقف الحرب غداً،
لكنها تمنحنا سلاحاً لم نعد نمتلك غيره:
سلاح الكلمة والشرعية والإرادة الموحدة
إنها صوتنا الجماعي فالنرفعه.



